13 - 09 - 2026

الجزائر والإمارات و القطيعة.. كيف تراكمت الأزمة؟

الجزائر والإمارات و القطيعة.. كيف تراكمت الأزمة؟

إعلان الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، بعد سنوات من التوتر بين البلدين، خطوة تصعيدية أتت بعد ان قررت الجزائر في فبراير الماضي الغاء اتفاقية الخدمات الجوية  التي أبرمت عام 2013 واغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات الإماراتية، وجاءت تلك الخطوة بعد استنفاد كل الوسائل للحفاظ على العلاقات حسب وصف وزارة الخارجية الجزائرية في بيانها، والتي أيضا اتهمت فيه أبوظبي بتصرفات وصفتها بالاستفزازية والعدائية ومنحت السفير الإماراتي 48 ساعة لمغادرة البلاد، ولم يحدد البيان الجزائري واقعة واحدة باعتبارها السبب المباشر للقرار، وهو ما يجعل القطيعة نتيجة لمسار طويل من الخلافات المتراكمة.

خلال السنوات السابقة، انتقلت الخلافات بين الجزائر والإمارات من اختلاف في المواقف تجاه ملفات إقليمية إلى توتر سياسي وأمني أوسع، فقد بدأت الخلافات بصورة واضحة حول ليبيا، ثم اتسعت مع موقف الإمارات من المغرب والصحراء الغربية، وتداخلت مع التنافس على النفوذ في منطقة الساحل الأفريقي، قبل ان تدخل العلاقات مرحلة متقدمة من التوتر.

في المقابل جاء البيان الإماراتي بعد إعلان القطيعة بلغة ركزت على العلاقات بين البلدين والشعبين والمصالح المشتركة مع التعبير عن الأمل في أن يكون القرار مؤقتا، وأن تستمر الروابط بين الطرفين، ولفهم ما حدث نحتاج إلى العودة إلى السنوات التي سبقت القطيعة وتتبع الملفات التي نقلت العلاقة من خلاف حول السياسات الإقليمية إلى أزمة طالت طبيعة الدور الإماراتي نفسه كما تراه القيادة الجزائرية.

البداية ليبيا

كانت ليبيا واحدة من أولى القضايا التي كشفت الاختلاف الحقيقي بين رؤية الجزائر ورؤية الإمارات للمنطقة، بعد اندلاع الحرب الأهلية الليبية الثانية عام 2014، دعمت الإمارات سياسيا وعسكريا وماليا قوات خليفة حفتر، بينما تمسكت الجزائر بموقف يقوم على التسوية السياسية ورفض حسم الصراع عسكريا، وازداد الخلاف وضوحا مع هجوم حفتر على طرابلس في أبريل 2019 عندما أصبح الصراع الليبي مرتبطا بصورة أكبر بتدخلات إقليمية ودولية متعددة. كانت الإمارات من أبرز الداعمين لمعسكر حفتر، في حين تعاملت الجزائر مع تطورات الحرب من منظور مختلف يرتبط مباشرة بأمن حدودها الغربية وباحتمال انتقال الصراع إلى الداخل الجزائري.

تنظر الجزائر الي ليبيا كدولة تشترك معها في حدود طويلة وتشكل تطوراتها الأمنية والسياسية عاملا مباشرا في حسابات الأمن الجزائري، أما الإمارات فتعاملت مع حفتر باعتباره مركز قوة يمكن أن يغير ميزان القوى داخل ليبيا ويعيد تشكيل الترتيبات السياسية والأمنية فيها ومن هنا بدأت ليبيا تتحول من ملف إقليمي مختلف عليه بين البلدين إلى أحد جذور أزمة الثقة بينهما، وهي أزمة ستظهر بصورة أوضح خلال الأعوام التالية. 

  عام 2020

شهد عام 2020، انتقال الخلاف الليبي إلى مرحلة أكثر وضوحا في العلاقات الجزائرية الإماراتية، ففي يناير زار وزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد الجزائر والتقى الرئيس عبدالمجيد تبون وكانت الأزمة الليبية من أبرز الملفات التي تناولتها المحادثات، وذلك بعد مؤتمر برلين الذي شاركت فيه الجزائر والإمارات ضمن الأطراف الساعية إلى التعامل مع الأزمة الليبية، في ذلك الوقت كانت الجزائر تدفع باتجاه حل سياسي وكان تبون قد أعلن أن طرابلس تمثل خطا أحمر للجزائر, في إشارة إلى رفض تحويل المعركة على العاصمة الليبية إلى واقع سياسي وعسكري دائم، وفي المقابل استمر الدعم الإماراتي لمعسكر حفتر إلى جانب الدعم الذي تلقاه من مصر وروسيا، بينما حصلت حكومة الوفاق الوطني على دعم عسكري تركي ساعدها خلال النصف الأول من العام على تغيير ميزان القوى وإيقاف هجوم حفتر على طرابلس. كان الموقف الإماراتي الرسمي يتحدث عن وقف التصعيد والحل السياسي، لكن دور أبوظبي على الأرض جعل الجزائر تنظر إلى الأزمة بصورة مختلفة. فقد كشفت تطورات الحرب أن الخلاف بين البلدين اختلافا حول الأطراف التي يمكن دعمها وطريقة إعادة بناء الدولة الليبية، ومع انتهاء عام 2020 وبدء المسار السياسي الليبي الجديد بقي هذا التباين قائما، وأصبح جزءًا من صورة أوسع للعلاقة بين البلدين ستتأثر لاحقا بالموقف الإماراتي من المغرب والصحراء الغربية.

  بعد قطع العلاقات الجزائرية المغربية

في 2020، أيضا دخلت العلاقات الإماراتية المغربية مرحلة أكثر وضوحا، خصوصا بعد إعلان المغرب وإسرائيل تطبيع العلاقات في ديسمبر من العام نفسه، بالتزامن مع اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، فالإمارات رحبت بالموقف الأمريكي وباستئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية وافتتحت قنصلية لها في مدينة العيون بالصحراء الغربية، ثم أكدت في يناير 2021 دعمها لسيادة المغرب على ما تسميه الصحراء المغربية ودعم خطة الحكم الذاتي التي تطرحها الرباط.

بعد ذلك بأشهر، وفي أغسطس 2021 قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب، في ظل خلافات متراكمة كان ملف الصحراء الغربية أحد محاورها الأساسي، صحيح أن الإمارات لم تكن سببا في القرار الجزائري، لكن موقفها من المغرب والصحراء وضعها في موقع إقليمي مختلف عن الموقف الجزائري هذا التطور كان مهم لفهم كيف وصل الامر للقطيعة. 

الساحل والنفوذ

تمثل منطقة الساحل الأفريقي مجالا أمنيا مباشرا للجزائر، بحكم الحدود المشتركة مع كل من مالي والنيجر، ولعبت الجزائر، على مدى عقود، دورا مهما في المنطقة خصوصا في ملف دولة مالي، لكن مع تراجع النفوذ الجزائري في أجزاء من الساحل وتدهور العلاقات مع مالي والنيجر وبوركينا فاسو بعد سلسلة الانقلابات العسكرية، توسعت علاقات الإمارات الاقتصادية والسياسية مع عدد من دول المنطقة وأصبح حضورها في الساحل جزء من شبكة علاقاتها الأوسع في أفريقيا. خلال 2026، حاولت الجزائر استعادة جزء من حضورها في الساحل من خلال التحرك تجاه النيجر وتشاد وإعادة تقديم نفسها كطرف قادر على لعب دور الوساطة والتواصل مع دول المنطقة وفي الوقت نفسه كانت الإمارات قد أصبحت فعلياً لاعباً له مصالح وعلاقات متنامية في المنطقة، وهكذا أضيف الساحل إلى ملفات الخلاف السابقة لتتسع المسافة بين البلدين من اختلاف حول أزمات محددة إلى اختلاف حول طبيعة الأدوار الإقليمية التي يمارسها كل طرف ومجال نفوذه في محيط الجزائر.

اتهامات بالتدخل في الشؤون الداخلية

تحدث الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون اكثر من مرة، خلال العامين الماضيين، بصورة مباشرة عن دولة خليجية، تتدخل في الشأن الجزائري وتسعى إلى زعزعة الاستقرار وكان المقصود بالإشارة واضحا في ظل مستوى التوتر القائم مع الإمارات، واتسعت الاتهامات لتشمل الحديث عن محاولات للتأثير في الحياة السياسية الجزائرية. ولم تقدم السلطات الجزائرية في كل الحالات تفاصيل علنية كافية تسمح بإثبات هذه الاتهامات بصورة مستقلة، تأتي أهمية الاتهام في مسار الأزمة من دخوله إلى الخطاب الرسمي الجزائري وتكراره مع استمرار تدهور العلاقات. هذا الانتقال من الخلاف على أزمات خارجية إلى اتهام بالتدخل داخل الجزائر جعل الأزمة أكثر صعوبة في الاحتواء. فقد أصبح الخلاف بالنسبة إلى القيادة الجزائرية مرتبطا بسلوك دولة أخرى تجاه مصالحها الإقليمية من ناحية، وبحدود تدخلها في الشأن الجزائري من ناحية أخرى.

الرد الإماراتي  

اختار البيان الإماراتي زاوية أخرى للأزمة، وأعربت أبوظبي في بيان وزارة خارجيتها عن أملها في أن يكون القرار مؤقتا، وتحدثت عن العلاقات بين البلدين والشعبين والمصالح المشتركة، وأشارت إلى الجالية الجزائرية والزائرين في الإمارات، من دون الدخول في الاتهامات التي شكلت جوهر الموقف الجزائري. هذا الخطاب لم يجب عن جوهر الاتهامات الجزائرية، لكنه يوضح طريقة إدارة أبوظبي للرد على القطيعة وعند وضعه بجوار الوقائع التي شكلت مسار الأزمة يظهر التناقض بين الخطاب والممارسة. ففي ليبيا ارتبط الدور الإماراتي بدعم معسكر حفتر وفي ملفات المغرب والصحراء الغربية تبنت أبوظبي مواقف تتعارض مع الموقف الجزائري هذه الوقائع تفسر لماذا أصبحت نظرة الجزائر إلى الدور الإماراتي مختلفة عن الصورة التي يقدمها البيان الإماراتي للعلاقة.
---------------------------
بقلم: حسن البربري

 

مقالات اخرى للكاتب

الجزائر والإمارات و القطيعة.. كيف تراكمت الأزمة؟