14 - 09 - 2026

واشنطن بوست: العمانيون مندهشون من تهديدات ترمب بتدمير بلادهم

 واشنطن بوست: العمانيون مندهشون من تهديدات ترمب بتدمير بلادهم

دبلوماسي أميركي سابق: عمان سمحت لايران بتشكيل روايتها بدلا عنها  

بدا التهديد وكأنه ظهر فجأة، فقد قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لقناة فوكس نيوز، في إشارة إلى جهوده لإعادة فتح مضيق هرمز: "إذا وقفت عُمان في طريقنا، فسوف نقصفها بشدة".  

شعر العُمانيون بالحيرة، فالتفاخر، أمرٌ مرفوضٌ بشدة في ثقافتهم كقاعدة عامة، لكن لطالما افتخر الناس هنا ببلدهم الصغير، الواقع في أقصى جنوب شرق شبه الجزيرة العربية، وبمياهه الزرقاء الغنية بالسلاحف البحرية وواحاته العذبة المتناثرة بين الجبال الوعرة، وبكرم أهله وتواضعهم، في منطقة تشتهر بثرواتها الباذخة، وبسمعتها، رغم تعقيدات الشرق الأوسط، بالحياد، وبمساهمتها في حل بعضٍ من أعقد أزماته. 

كان وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، في الواقع،قد توسط في ثلاث جولات من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في فبراير الماضي، وأفاد بإحراز "تقدم ملحوظ" بعد اجتماع في جنيف في السادس والعشرين من فبراير، وصرّح في اليوم التالي في برنامج "واجه الأمة": أن "اتفاق سلام بات في متناول أيدينا"، وفي اليوم التالي، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل قصف إيران، مُشعلتين حربًا لم تنتهِ بعد مرور أكثر من ستة أشهر. 

كان تهديد ترامب لسلطنة عُمان في السابع عشر من أغسطس صادمًا للغاية، لا سيما وأن إطار السلام المبدئي الذي وقّعه مع طهران قبل أقل من شهرين كان قد نصّ على أن تُجري عُمان "حوارًا" مع إيران بشأن مستقبل مضيق هرمز.  

ووصف الباحث العُماني عبد الله باعبود، رئيس قسم دراسات دولة قطر في الدراسات الإسلامية بجامعة واسيدا في طوكيو، تهديد ترامب بأنه "أمرٌ شائن"، مُلخصًا بذلك رأيًا عبّر عنه العُمانيون مرارًا وتكرارًا في الأيام الأخيرة. وأضاف باعبود: "لم نرتكب أي خطأ؛ كنا نحاول فقط مساعدة الولايات المتحدة"، في إشارة إلى الجهود المبذولة للتوسط في اتفاق لإعادة فتح المضيق بالكامل، وهو الممر المائي الضيق الذي يربط بين إيران وعُمان، والذي يُعدّ حيويًا لإمدادات النفط العالمية، وتابع: "هذه هي طبيعتنا".  

كان من المقرر أن تستضيف عُمان اليوم الاثنين اجتماعًا لوزراء خارجية دول الخليج العربي، بما فيها إيران، لمناقشة إعادة فتح مضيق هرمز، إلا أن الاجتماع أُلغي في وقت متأخر من مساء الأحد، حيث صرّح البوسعيدي بأن التأجيل جاء "حرصًا على التوافق"، وكان هذا أحدث مؤشر على صعوبة الوضع الدبلوماسي الذي لا تزال عُمان تواجهه. 

بدأ الكثيرون في عُمان في إعادة تقييم علاقتهم الطويلة، والمعقدة أحيانًا، مع الولايات المتحدة، وكيفية تعامل عُمان، المعروفة بتكتمها، مع الوضع منذ تهديد ترامب.  وقال العديد من العُمانيين إنهم لم يأخذوا تهديد ترامب على محمل الجد، لكنهم قلقون بشأن ما سمعه تحديدًا عن بلادهم والذي أثار غضبه، وكذلك بشأن ما قد تفكر فيه الدول الأخرى. 

ورأى البعض أنه قد حان الوقت لعُمان أن تكون أقل صمتًا. قال باعبود، جالسًا في مقهى في مسقط، العاصمة: "لا نُثير ضجة إعلامية لأن هذه ليست من شيم العُمانيين، لكننا نعلم أن ذلك قد يُؤدي إلى سوء فهمنا".  

بدت الحرب بعيدة المنال في فجر يوم سبتٍ مضى، حيث كان الصيادون يسحبون أسماك التونة والكنغفيش من قواربهم إلى الرصيف، ثم يتبادلون بسعادةٍ غامرةٍ الحديث عن أحجام صيدهم.  

تقع عُمان، التي يعتمد اقتصادها على صيد الأسماك، عند ملتقى الخليج العربي ببحر العرب، على حدود الجزء الجنوبي من مضيق هرمز، وكانت إمبراطوريةٌ امتدت على طول ساحل شرق أفريقيا، وصولاً إلى موزمبيق الحالية، وتحكمها أسرة آل بو سعيد منذ عام 1744. تولى السلطان هيثم بن طارق، حاكم عُمان الحالي، الحكم عام 2020، بعد وفاة ابن عمه، السلطان قابوس بن سعيد، الذي بنى خلال فترة حكمه التي امتدت لخمسين عاماً سمعة عُمان كدولةٍ تُشبه سويسرا الشرق الأوسط. كان قابوس هو من أسس السياسة الخارجية العمانية القائمة على مبدأ "صديق للجميع، لا عدو لأحد"، وفي عهده اضطلعت عُمان بدور الوسيط في الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، وفي الحصار الذي فرضته دول خليجية أخرى على قطر، وفي الحرب الأهلية اليمنية، وغيرها من الأزمات، إلا أن هذه الجهود لم تخلُ من الجدل، فقد انتقدت دول عربية أخرى قرار عُمان عدم قطع العلاقات مع مصر عام 1979، عندما طبعت القاهرة العلاقات مع إسرائيل بموجب اتفاقيات كامب ديفيد، كما انزعجت بعض دول الخليج، ولا سيما السعودية، من مفاوضات عُمان غير الرسمية بشأن الاتفاق النووي لعام 2015 الذي ساهمت عُمان في التوسط فيه بين إيران والولايات المتحدة، وينتقد مسؤولون في دول خليجية أخرى عُمان سرًا الان لعدم إدانتها الواضحة لجارتها إيران في الوقت الذي استهدفت فيه إيران قوى إقليمية بوابل من الصواريخ والطائرات المسيرة ردًا على الضربات الأمريكية الإسرائيلية، 

وواصلت عُمان المشاركة في المناقشات مع تبني ترامب للحرب، غالبًا بالتوازي مع محادثات موازية تقودها قطر وباكستان، وفي سرية تامة. 

تساءل العمانيون في الأسابيع الأخيرة، عن السبب الحقيقي وراء هجوم ترامب على بلادهم، التي هددها لأول مرة في مايو الماضي بـ"تفجيرها" إذا لم "تلتزم بقواعد السلوك". 

 ويقول عبد الوهاب البلوشي، رجل أعمال وأحد العمانيين الذين درسوا في جامعات أمريكية بمنح حكومية: "لا بد أنه سمع شيئًا ما، لكننا لا نعرف ما هو"، ويضيف البلوشي، العضو الحالي في مجلس إدارة جامعة مسقط: "كان الوضع مختلفًا في عهد كارتر، وريجان، وبوش... في عهد الجميع". 

ويقول تايلر باركر، الأستاذ المساعد للعلوم السياسية في جامعة ميرسر بولاية جورجيا والمتخصص في شؤون عُمان، إن ترامب شعر بالإحباط من عُمان في البداية بسبب اعتقاده بأن الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 - الذي طلبت إدارة أوباما من عُمان التوسط فيه - كان منحازًا ضد الولايات المتحدة، ويضيف باركر أن ترامب عاد ليغضب من عُمان في الأشهر الأخيرة "بسبب اعتقاده بأن عُمان أقرب إلى إيران". 

وصرح مسؤولون إيرانيون بأن سلطنة عُمان منفتحة على إنشاء نظام رسوم لعبور مضيق هرمز، وهو ما نفته عُمان مؤخرًا. وقال باركر: "لطالما كانت عُمان وسيطًا حذرًا للغاية، وتجد إدارة ترامب صعوبة في فهم هذا النوع من السياسة الخارجية".  

وقال دبلوماسي أمريكي سابق، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته نظرًا لحساسية الموقف، إن جزءًا من اللوم يقع على عاتق عُمان، لسماحها للنظام الإيراني بتشكيل الرواية، بما في ذلك تأخرها في دحض فكرة دعم عُمان لنظام الرسوم المقترح في المضيق. 

وقال الدبلوماسي السابق: "لم يُدلِ العمانيون بتصريحات تُذكر، مما يُصعّب فهم ما يجري... ويُحتمل أن يسمع ترامب شيئًا ما فيُهاجمه".  

وكان البوسعيدي قد صرّح الأسبوع الماضي بأنه "لم يتم التوصل إلى حل بعد" في الجهود العمانية لتأمين حرية مرور السفن، كما ألقى باللوم على "بعض قادة العالم" لتهميشهم الدبلوماسيين المحترفين ومحاولتهم التوسط في اتفاق بأنفسهم، وكتب في صحيفة فايننشال تايمز قائلا: "لكننا لن ننسحب".  

وقال يوسف البلوشي، وهو صياد ومهندس متقاعد كان متواجدًا على الرصيف صباح السبت لإصلاح قاربه، إن العمانيين يسخرون عندما يسمعون ترامب يُفكّر في إعادة تسمية المضيق باسمه أو إعلانه أرضًا أمريكية، كما فعل الشهر الماضي، وأضاف أن ترامب يبدو أنه لا يفهم أبسط قواعد الجغرافيا والتاريخ.  وقال البلوشي: "المدخل بأيدينا، لطالما كان كذلك. نحن من نملك الباب"، وعقد حاجبيه عندما سُئل عن تهديدات ترامب. قال: "إنه لا يفكر، بل يتكلم فقط. عليه أن يفكر قبل أن يتكلم".  

علاقة طويلة الأمد 

يعود تاريخ العلاقات العمانية مع الولايات المتحدة إلى أواخر القرن الثامن عشر، عندما رست سفينة أمريكية، هي "بوسطن رامبلر"، في ميناء مسقط.  أصبح عماني أول دبلوماسي عربي يزور الولايات المتحدة عام 1840، حاملاً معه سجادًا فارسيًا وتمورًا وجلود إبل، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في السنوات الأخيرة، حوالي 4 مليارات دولار سنويًا، وتُعدّ عُمان واحدة من حوالي 20 دولة تربطها بالولايات المتحدة اتفاقية تجارة حرة شاملة، وفقًا لغرفة التجارة الأمريكية في عُمان.  

ومن بين هذه العلاقات التجارية، علاقة مميزة مع الرئيس شخصيًا، تتمثل في ملعب غولف يحمل علامة ترامب التجارية بتكلفة 500 مليون دولار، يقع في التلال الخلابة المطلة على خليج عُمان، ومن المقرر افتتاحه عام 2028. 

وقال علي داود، رئيس غرفة التجارة في عُمان: "العلاقة الأساسية عميقة وطويلة الأمد وقوية. لطالما كنا حليفًا قويًا للولايات المتحدة"، لكن ثمة تحديات. فبعد هجوم حماس في السابع من أكتوبر 2023، بالتزامن مع حصار إسرائيل لقطاع غزة، قاطع العُمانيون الشركات الأمريكية في البلاد بشدة لدرجة أن بعضها أغلق أبوابه، ويصعب العثور على مشروب كوكاكولا في العديد من المطاعم في عُمان حتى اليوم، لاعتقاد البعض أنه يدعم إسرائيل. وأضاف داود أن العديد من العُمانيين انزعجوا أيضًا من بدء الحرب في فبراير، حتى في الوقت الذي كانت فيه عُمان لا تزال تتوسط، كما قال إن الكثيرين "استاؤوا من تصريحات ترامب، كما هو متوقع"، على الرغم من أن أحدًا لم "يصدقها حقًا"، وأضاف: "علاقتنا أقوى من أي رئيس".  

وفي سياق متصل، وبينما كانوا يقفزون من فوق الصخور فوق واحة وادي حوكين للمياه العذبة، شمال مسقط، قالت مجموعة من المراهقين العُمانيين إنهم لم يولوا تهديدات ترامب اهتمامًا كبيرًا، لقد أرادوا في المقام الأول أن يعرف الناس أن بلادهم، رغم الحرب الدائرة في الجوار، تنعم بالسلام.  يقول زهر المعمري، البالغ من العمر 19 عامًا: "عُمان بلد جميل، ونحن أصدقاء مع الجميع".  

وشهدت عُمان تراجعًا في السياحة بسبب الحرب مثل غيرها من دول الخليج، ولكن نظرًا لموقعها خارج مضيق هرمز، فقد جلبت الحرب أيضًا بعض الفوائد الاقتصادية، فقد شهدت البلاد، التي يُنظر إليها عمومًا على أنها أقل ثراءً من جيرانها الغنيين بالنفط، طفرة في مبيعات النفط والغاز، كما عززت دورها كمركز لوجستي للمنطقة، حيث تصل البضائع الآن إلى موانئ عُمان ويتم نقلها بالشاحنات إلى وجهاتها النهائية.  

وبسبب حياد عُمان، يصل إليها الإيرانيون الفارين من النظام "يوميًا" ويستفسرون عن بدء أعمال تجارية، كما قال داود.  

وعندما تعرضت دبي لقصف بالطائرات المسيرة والصواريخ خلال الأسابيع الأولى من الحرب، فرّ العديد من سكانها إلى عُمان، التي نجت إلى حد كبير من ذلك، وقال: "نريد أن تعود الأمور إلى سابق عهدها، ونعلم أن جيراننا يعانون"، مشيرًا إلى أن الكويت وقطر والبحرين شهدت أيضًا انخفاضًا حادًا في صادراتها، وأضاف: "لكننا نرى أيضًا أن موقعنا الجغرافي وحيادنا يؤتيان ثمارهما".  وتابع داود: "نحن شعب مسالم ومحافظ"، مضيفًا أن التباهي يُعتبر مبتذلاً في الثقافة العمانية، واستطرد قائلًا: "لكنني أتساءل، هل نحتاج الآن إلى أن نبدأ في سرد قصتنا بصوت أعلى قليلًا؟"