13 - 09 - 2026

هُوِيَّة الشَّباب بين المرجعيَّة الشرعيَّة والتَّشكيل الرَّقمي

هُوِيَّة الشَّباب بين المرجعيَّة الشرعيَّة والتَّشكيل الرَّقمي

يعيش الشَّباب اليوم في زمن تتدفق فيه الأفكار كما تتدفق الصُّور؛ سريعةً، متلاحقةً، عابرةً للحدود والثقافات. وما كان يحتاج أعوامًا حتى يبلغ عقل الإنسان، أصبح يصل إليه في لحظات عبر شاشة صغيرة يحملها في يده، ويتكرر أمامه حتى يشارك في تشكيل ذوقه ونظرته إلى ذاته والعالم. ومن هنا انتقلت قضية الهوية من سؤال ثقافي هادئ إلى سؤال يومي يمس جوهر الإنسان: من أنا؟ وبأي مرجعية أزن ما أرى وأسمع؟ وأيُّ صورة للإنسان أريد أن أصنعها في نفسي؟

وقد التقط عالم الاجتماع Zygmunt Bauman جانبًا مهمًا من هذا التَّحوُّل حين وصف الحداثة المعاصرة بـ liquid modernity؛ حيث تتسارع حركة القيم والعلاقات وأنماط الحياة، وتصبح كثير من البُنى أكثر قابلية للتَّبدُّل وإعادة التَّشكُّل (Bauman, 2000)غير أن المشهد الرقمي أضاف طبقة جديدة إلى هذه السُّيولة؛ فالخوارزميات أصبحت ترتب ما يظهر أمام الإنسان، وتكرر بعض المضامين، وتدفع بأخرى إلى الهامش. وتشرح Taina Bucher أثر هذه القوة الخوارزمية في تشكيل البيئة التي يتفاعل معها المستخدم (Bucher, 2018).

ومن هنا يمكن الحديث عن «السُّيولة الخوارزمية»؛ وهي حالة تتجاوز كثرة الأفكار إلى المشاركة المستمرة في تشكيل الذوق والاهتمام وصورة الإنسان عن نفسه. فالشَّاب اليوم لا يختار دائمًا من فضاء محايد؛ بل تتحرك اختياراته داخل فضاء رقمي يصنع التكرار، والتكرار يصنع الألفة، والألفة قد تتحول مع الزمن إلى معيار. وهنا تصبح معركة الهوية أعمق من حماية بعض المعلومات؛ إنها معركة على آلية تَشَكُّل الإنسان نفسه.

ولهذا تبدو قصة أصحاب الكهف من أبلغ النَّماذج القرآنية في بناء هوية الشَّباب تحت ضغط البيئة، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ۝ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف: 13-14]. هؤلاء فِتية عاشوا وسط منظومة عقدية واجتماعية ضاغطة، فبدأ ثباتهم من القلب، وانطلقت قُدرتهم على الاختيار من يقين داخلي راسخ. وهنا تتجلَّى القاعدة الأولى في بناء الهوية: أن يمتلك الشَّاب مرجعيَّة تسكن داخله قبل أن يدخل ميدان المؤثرات خارجه.

ويُحدّد القرآن أصل هذه المرجعيَّة بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذَّاريات: 56]. فالعبودية لله تمنح الإنسان جوابًا عن سؤال الغاية، والغاية تمنح الهوية اتجاهها. ثم تتسع هذه الهوية لتشمل الحياة كلها في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]. وهكذا تصبح الهوية بناءً متكاملًا: عقيدة تُشكِّل الرُّؤية، وعبادة تُزكِّي الرُّوح، وأخلاقا تضبط السُّلوك، وعلما ينير العقل، ورسالة تمنح الحركة معناها.

ومن هذا الرُّسوخ ينفتح الشَّاب على العالم بثقة واتزان؛ فالقرآن يضع الأمة في مقام الشَّهادة الحضارية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143]. والشَّهادة تعني حضورًا واعيًا، وفهمًا للآخر، وقدرةً على الإفادة والإضافة. كما يجعل القرآن التَّنوُّع البشري مجالًا للتَّعارف: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]. ومن هنا يصبح الاعتزاز بالهوية قوةً على التَّفاعل، ويصبح الانفتاح اختيارًا واعيًا يأخذ من الحضارات علمها وخبرتها، ويضيف إليها من قيمه ورسالته.

ويحتاج هذا الرُّسوخ إلى مناعة معرفية؛ لأن زمن المقاطع القصيرة والعناوين المثيرة يجعل العقل نفسه ميدانًا للتربية. وقد مدح القرآن ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزُّمر: 18]؛ وهي صورة لعقل يسمع، ويفرز، ويوازن، ثم يختار. ويأتي التَّبيُّن قاعدةً مكملة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]. وفي البيئة الرقمية يتسع التَّبيُّن ليشمل مصدر الخبر، وسياق المقطع، وصحة الصُّورة، وصاحب الفكرة، والغاية التي يحملها الخطاب.

كما تتشكل الهوية بمن نصاحبه وبمن نسمح له بالتكرار في وعينا. قال النَّبي ﷺ: «الرَّجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يُخالل» (أبو داود، رقم 4833؛ الترمذي، رقم 2378). وقد اتسع معنى الصُّحبة في العصر الرقمي؛ فالمؤثر الذي يتكرر حضوره، والمنصة التي تستغرق السَّاعات، والمجموعة التي تصوغ ما يُستحسن وما يُستهجن، كلها تشارك في صناعة الحس الداخلي. ومن هنا تصبح إدارة الصُّحبة الرَّقمية جزءًا من فقه الهوية.

ويحتاج بناء الشَّباب إلى بيئة تتكامل فيها الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام؛ بيئة تسمع الأسئلة، وتحترم العقل، وتقرّب القدوة من الحياة، وتحول القيمة من درس محفوظ إلى ممارسة يومية. ويجعل القرآن هذه المسؤولية جزءًا من أمانة الأسرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6].

ومن هنا يمكن تلخيص بناء الهوية في ثلاثية: المرجعية، والمناعة، والمبادرةالمرجعية تجيب: من أنا؟ والمناعة تجيب: كيف أميز؟ والمبادرة تجيب: ماذا أقدم؟ فاكتمال الهوية يظهر حين ينتقل الشَّاب من حماية ذاته إلى صناعة البديل: معرفة أرسخ، ومحتوى أرقى، وقدوة أجمل، ومشروعا يخدم الإنسان. ولهذا خص النَّبي ﷺ في السَّبعة الذين يظلهم الله في ظله: «شابٌّ نشأ في عبادة الله» (البخاري، رقم 660؛ مسلم، رقم 1031).

وهنا يظهر الفارق بين «هوية الحراسة» و«هوية الرِّسالة»؛ فالأولى تنشغل بصيانة الجذور، والثانية تصونها ثم تجعلها مصدرًا للعطاء والإبداع والتأثير. والأمة تحتاج إلى شباب يعرفون ما ينبغي حفظه، ويعرفون كذلك ما يستطيعون إضافته إلى العالم.

إن معركة الهوية في زمن السُّيولة تُحسَم في الدَّاخل قبل الخارج؛ في قلب يعرف غايته، وعقل يُحسن التَّمييز، وإرادة تختار، ويد تبادر. وحين يمتلك الشَّباب هذه البوصلة، تتحول الخوارزميات من قوة تشارك في تشكيلهم إلى أدوات يُحسنون توظيفها، ويتحول الانفتاح إلى مجال للإبداع، وتغدو الهوية قوةً تُنتج المستقبل: راسخةً في الأصل، واسعةً في الأفق، حاضرةً في العصر، وقادرةً على حمل اليقين وسط عالم سريع التَّحوُّل.
-----------------------------------
بقلم: د. زُبير سُلطان رَبَّاني
* كاتب في الفكر وقضايا الإنسان والهوية والتحولات الحضارية

مقالات اخرى للكاتب

هُوِيَّة الشَّباب بين المرجعيَّة الشرعيَّة والتَّشكيل الرَّقمي