15 - 09 - 2026

الخبيئة: عندما تستعيد ذاكرة الأمة بصرها من خزائن "ضي"

الخبيئة: عندما تستعيد ذاكرة الأمة بصرها من خزائن

في لحظة تشكيلية فارقة ومكتنزة بالدلالات الحضارية والفنية، تفتح أتيلييه العرب للثقافة والفنون (جاليري ضي بالزمالك) أبوابها أمام التظاهرة الاستثنائية والمعنونة بـ "الخبيئة". وتجيء تسمية "الخبيئة" في موضعها الدقيق؛ فهي ليست مجرد استعارة لفظية لمقتنيات نادرة يماط عنها اللثام، بل تجسيد لمفهوم اكتشاف الكنوز البصرية المطمورة التي طالما غيبت عن العرض العام، لتكشف عن ذخيرة لم تشاهد من قبل، بواقع أعداد ضخمة تصل إلى نحو عشرين لوحة واسكتشا لكل فنان، مما يجعل المعرض حدثا تاريخيا يعيد ترتيب مشاهد الحركة التشكيلية المصرية والعربية.

لا تتوقف قيمة معرض "الخبيئة" عند حدود الحشد العددي أو المفهوم الاحتفالي بالرواد، بل تتجاوز ذلك لتفرض مقاربة نقدية متعددة المستويات تمس جوهر التجربة التشكيلية المصرية في تحولاتها التاريخية والجمالية:

أولا: كشف المخبوء التأسيسي (الاسكتش كوثيقة تجريبية)

تمنحنا الخبيئة فرصة نادرة لاختراق "المطبخ الفني" للفنانين المشاركين؛ فالتجاور بين الاسكتش التحضيري واللوحة المكتملة يمثل وثيقة جمالية حية تكشف عن لحظات التردد الأولى، والتفتيش عن خطوط القوة، وكيفية اختزال الفكرة قبل صياغتها النهائية. إن عرض هذا الكم الهائل من الاسكتشات يتيح للناقد والباحث تتبع التطور الأسلوبي والتحولات الصياغية لدى قمم الحركة التشكيلية، حيث تتحول الخطوط السريعة إلى مساحة بوح عفوية ومتحررة من قيود الإنجاز النهائي.

ثانيا: التنوع الأسلوبي وتجاور المدارس (صراع وتحاور الأجيال)

تطرح القائمة المعروضة تنوعا طيفيا هائلا يجمع بين السردية التعبيرية والرؤية الانطباعية والتجريد الهندسي والحفر الجرافيكي؛ حيث يلتقي التجريد الهادئ والتكوين المعماري الصارم عند حسن سليمان وصلاح طاهر مع التعبيرية الفطرية الحية لدى جاذبية سري وتحية حليم. وفي المقابل، تطل السخرية الناقدة والتثوير البصري من خلال رسوم الجرافيك والصحافة التشكيلية لدى أحمد طوغان وصاروخان وأبو العينين وجورج بهجوري. هذا التجاور لا يصنع زحاما بصريا، بل يؤسس لحوارية بصرية، تكشف كيف تجاورت المدارس الفنية واشتبكت مع قضايا المجتمع والهوية في فترات تاريخية متقاربة.

ثالثا: مفهوم "المتحف الموازي" والتوثيق الحضاري

يبدو جاليري ضي من خلال هذا المعرض كأنه يؤسس لمفهوم "المتحف الموازي" الذي يتصدى لمهمة التوثيق وحفظ الذاكرة البصرية الوطنية. إن إخراج هذه الأعمال من عتمة المجموعات الخاصة والخزائن المغلقة إلى ضوء العرض العام هو بمثابة رد اعتبار تاريخي لأسماء شكلت وجدان الحركة التشكيلية، ودعوة مفتوحة لإعادة كتابة تاريخ الفن المصري وفق معطيات بصرية جديدة لم تكن مجهزة للعرض من قبل.

إن "الخبيئة" ليست مجرد معرض استعادي، بل هي حدث نقدي ممتد يطرح أسئلة حول مصير المقتنيات الغائبة، ويؤكد أن ثراء الفن المصري لا يكمن فقط فيما هو معروض في المتاحف الرسمية، بل فيما ينتظر الكشف عنه في خزائن المؤسسات الواعية ذات الرؤية الاستشرافية.

إن هذا الحشد الاستثنائي تحت سقف "الخبيئة" ليس مجرد وليمة بصرية للاستمتاع الظاهري، بل هو مختبر جمالي مفتوح يفرض على المشهد الفني بكل روافده وقفة تأمل واكتشاف:

إنها فرصة نادرة للدارسين والشباب والفنانين للنفوذ إلى "المطبخ الفني" وشغف الحالة التحضيرية لأرباب الفن؛ للوقوف على التخطيطات الأولى (الاسكتشات) وبدايات تشكل الفكرة، ورصد كيف يولد العمل الخالد من رحم البحث والتردد التجريبي والبحث المضني عن الكتلة والخط، بعيدا عن الاستسهال البصري أو الجاهزية السريعة.

يمثل هذا المعرض لحظة حاسمة تدعو الناقد والباحث في تاريخ الفن المصري إلى "إعادة تدوير الرؤية النقدية" وتجديد الأدوات المفهومية؛ فخروج هذا الكم من الأعمال المخبوءة يعيد ترتيب أوراق الذاكرة البصرية، ويفرض إعادة قراءة المسارات الأسلوبية للرواد في ضوء ما كشف عنه، للوصول إلى استقراء أكثر عمقا وشمولا لتاريخ الحركة التشكيلية المصرية.
---------------------------
كتب - 
د. سامي البلشي