كنتُ أختلفُ دائماً عن غيري، أولئك الذين يذمون العصر الحاضر، ويعددون عيوبه، وكوارثه التي تملأُ العالمَ، لكني كنتُ أرى أنني يمكنني أن أعلم في اليوم الواحد ما كان أجدادي يعرفونه في عمرهم الطويل، وهذه المعرفة ليست شراً كلها، ففي متابعتي للأخبار السيئة أحاول أن أتجنب هذا السوء، غير أنه مع متابعتي للسوء، صرت أدمن هذه الأخبار، حتى لو مرَّ يومٌ من دون تلك الأخبار والاكتشافات المؤكدة لحدوث كوارث قادمة، وإذا لم تقع حوادث طرق أو زلازل أو نشاط لبركان أو اشتباكات عنيفة بين جماعات دينية أو عرقية أو إثنية، أظن أن هذا اليوم ينقصه شيء ليتممه.
مع الوقت ومع صدور صحف إلكترونية تبثُّ أخبارَها عبر قنوات على المحمول، اشتركت في أغلب هذه القنوات التي تذيع كل كارثة وتُفصِّل كل مصيبة، صارت الأخبار السيئة ديدني ومن ضرورات يومي.
حتى بهت ذلك كله على نفسيتي، ووصلت لمرحلة مرضية، وعُرِفتُ بين المجتمع بأنني متشائم أكثر من ابن الرومي وأبي العلاء المعري، بل أكثر من الفيلسوف الألماني شوبنهور، وكنت أحبُّ كل ما له علاقة بالرقم 13 خلاف الجميع.
فشل الطبُ معي، ولم أعد أسيطر على نفسي، فلا أصبر على سماع ومعرفة المصائب، وتمادى المرض وتمدد داخلي، ولم تدخر الحضارة الحديثة جهداً في مدي كل لحظة بكارثة كبيرة، فكلما أعلنوا عن تقدم علمي مذهل في مجال أعلنوا أخطاء فادحة في مجالات عديدة، حتى صار العيش نكداً، فاعتزلتني الناس كلها.
وبعد حين صرت موئلاً للمتشائمين والمصدومين والفاشلين في كل المجالات، لم أعد أرى في الشمس شروقاً ولا ضياءً، ولا في الماء ضرورةً ولا رياً، بُهتت كل الألوان في عيني.
مضيتُ على هذه الحال مدة طويلة حتى ظننتُ أن عروقي فيها مازوت لا دماء، لم يعد شيء يبهجني، ولم يعد جديد يضيف سوءا فوق ما أنا فيه.
ثم انجرفت إلى السير على القدمين، وقررت السفر لمدينة الإسكندرية حيث يوجد ممشى طويل على كورنيش النيل، ممكن أمشي من المنتزه إلى بحري، كل هذه المسافة الطويلة، وبينما أمشي أمام كليوباترا على البحر شاهدت شمساً مشرقة قبيل الغروب الفيزيائي، شمساً بددت كل غيوم نفسي دفعة واحدة، كإعصار هائج يدمر كل العراقيل التي كانت في طريقه، فجأة ودون دوي أو إحداث ضوضاء داخلية انتشلتني من عشر سنوات سابقة مع التشاؤم.
كانت تخرج من محل اسمه شيمي هاوس، بجوار فندق محرم، حين رأيت شعرها يتدحرج فوق كتفيها وتتحدث في الهاتف وتبتسم ابتسامة بعمق الكون كله، مضيت خلفها عدة خطوات، ثم عرجتْ على أحد المحلات لشراء شيء منه، فدخلتُ المحل وأخذتُ وضعاً يسمحُ لي بمواجهتها، كانت مشغولةً في تفحص بعض الأنواع، فلما رفعتْ عينيها عن تلك الأنواع، مدت ما اختارته لي، فأخذته من يدها، وهي تسألني قائلة: كم ثمنه؟
فسألت البائع الذي ظن أنني معها. فأخرجتُ المال وأعطيتُه له، ثم ناولته لها.
ابتسمت وقالت: حضرتك تعمل هنا؟
قلت: لا.
قالت: أعتذر جدا لحضرتك.
وبعد قليل خرجنا نبتسم وقلت لها: أنا طبيب.
سألتني عن تخصصي، فأجبتُ: أنا استشاري في الطب الروحي العميق.
ابتسمت عن ثغر لم يخلق الله مثله.
ثم مضت.
مضيت خلفها، ولما دخلت مسكنها سألتُ البوابَ وأخبرته أنني من الأمن الطبقي، فحدثني عنها، حتى أنه أعطاني رقم هاتفها، مخافة غضب الأمن الطبقي عليه.
بعد قليل اتصلت عليها، وقلت لها: حضرتك نسيتِ بعض المال في المحل.
وقلت لها: لم يخلق الله دواءً مثل وجودكِ بيننا، كنتُ أخطر مريض في العالم، ويئس كل الأطباء من شفائي، فما أن وقع بصري عليكِ اليوم حتى زال المرضُ وحلَّ النعيمُ الروحيُ داخلي، وأخشى أن أقترب منكِ فوق ذلك، فلا يكون هناك إلا جنتكِ وكل ما سواكِ جحيم.
لما لم ترد على كلامي، استطرت أقول: صدق الشاعر القائل: ضاقت ولما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج، فقد جعل الله كل الفرج في عينيكِ، فكيف بقلبكِ؟
قالت: أنت تبالغ.
قلت: عندكِ حق، فلا حق إلا ما تقولين، أنا أبالغ فعلاً، لكن اجعليني مقرباً منكِ، فلا أقل من دخول الجنة إلا قربها.
وعدتُ لبيتي وحياتي السابقة، وكنستُ من ذاتي سنوات التشاؤم، ولم أعد أرى كارثة ولا مصيبة، ووضعت لنفسي تقويماً جديداً، وهو يوم قابلتها.
-----------------------------------------
بقلم: د. علاء الدين سعد جاويش






