15 - 09 - 2026

"ميدفست مصر" يختتم دورته الثامنة.. يومان من السينما والصحة النفسية وما وراء المشهد

من "ما تراه" و"عدسة" إلى "ما بعد" .. السينما القصيرة تفتح نوافذ جديدة على الإنسان والمجتمع

أسدل مهرجان ميدفست مصر للأفلام القصيرة الستار على فعاليات دورته الثامنة، التي أقيمت تحت شعار «بره المشهد»، بعد أيام حافلة بالعروض السينمائية والندوات والماستر كلاس واللقاءات التي جمعت صناع الأفلام والفنانين والمتخصصين في السينما والصحة النفسية. وشهد أمس الأحد مجموعة مكثفة من الفعاليات التي عكست اتساع مساحة المهرجان، من مناقشة كواليس صناعة الدراما، إلى قراءة الأفلام القصيرة نفسيًا وفنيًا، والاحتفاء بأكاديمية فامو التشيكية، ومناقشة مستقبل المهرجانات ودورها في رعاية الفيلم القصير، وصولًا إلى قضايا التوزيع ودور العرض والعقود الفنية وحقوق صناع السينما.

وفي اليوم الأخير، الاثنين، اتجهت أنظار جمهور المهرجان إلى ختام الدورة وإعلان نتائج المسابقة وتوزيع الجوائز، لتصبح اللحظة الختامية امتدادًا طبيعيًا لرحلة سينمائية وضعت الفيلم القصير في قلب النقاش حول الإنسان، ومشاعره، وصحته النفسية، وعلاقته بالمجتمع والعالم من حوله.

"ما وراء المشهد" .. حين تصبح التفاصيل الطبية جزءًا من صدق الحكاية

كان من أبرز فعاليات أمس الأحد ندوة «ما وراء المشهد» التي جمعت فريق مسلسل «لا ترد ولا تستبدل»، بحضور المخرجة مريم أبو عوف، ومدير التصوير حسين عسر، والكاتبتين دينا نجم وسمر عبدالناصر و مينا جرجس، وأدارتها الفنانة يارا جبران.

وكشفت الندوة عن حجم العمل الذي سبق ظهور المسلسل على الشاشة، خصوصًا أن قصته ترتبط بالفشل الكلوي والغسيل الكلوي والتبرع بالأعضاء، وهي موضوعات تحتاج إلى قدر كبير من الدقة والمصداقية. وأكدت مريم أبو عوف أن صناعة السينما والدراما عمل جماعي، وأن مهمتها كمخرجة كانت ترجمة ما كُتب على الورق إلى الشاشة، مع الحفاظ على الحالة الدرامية وإيصالها بأفضل صورة ممكنة.

وأوضحت أن فريق العمل حرص على التدقيق في التفاصيل الطبية، وزار مركز القاهرة للكلى، حيث ساعد مينا جرجس، الذي كان مسؤولًا عن التمريض، في تعريف الفريق بطبيعة المرض والغسيل الكلوي والأعراض التي تظهر على المرضى. وتحول جرجس لاحقًا من مستشار للفريق إلى مشارك في المسلسل، بعدما طلبت منه أبو عوف تجسيد شخصية ممرض.

أما مدير التصوير حسين عسر، فتحدث عن أن مهمته لا تقتصر على تصوير المشهد، وإنما تشمل تصميم الإضاءة بما يعبر عن الحالة الدرامية والشعورية للشخصيات. وأشار إلى أن الشكل البصري للمسلسل استند إلى واقعية الأحداث، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا منها يدور داخل المستشفى.

وأكدت مريم أبو عوف أن التحدي كان في تحقيق توازن بين الجماليات والواقعية، بحيث تكون الصورة جميلة ومريحة للعين، لكنها في الوقت نفسه لا تفقد صدق المكان والشخصيات. وهو ما انعكس على اختيار مواقع التصوير والتكوينات البصرية، التي استندت إلى طبيعة الأماكن نفسها.

وكشفت الكاتبتان دينا نجم وسمر عبدالناصر أن رحلة الكتابة استغرقت وقتًا طويلًا، وأن العمل بدأ قبل بيعه لأي جهة، واستمر نحو عامين ونصف العام، بين البحث في المستشفيات، والحديث مع الأطباء، وبناء الشخصيات، ثم كتابة السيناريو وتقسيم المهام.

وتوقفت الندوة كذلك عند بعض كواليس المسلسل، ومنها مشهد موت البعوضة، الذي تحول إلى اختبار درامي لشخصية طه، لمعرفة ما إذا كان سيتخذ قراره بدافع إنقاذ شقيقه أم بدافع المرأة التي يحبها. وهكذا كشفت الندوة أن التفاصيل الصغيرة يمكن أن تصبح جزءًا من البناء النفسي والدرامي للعمل.

ما تراه" .. التراكم والكتمان خلف الصورة

وانتقل المهرجان إلى مساحة مختلفة من النقاش مع الجلسة التي أعقبت عرض برنامج الأفلام الرابع «ما تراه» ضمن المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة، بمشاركة المخرج الإماراتي نواف الجناحي، والفنان أحمد عصام السيد، وكريستينا ميخائيل، أخصائي الصحة النفسية والمعالج النفسي، وأدارها محمد المعاندي.

ركز النقاش على العلاقة بين القراءة الفنية والقراءة النفسية للأفلام، وعلى المساحات التي يتركها صناع الأفلام للجمهور من أجل التأويل. ورأى نواف الجناحي أن بعض الأعمال تتميز بصريًا رغم بساطة موضوعاتها، متوقفًا عند أفلام مثل «Dreams for a Better Past» و«Because Today is Saturday» و«Stand Still».

أما أحمد عصام السيد، فرأى أن «التراكم» هو الثيمة المشتركة بين عدد كبير من أفلام البرنامج، سواء تعلق الأمر بالعلاقة بين الأب والابن، أو الزوج والزوجة، أو بالأدوار الاجتماعية التي تحملها الشخصيات. وأكد أن الفيلم القصير لا يحتاج إلى تقديم كل الإجابات، بل يمكن أن يمنح المشاهد جزءًا من الحكاية ويترك له مهمة استكمالها.

ومن منظور الصحة النفسية، رأت كريستينا ميخائيل أن المشاعر المكبوتة والأسرار المتراكمة تصنع طبقات تفصل الإنسان تدريجيًا عن مشاعره الحقيقية. وتوقفت عند الضغوط التي يمكن أن تنتج عن تعدد الأدوار والمسؤوليات، خصوصًا بالنسبة إلى النساء، وكذلك عند فكرة الصدمات الممتدة عبر الأجيال.

وهكذا لم يكن «ما تراه» مجرد برنامج للأفلام، بل أصبح مدخلًا لقراءة ما تخفيه الشخصيات خلف سلوكها الظاهر، وهو جوهر يتقاطع بصورة مباشرة مع شعار الدورة «بره المشهد».

فامو التشيكية.. 80 عامًا من صناعة السينما

وشهد أمس أيضًا احتفاء مهرجان ميدفست مصر بمرور 80 عامًا على تأسيس أكاديمية FAMU السينمائية في براغ، من خلال برنامج خاص قدم بالتعاون مع المركز الثقافي التشيكي بالقاهرة وسفارة جمهورية التشيك.

وضم البرنامج خمسة أفلام من إنتاج الأكاديمية تناولت موضوعات مرتبطة بالصحة النفسية، من اكتئاب ما بعد الولادة وفقدان الأشخاص المقربين إلى صورة الجسد والتنمر، مع حضور واضح للرسوم المتحركة والكوميكس باعتبارهما أدوات للتعبير عن القضايا الإنسانية.

وأكد كريم عبدالعزيز، مدير المشاريع الثقافية بالمركز الثقافي التشيكي وسفارة التشيك، أن اختيار الأفلام لم يعتمد على ارتباطها بالصحة النفسية فقط، وإنما شمل أيضًا قيمتها البصرية واستخدامها تقنيات متنوعة في الرسوم المتحركة والكوميكس.

ومن جانبه، أكد مينا النجار، رئيس مهرجان ميدفست مصر والشريك المؤسس، أن اختيار FAMU يتقاطع مع اهتمام المهرجان بالفيلم القصير، ويعكس توجهه إلى تقديم تجارب سينمائية دولية متنوعة من أوروبا وأمريكا وفرنسا وشرق أوروبا وإنجلترا.

لقاء مع المهرجانات" .. كيف يصل الفيلم القصير إلى جمهوره؟

ومن أبرز نقاشات الأحد أيضًا ندوة «لقاء مع المهرجانات»، التي جمعت مارييت ريسنبيك، وآنا فيستيل، ويوكا بيكا لاكسو، ومينا النجار، وأدارها محمد طارق.

ناقشت الجلسة المعايير التي تحكم اختيار الأفلام في المهرجانات، وعلاقة المبرمجين بالجمهور، وأهمية العمل الجماعي في اتخاذ قرارات البرمجة، فضلًا عن الدور الذي يمكن أن تلعبه المهرجانات في رعاية الأفلام التي لا تجد مكانًا في مسابقة معينة.

وأكدت مارييت ريسنبيك أن الفيلم الجيد ليس له تعريف مطلق، وأن قيمته ترتبط بقدرته على لمس المشاهد وإثارة فضوله. وكشفت أن فريقها شاهد نحو 6600 فيلم خلال الدورة الحالية قبل الوصول إلى قائمة تضم نحو 45 فيلمًا للمسابقة الدولية.

أما يوكا بيكا لاكسو، فأوضح أن مهرجان تامبيري تلقى نحو 7400 فيلم للمسابقة الدولية، بينما لا تتسع المسابقة النهائية إلا لنحو 60 فيلمًا. وأكد أن الاختيار لا يعني البحث عن «أفضل» الأفلام بمعزل عن السياق، وإنما بناء برنامج متنوع ومتوازن يعكس السينما العالمية.

وفي السياق نفسه، شدد مينا النجار على أن المهرجانات لا ينبغي أن تكون مجرد منصات للقبول والرفض، وإنما مساحة لرعاية الفيلم ومساعدته على الوصول إلى جمهوره. وأكد أن ميدفست يحتفظ بالأفلام التي لا تدخل المسابقة، بما يتيح إعادة تقديمها في برامج مستقبلية.

عدسة" .. تغيير زاوية النظر إلى العنف والخوف

وفي برنامج «عدسة»، ناقش المهرجان مجموعة من الأفلام التي تناولت العنف والخوف والاضطرابات النفسية، في جلسة شارك فيها المخرج عبدالعزيز النجار والفنانة فرح يوسف والدكتورة منى رضا، وأدارها المخرج محمد نادر.

وأكد عبدالعزيز النجار أن جميع الأفلام نجحت في التعبير عن فكرة تغيير المنظور، مشيرًا إلى أهمية توقيت تقديم المعلومة داخل الفيلم، لأن المعلومة لا تكون مهمة فقط في حد ذاتها، وإنما في اللحظة التي يختار المخرج الكشف عنها.

ورأت فرح يوسف أن الفيلم القصير والطويل شكلان مختلفان من السينما، وأن القيمة بالنسبة إليها ترتبط بالموضوع والعالم الذي يقدمه الفيلم وقدرة الشخصيات على الوجود داخله بصورة مقنعة. ووجهت نصيحتها إلى صناع الأفلام الشباب بالاستمرار في صناعة الأفلام، مستفيدين من الورش والمهرجانات والمساحات الفنية المتاحة.

أما الدكتورة منى رضا، فتناولت حضور العنف والمشكلات النفسية في السينما، مؤكدة أن الفن قادر على تصحيح الصور النمطية وتعزيز الوعي، شرط أن يتم تناول هذه القضايا بمسؤولية ودقة.

ما بعد" .. ما تخفيه الصورة أكثر مما تظهره

وشهدت فعاليات الأحد كذلك عرض أفلام «ما بعد»، أعقبته جلسة ناقشت علاقة الإنسان بالمساحات العامة والصدمات النفسية والبحث عن الهوية.

وأكد الدكتور هشام أن الصدمات المتكررة يمكن أن تؤثر في قدرة الإنسان على التفاعل مع الآخرين، وأن بعض الأطفال الذين يتعرضون للمآسي قد يصابون بحالة من التبلد أو الانفصال. وشدد على أهمية وجود شبكة من العلاقات الإنسانية الداعمة التي تسمح بالتعبير عن المشاعر والتعامل مع الضغوط.

أما محمد حماد، فأكد أن السينما لا تتمثل مهمتها في تقديم الإجابات، وإنما في طرح الأسئلة، مشيرًا إلى أن إبراز ما هو مخفي يفتح باب الخيال ويمنح كل مشاهد فرصة لتكوين قراءته الخاصة.

وتحدثت المونتيرة سارة عبدالله عن المونتاج باعتباره أداة لحكي الحكاية وصناعة المشاعر، وليس مجرد عملية لتقطيع المشاهد وترتيبها. وأكدت أن فهم ما يريد الفيلم قوله يأتي أولًا، ثم يبدأ المونتير في اكتشاف التفاصيل والشخصيات وبناء الإيقاع.

ما وراء دور العرض" .. السينما المستقلة تحتاج إلى جمهور

ومن الفعاليات المهمة أيضًا ندوة «ما وراء دور العرض السينمائية»، التي استضافت فريق سينما «زاوية»، ممثلًا في محمد سعيد ونعمة خالد وأحمد حسين، وأدارها أحمد نبيل.

ناقشت الندوة التحديات التي تواجه دور العرض المستقلة، بداية من إدارة الفريق والجوانب الإدارية والقانونية، وصولًا إلى التفاصيل التقنية المرتبطة بتشغيل الأفلام.

وتحدث أحمد حسين عن خبرته في تشغيل أفلام الـ35 ملليمتر، مؤكدًا أن هذه النسخ تحتاج إلى عناية مستمرة وفحص دقيق للآلات والتروس والنسخ، في حين أصبح العرض الرقمي أكثر استقرارًا بعد اختبار النسخة والتأكد من جودة الصورة والصوت.

وأكد محمد سعيد أن نجاح «زاوية» يقوم على فريق متكامل، وعلى سياسة تقوم على مشاهدة الأفلام واختبارها تقنيًا قبل عرضها للجمهور، مشيرًا إلى أن العلاقة بين السينما وجمهورها تمثل أحد أهم أسباب استمرار التجربة.

ماستر كلاس العقود.. حماية حقوق صناع السينما

وفي جانب مهني، أقيمت ماستر كلاس حول عقود الأفلام وحقوق الفنان قدمها المحامي محمود عثمان، تناول خلالها أهمية قراءة العقود الفنية بعناية، خصوصًا بنود المدة والفسخ والاستغلال والتوزيع.

وأوضح عثمان أن العقد يجب أن يحدد بوضوح مدة العمل ومدة الاستغلال والحقوق التي يجري التنازل عنها والنطاق الجغرافي والالتزامات والمقابل المادي. كما شدد على أن إعادة إنتاج العمل أو تحويله إلى نمط فني آخر لا يجوز أن تتم إلا إذا نص العقد على ذلك صراحة.

وتناول كذلك بند القوة القاهرة، موضحًا أنه يؤدي إلى تعليق العقد خلال الظرف الاستثنائي، ولا يعني إنهاءه تلقائيًا، إلى جانب أهمية تحديد القانون الحاكم والمحاكم المختصة بما يحفظ حقوق أطراف العمل.

الاثنين.. الستار الأخير وإعلان حصاد الدورة الثامنة

ومع حلول اليوم الاثنين 14 سبتمبر، دخل مهرجان ميدفست مصر مرحلته الأخيرة، بعد دورة امتدت على مدار عدة أيام في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وقدمت مجموعة واسعة من الأفلام القصيرة والبرامج والندوات واللقاءات المتخصصة.

ويأتي حفل الختام ليكون المحطة الأهم في اليوم الأخير، حيث يلتقي صناع الأفلام والفنانون والجمهور للاحتفاء بما قدمته الدورة الثامنة، قبل إعلان نتائج المسابقة وتوزيع الجوائز على الأعمال وصناعها.

ويمثل الختام أكثر من مجرد لحظة لإعلان أسماء الفائزين؛ فهو تلخيص لمسار كامل من المشاهدة والنقاش والتفاعل بين السينما والصحة النفسية. فالأفلام التي تنافست خلال الدورة لم تكن مجرد أعمال قصيرة ذات مدد زمنية محدودة، وإنما تجارب إنسانية حاولت أن تنظر إلى ما يحدث خلف الصورة، وما تخفيه الشخصيات من خوف وفقد وضغط وأسئلة وأحلام.

ومن «ما تراه» إلى «عدسة» و«ما بعد»، ومن كواليس «لا ترد ولا تستبدل» إلى تجربة FAMU التشيكية، ومن نقاش برمجة الأفلام إلى مستقبل دور العرض المستقلة وحقوق صناع السينما، بدا شعار «بره المشهد» حاضرًا في مختلف تفاصيل الدورة.

وفي حفل الختام، تُعلن نتائج المسابقة وتُسلَّم الجوائز للفائزين، لتختتم الدورة الثامنة رحلة وضعت الفيلم القصير في مساحة تتجاوز العرض السينمائي التقليدي، وتتعامل معه باعتباره أداة لفهم الإنسان، وطرح الأسئلة، ومناقشة قضايا الصحة النفسية والمجتمع والعلاقات والهوية.

وهكذا يطوي «ميدفست مصر» صفحة دورته الثامنة، بعد أن منح الفيلم القصير مساحة واسعة للتعبير والحوار، وأكد أن ما يوجد «بره المشهد» قد يكون في كثير من الأحيان هو الحكاية الأهم.
------------------------------------
أمنية طلعت المصري