هناك لحظات في تاريخ الدول لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد زيارة رسمية، أو بيان دبلوماسي، أو صورة تجمع رئيسين. بعض اللقاءات تحمل في داخلها رسائل أكبر من تفاصيلها المعلنة، وتكشف عن اتجاهات جديدة في حسابات الدول وموازين القوى.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة التقارب المصري الصيني الأخير، وما صاحبه من مواقف سياسية واضحة بشأن القضايا الإقليمية والدولية. فمصر، التي ظلت لعقود طويلة تدور في الفلك الأمريكي بدرجات متفاوتة، تبدو اليوم أكثر انفتاحًا على إعادة توزيع أوراقها بين القوى الكبرى.
القصة في الحقيقة لم تبدأ الآن.
منذ أن اختار الرئيس أنور السادات نقل مصر من المعسكر السوفيتي إلى المعسكر الأمريكي، عقب التحولات الكبرى التي انتهت باتفاقية كامب ديفيد، دخلت القاهرة مرحلة استراتيجية جديدة. ثم جاء عهد مبارك ليواصل هذا المسار، وأصبحت واشنطن على مدى عقود الحليف الدولي الأهم لمصر، خصوصًا في ملفات التسليح والسياسة الإقليمية.
لكن السنوات الأخيرة حملت تغييرًا هادئًا.
الرئيس عبد الفتاح السيسي لم يعلن، في يوم واحد، أن مصر غيّرت معسكرها. ولم يكن هناك مشهد درامي يعلن نهاية تحالف وبداية آخر. ما حدث كان أشبه بإعادة ترتيب تدريجية للأوراق، تنويع مصادر السلاح، توسيع العلاقات مع روسيا والصين وأوروبا، والانفتاح على قوى دولية متعددة، بما يقلل من قدرة طرف واحد على التحكم في القرار الاستراتيجي المصري.
وهنا تكمن أهمية ما يحدث.
فالدولة التي تعتمد في تسليحها واقتصادها وعلاقاتها الخارجية على مصدر واحد تكون خياراتها محدودة مهما امتلكت من قوة. أما الدولة التي تستطيع فتح أكثر من باب، فتمنح نفسها مساحة أكبر للمناورة والاستقلال في القرار.
ولذلك فإن التقارب المصري الصيني لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد علاقة اقتصادية أو دبلوماسية. إنه جزء من صورة أكبر تتشكل في المنطقة.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل تستطيع الولايات المتحدة التعامل بسهولة مع هذا التحول؟
الإجابة بالتأكيد ليست بسيطة.
واشنطن اعتادت منذ نهاية الحرب الباردة أن ترى الشرق الأوسط ضمن مساحة نفوذ واسعة، وأن تكون هي اللاعب الدولي الأكثر تأثيرًا في تحديد اتجاهات المنطقة. لكن العالم الذي استقر نسبيًا بعد عام 1991 لم يعد هو العالم نفسه اليوم. روسيا عادت بقوة إلى المشهد، والصين لم تعد مجرد قوة اقتصادية، ودول المنطقة نفسها بدأت تبحث عن تعدد الشراكات بدلًا من الاعتماد على مظلة واحدة.
والخليج يقدم مثالًا آخر على هذه التحولات. فالسعودية والإمارات، باعتبارهما من أهم مراكز الثقل في المنطقة، وسّعتا بدورهما علاقاتهما مع الصين وروسيا وقوى دولية أخرى، في محاولة واضحة لتنويع الخيارات الاستراتيجية.
القاهرة لم تتعامل مع المسألة باعتبارها انقلابًا على حليف قديم، وإنما باعتبارها إعادة بناء تدريجية لمعادلة العلاقات الدولية. عشر سنوات تقريبًا من التحرك الهادئ كانت كافية لإيصال رسالة مفادها أن مصر تريد أن تكون لها خيارات متعددة، لا أن تكون أسيرة خيار واحد.
مصر لا تبدو وكأنها تستبدل واشنطن ببكين، بقدر ما تحاول أن تقول للجميع: لن نكون حليفًا حصريًا لأحد.
في عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة، ربما يكون هذا هو الخيار الأكثر واقعية.
فالتحالفات لم تعد عقودًا أبدية، والسياسة الدولية لا تعرف الصداقة الدائمة بقدر ما تعرف المصالح الدائمة.
والشرق الأوسط يدخل بالفعل مرحلة جديدة، مرحلة لن يكون فيها السؤال: «مع من تقف؟»، وإنما: «كم ورقة تملك عندما تتغير قواعد اللعبة؟»
ومصر، على ما يبدو، بدأت منذ سنوات في جمع أوراقها.
عاشت مصر حرة مستقلة .
-----------------------------
بقلم: إبراهيم خالد






