من "بيكانيا" البرازيل إلى مائدة المصريين، في البرازيل، وعد الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا قبل أربعة أعوام "الشعب سيعود إلى أكل البيكانيا"، عاد الوعد ليطارده انتخابيًا، وتحول الأمر اليوم إلى ورقة انتخابية مثيرة؛ فمنافسه فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، استثمر هذا الوعد القديم في حملته الانتخابية، وقدم أطباقاً من اللحم المشوي قائلاً: “بما أن لولا لم يجلب البيكانيا، فقد أحضرتها أنا".
بدا المشهد طريفًا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يعني شيئًا أكثر جدية: فحين ترتفع كلفة الطعام، تتحول المائدة إلى صندوق اقتراع، فقد لا يتذكر الناخب أرقام التضخم، لكنه يتذكر سعر ما يضعه على مائدة أسرته.
وهنا تبدو المقارنة مع مصر لافتة، لسنا أمام "بيكانيا" مصرية، ولا أمام اقتصادين متشابهين، لكننا أمام السؤال نفسه: ماذا يستطيع المواطن أن يشتري بدخله؟
في البرازيل، أصبحت قطعة اللحم رمزًا للقدرة الشرائية، وفي مصر، يعود النقاش باستمرار إلى الخبز وأسعار السلع وفواتير الكهرباء والماء وتكاليف المعيشة؛ أي إلى الأشياء التي لا تستطيع الأسرة تأجيلها أو الاستغناء عنها، فهي من أساسيات الحياة وتمثل حد الكفاف المطلوب لكل أسرة.
قد تنخفض بعض معدلات التضخم، أو تتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية، بينما تظل ذاكرة الأسعار وفواتير المشتريات جاثمة فوق مائدة الناس، لتبقى المشكلة الأولى أمام رب الأسرة: كم ارتفع السعر هذا الشهر، وربما هذا اليوم؟
من أين يأتي المواطن بالمال ليشتري ما عجز دخلة الأساسي عن توفيره؟
وهذه هي المفارقة التي تكشفها السياسة حين تدخل المطبخ؛ فالحكومات تنظر إلى الاقتصاد من خلال جداول وأرقام، بينما ينظر المواطن من أمام رفوف السوبر ماركت ومحلات البقالة، أو وهو يحسب ثمن الخبز والخضروات والزيت قبل أن يصل إلى الكاشير، متجاهلاً اللحوم التي باتت سلعه تفوق قدراته الشرائية.
في النهاية، قد تختلف البرازيل عن مصر في كل شيء تقريبًا، لكن المائدة تعرف لغة واحدة..
حين تصبح الوجبة أبسط، اللحم حلم، والرغيف أثقل على ميزانية الأسرة، لا يعود الأمر مجرد قصة أسعار، يصبح السؤال عن معنى أن يعيش الإنسان حياة لا يستطيع تحمّل تكلفتها، بينما تظل المؤشرات الاقتصادية عاجزة عن ترجمة هذا الشعور اليومي وتقدم صورة تثير حنق الجماهير عبر وسائل الإعلام المختلفة.
------------------------
بقلم: إنچي مطاوع






