13 - 09 - 2026

ميدفست مصر يفتح «بره المشهد».. التعليم الفني والصحة النفسية ومعاركنا الداخلية في قلب اليوم الأول

ميدفست مصر يفتح «بره المشهد».. التعليم الفني والصحة النفسية ومعاركنا الداخلية في قلب اليوم الأول

بين الكلاكيت والصنعة.. مهرجان الأفلام القصيرة يناقش مستقبل التعليم الفني وعلاقته بصناعة السينما

شهد اليوم الأول من فعاليات الدورة الثامنة من مهرجان ميدفست مصر للأفلام القصيرة سلسلة من الندوات والجلسات النقاشية التي وسّعت مساحة الحوار حول صناعة السينما إلى ما هو أبعد من الشاشة والكاميرا والسجادة الحمراء، لتضع التعليم الفني والصحة النفسية والذاكرة وتأثير الشخصيات الدرامية في صميم النقاش.

وانطلقت فعاليات المهرجان، الذي يرفع شعار «بره المشهد»، من رؤية تعتبر أن صناعة الفيلم لا تتوقف عند المخرج والممثل والكاميرا، وإنما تقف وراءها منظومة واسعة من أصحاب المهن والمهارات والعاملين في مواقع التصوير، فضلًا عن القضايا الإنسانية والمجتمعية التي تمنح الأفلام القصيرة قدرتها على الاقتراب من الواقع ومناقشة الأسئلة التي تشغل الإنسان.

وفي هذا السياق، أقيمت ندوة «بين الكلاكيت والصنعة.. نظرة جديدة للتعليم الفني»، لمناقشة واقع التعليم الفني في مصر وسبل تطويره وربطه باحتياجات سوق العمل، إلى جانب بحث فرص الاستفادة من خريجي التعليم الفني في قطاعات صناعة السينما والتلفزيون، وذلك بمشاركة متخصصين وصناع سينما وطلاب في التعليم والتدريب الفني والمهني.

جيهان الشماشرجي: لماذا يرتبط التعليم الفني دائمًا بالمجموع؟

أدارت الفنانة ومصممة الحلي جيهان الشماشرجي الندوة، وبدأت من تجربتها الشخصية في التعامل مع الصورة النمطية التي لا تزال تحيط بالتعليم الفني في المجتمع المصري، حيث يرتبط في أذهان البعض بالطالب الذي لم يحصل على مجموع يؤهله للالتحاق بالتعليم العام.

وطرحت الشماشرجي سؤالًا أساسيًا حول ضرورة تغيير هذه النظرة، وتشجيع الطلاب والأسر على النظر إلى التعليم الفني باعتباره اختيارًا مهنيًا قائمًا على الموهبة والقدرات واحتياجات سوق العمل، وليس بديلًا اضطراريًا عن التعليم الجامعي.

وكشفت أن معرفتها المبكرة بوجود مدارس ومسارات تعليمية مرتبطة بالحرف والعمل اليدوي ربما كانت ستقودها إلى اختيار هذا الطريق، خاصة أنها كانت تميل منذ طفولتها إلى صناعة الأشياء بيديها، قبل أن تتجه بعد التخرج إلى صناعة الحلي.

وربطت الشماشرجي القضية بالتطور التكنولوجي المتسارع وانتشار الذكاء الاصطناعي، متسائلة عما إذا كان المستقبل سيحتاج بصورة أكبر إلى أصحاب المهن والمهارات اليدوية التي يصعب استبدالها بالتكنولوجيا.

مينا النجار: صناعة السينما ليست سجادة حمراء

من جانبه، أكد الدكتور مينا النجار، رئيس المهرجان والشريك المؤسس، أن «ميدفست» يسعى إلى مناقشة كل ما يحدث «بره المشهد»، بما في ذلك الجهود التي تجعل صناعة السينما أكثر سهولة للممارسين فيها، بعيدًا عن اختزال الصناعة في مشاهد السجادة الحمراء.

وأشار إلى أن الندوة تأتي ضمن شراكة المهرجان مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي «GIZ»، مؤكدًا أهمية المبادرات التي تعمل على تطوير التعليم الفني وفتح مسارات جديدة أمام الشباب.

ورأى النجار أن إدارة جيهان الشماشرجي للنقاش تمثل مساحة توازن بين من هم «جوه المشهد» ومن يعملون على ما يحدث «بره المشهد»، بهدف خلق مساحة تسمح للممارسين بالدخول إلى منظومة صناعة السينما والاستفادة من البيئة المحيطة بها.

وشهدت الندوة كذلك حضور مجموعة من الأطفال المشاركين في ورشة لصناعة السينما ينظمها المهرجان على مدار خمسة أيام، بدأت قبل انطلاق فعالياته وتستمر خلالها، على أن تعرض مشروعات الأطفال في ختام الورشة. وتتراوح أعمار المشاركين بين 12 و16 عامًا، في نموذج عملي للتدريب المبكر على صناعة الأفلام والتعرف إلى احتياجات المنظومة السينمائية.

ريهام العزبي: التعليم الفني منظومة من أربعة قطاعات

وأوضحت ريهام العزبي، رئيسة محور التوازن الاجتماعي والاقتصاد الأخضر بمشروع «GIZ»، أن التعليم الفني يمثل أحد المسارات الرئيسية أمام الطلاب بعد المرحلة الإعدادية، وينقسم إلى أربعة قطاعات رئيسية هي الزراعي، والصناعي، والتجاري والتكنولوجي والخدمي، والفندقي، وتندرج تحت هذه القطاعات تخصصات متعددة وفقًا لاحتياجات سوق العمل.

وتحدثت عن نماذج متعددة للتعليم الفني، من بينها التعليم الفني العام، الذي يجمع بين الدراسة النظرية والتطبيق داخل ورش المدرسة، والتعليم والتدريب المزدوج الذي تدعمه «GIZ» منذ تسعينيات القرن الماضي، ويقوم على الجمع بين الدراسة والتدريب العملي داخل مصنع أو شركة أو جهة تدريب مرتبطة بالتخصص.

كما تناولت مدارس التكنولوجيا التطبيقية، التي تقوم على شراكة بين وزارة التربية والتعليم والقطاع الخاص، بحيث تصمم المناهج وفقًا لاحتياجات الشركات والقطاعات الاقتصادية.

وأكدت العزبي أن تطوير التعليم الفني يبدأ من سؤال بسيط وأساسي: ماذا يحتاج سوق العمل؟

وأوضحت أن عدم ملاءمة بعض خريجي التعليم الفني لاحتياجات السوق ارتبط لفترات طويلة بمناهج لا تعكس الاحتياجات الفعلية للمهن، مشيرة إلى أن «GIZ» تعمل على دعم دراسة سوق العمل وتحليل القطاعات الاقتصادية والمهن الواعدة، ثم استخدام هذه البيانات في تطوير المناهج بالتعاون مع الوزارة والقطاع الخاص.

من "مجموع ما جابش" إلى "صنيعي شاطر"

وفي قلب النقاش، برزت قضية تغيير الصورة الاجتماعية للتعليم الفني، إذ أكدت العزبي أن المجتمع اعتاد لفترة طويلة اعتباره المسار الذي يذهب إليه الطالب الذي لم يحصل على مجموع يؤهله للتعليم العام.

لكن نموذج التعليم المزدوج، بحسب طرحها، ساهم في تغيير هذه الصورة من خلال إدخال التدريب العملي في قلب العملية التعليمية؛ فالطالب يدرس في المدرسة، ويتدرب ويعمل داخل مؤسسة، ويحصل على أجر، وقد تتاح له فرصة العمل فيها بعد التخرج.

وأشارت إلى أن عدد طلاب التعليم الفني في مصر يصل إلى نحو 2.2 مليون طالب، بما يجعل هذا القطاع أحد مفاصل الاقتصاد المصري، مستشهدة بالنموذج الألماني الذي يمثل فيه التعليم الفني عنصرًا أساسيًا في بناء الاقتصاد.

ودعت إلى إعادة الاعتبار إلى كلمة «صنيعي»، وعدم النظر إليها باعتبارها وصفًا أقل من غيره، مؤكدة أن الهدف هو تخريج شخص يجمع بين المعرفة النظرية والمهارة العملية، وقادر على دخول سوق العمل بكفاءة.

من ورش التعليم الفني إلى لوكيشن التصوير

وانتقل الحوار مباشرة إلى العلاقة بين التعليم الفني وصناعة السينما، حيث أوضحت العزبي أن الفيلم الواحد يعتمد على عدد كبير من المهن والتخصصات، بينها الإضاءة والكهرباء والديكور والملابس والإكسسوارات والمكياج والصوت والمونتاج وغيرها.

وأشارت إلى تجربة تطوير قطاع التجميل، التي كشفت عن مهن متعددة يمكن أن تشمل تصفيف الشعر للنساء والرجال، والعناية بالبشرة والأظافر، والماكياج، والمؤثرات الخاصة المستخدمة في المسرح والسينما.

ومن هنا، يصبح التعليم الفني أحد المداخل المهمة لتوفير كوادر مؤهلة لصناعة الأفلام والإنتاج التلفزيوني، خاصة أن مواقع التصوير تحتاج إلى فنيين متخصصين قادرين على العمل داخل بيئة إنتاج حقيقية.

واقترحت إمكانية إقامة شراكات بين شركات الإنتاج ووزارة التربية والتعليم، تسمح بتوفير فرص تدريب للطلاب داخل مواقع التصوير، بما يخلق اتصالًا مباشرًا بين المؤسسة التعليمية وسوق العمل السينمائي.

السينما قوة ناعمة.. فلماذا لا تحكي عن التعليم الفني؟

وأكدت العزبي أن السينما والتلفزيون يمثلان إحدى أدوات القوة الناعمة لمصر، خاصة مع تزايد اهتمام الإنتاج الدرامي والسينمائي خلال السنوات الأخيرة بالقضايا الاجتماعية والإنسانية.

لكنها توقفت أمام غياب التعليم الفني عن كثير من الأعمال الدرامية، متسائلة عن سبب عدم وجود شخصيات رئيسية أو حكايات سينمائية تتناول طالبًا أو خريجًا في التعليم الفني.

وترى أن الفيلم والمسلسل قادران على التأثير في الصورة الذهنية للجمهور بدرجة قد تتجاوز الحملات التقليدية، وأن تقديم نماذج ناجحة وحقيقية لشباب اختاروا التعليم الفني وحققوا نجاحًا مهنيًا يمكن أن يسهم في إعادة تشكيل نظرة المجتمع إلى هذا المسار.

آلاء مجدي: التعليم الفني كان «خطة» والثانوي العام "أمنية"

وقدمت آلاء مجدي، الطالبة بالتعليم والتدريب الفني والمهني، نموذجًا شخصيًا مختلفًا، مؤكدة أن اختيارها التعليم الفني لم يكن قرارًا عشوائيًا، وإنما جاء نتيجة معرفة مبكرة بطبيعة المجال.

وأوضحت أن والدها يعمل في مجال هندسة السيارات داخل شركة كبيرة، وهو ما ساعدها على التعرف مبكرًا إلى التعليم الفني والمهني.

واختارت آلاء تخصصًا فنيًا إداريًا لأنه يجمع بين الجانب النظري والعملي، مؤكدة أن الثانوي العام كان بالنسبة إليها «أمنية»، بينما كان التعليم الفني «خطة» واضحة هدفها استكمال تعليمها والوصول إلى كلية الهندسة.

كما تحدثت عن تأثير الدراسة والتدريب العملي في شخصيتها، موضحة أنه ساعدها على تجاوز الانطواء والخوف من التعامل مع الآخرين، ومنحها خبرة عملية إلى جانب المؤهل الدراسي.

مدرسة «أجورا».. حين يصبح اللوكيشن فصلًا دراسيًا

وفي نموذج أكثر ارتباطًا بصناعة السينما، تحدث المنتج الفني أحمد الدخاخني عن تجربة مدرسة «أجورا»، التي تعتمد على الدمج بين التعليم النظري والتطبيق العملي داخل سوق العمل.

وأوضح أن الطالب يدرس خمس ساعات نظرية داخل المدرسة وثلاث ساعات عملية، إلى جانب 14 ساعة أسبوعيًا داخل سوق العمل، من خلال النزول إلى مواقع التصوير ومتابعة عمليات الإنتاج والمشاركة في تنفيذ الأعمال المرتبطة بتخصصه.

وتضم المدرسة تخصصات مرتبطة مباشرة بصناعة الأفلام، من بينها الديكور والكاميرا والإضاءة والمؤثرات والخلفيات والمكياج والصوت والمونتاج.

وأكد الدخاخني أن وجود الطالب داخل «اللوكيشن» بصورة مستمرة يمنحه خبرة تراكمية لا توفرها أنظمة التعليم التقليدية، بينما تسمح الشراكات مع صناع السينما وشركات الإنتاج بالتدريب داخل مواقع التصوير والحصول على مقابل مادي نظير المشاركة في العمل.

وشدد على أن التعليم الفني ليس «وصمة عار»، وإنما «وسام على صدر أي دولة»، معتبرًا أن الدول التي حققت تقدمًا اقتصاديًا اعتمدت بدرجة كبيرة على التعليم الفني والحرف والمهن المتخصصة.

كما دعا إلى الاستفادة من التجارب الدولية، خصوصًا الألمانية والإيطالية، وإحياء نماذج مصرية تاريخية في التعليم الحرفي والفني، مؤكدًا حاجة مصر إلى مدرسة متخصصة في تخريج الكوادر الفنية لصناعة السينما.

رندا فخر الدين: تمكين المرأة يبدأ من البيئة الآمنة

وفي محور آخر من الندوة، أكدت الدكتورة رندا فخر الدين، استشارية الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية، أن تغيير الصورة النمطية يبدأ بتغيير الفكر المجتمعي، وإدراك أن الرجال والنساء قادرون على ممارسة مختلف المهن إذا أتيحت لهم الفرصة والتدريب المناسب.

وشددت على أن تمكين المرأة لا يعني السماح لها بدخول مجال مهني فحسب، وإنما توفير بيئة آمنة تساعدها على التعلم والتطور والاستمرار، بما يمكنها من تحقيق الاستقلال واتخاذ قراراتها بنفسها.

أسماء أشرف: «مافيش حد أحسن من حد"

وقدمت أسماء أشرف، الطالبة بالتعليم والتدريب الفني والمهني، تجربة لافتة في مجال برمجيات وتكنولوجيا التحكم الآلي والصيانة، وهو مجال يغلب عليه الرجال.

وأوضحت أنها بدأت التدريب خلال الإجازات، وكانت أول تجربة عمل حقيقية لها في السادسة عشرة من عمرها داخل شركة متخصصة في الصيانة، قبل أن تتحول من متدربة إلى عاملة، وتصبح مسؤولة عن مراجعة أعمال العمال الأساسيين.

وحصلت على تكريم أربع مرات باعتبارها عاملة مثالية، ثم خاضت تجربة أخرى كانت خلالها الفتاة الوحيدة داخل القسم وفريق العمل، مؤكدة أنها وجدت تعاونًا وتشجيعًا من الفنيين والمهندسين ومدير الصيانة.

وحين سألها أحد المسؤولين خلال مقابلة الاختيار عما إذا كانت ستشعر بالاختلاف وسط الرجال، جاء ردها حاسمًا: «مافيش حد أحسن من حد».

واختتمت رسالتها إلى أولياء الأمور بالدعوة إلى منح الأبناء فرصة اكتشاف ميولهم وقدراتهم، مؤكدة أن النجاح لا يتوقف على اسم المجال أو نوع التعليم، وإنما على الشخص نفسه واجتهاده وقدرته على تطوير مهاراته.

"صدى" .. عندما تلتقي الأفلام القصيرة بالصحة النفسية والذاكرة

بعد النقاش حول التعليم الفني وصناعة السينما، انتقلت فعاليات اليوم الأول إلى مساحة أخرى من الأسئلة الإنسانية عبر برنامج الأفلام الأول «صدى» ضمن المسابقة الرسمية، أعقبته ندوة تناولت العلاقة بين السينما والصحة النفسية، وكيفية بناء الشخصيات ذات الأبعاد النفسية والطبية على الشاشة، إضافة إلى دور الفن في التعامل مع الفقد والذاكرة وتأثير الشخصيات الدرامية في الممثلين.

وأدار المخرج أحمد سمير النقاش، الذي شاركت فيه د. ماجي شافعي والمخرجة يمنى خطاب والفنان صبري فواز، ليصبح الفيلم القصير مدخلًا لمناقشة مسؤولية صناع الأفلام عندما يتعاملون مع موضوعات حساسة ترتبط بالصحة النفسية.

ماجي شافعي: الإبداع وحده لا يكفي

أكدت د. ماجي شافعي أن انطلاق الكاتب من تجربته الشخصية أو خياله ليس مشكلة، لكن بعض الشخصيات تحتاج بعد اكتمال الرؤية الإبداعية إلى مراجعة متخصص في الطب النفسي للتأكد من دقة التفاصيل الطبية.

وأشارت إلى أن الصورة التي تقدمها الأفلام والمسلسلات قد تؤثر في نظرة الجمهور إلى الاضطرابات النفسية، ومن ثم يجب تجنب القوالب النمطية، مثل تصوير جميع الأشخاص المصابين بالتوحد باعتبارهم عباقرة، أو اختزال اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه في سلوك واحد.

وأكدت أن أفضل بناء للشخصية هو الذي يلتقي فيه إبداع صانع الفيلم مع الواقع الطبي، بما يجعل التناول أكثر صدقًا وقدرة على بناء التعاطف والفهم لدى الجمهور.

يمنى خطاب: الرقص يصبح لغة للتواصل

وتحدثت المخرجة يمنى خطاب عن فيلم «And Granny Would Dance»، موضحة أن الرقص لم يكن عنصرًا بصريًا فقط، وإنما تحول إلى لغة للتواصل بين الجدة وشريك حياتها.

ومع فقدان الشريك، لم تفقد الشخصية شخصًا فحسب، بل فقدت أيضًا اللغة التي كانت تجمعهما. وفي النهاية، تقرر تعليم حفيدتها الرقص، لتعيد إنتاج مساحة التواصل وتستعيد جزءًا من حياتها بطريقة جديدة.

وتناولت خطاب كذلك فكرة الذاكرة وإعادة تشكيل التجارب المؤلمة، موضحة أن العقل قد يعيد ترتيب الذكرى وإضافة تفاصيل تجعلها أكثر احتمالًا، بما يساعد الإنسان على التحرر من اللحظة التي ظل عالقًا فيها.

وفي حديثها عن كتابة الشخصيات، أكدت أنها تبدأ من الخيال والإبداع، لكنها تهتم أيضًا بتاريخ الشخصية، من مكان الميلاد والعلاقة بالوالدين إلى المدرسة والجامعة والحب الأول والصداقات والتجارب المختلفة، ثم يأتي البحث الطبي والنفسي للاستناد إلى التفاصيل الدقيقة التي تظهر على الشاشة.

«50 متر».. بين التجربة الذاتية وصناعة الفيلم

ناقش الحوار كذلك فيلم «50 متر»، حيث طُرحت مسألة استخدام صانع الفيلم لذكرياته ومخاوفه وتجربته الشخصية في صناعة العمل.

وأكدت يمنى خطاب ضرورة التمييز بين الاحتياج الإنساني إلى العلاج النفسي وبين استخدام التجربة الشخصية مادة لصناعة فيلم.

فالتجربة يمكن أن تكون نقطة بداية، لكن تحويلها إلى عمل سينمائي يتطلب قصة وبناءً دراميًا واختيارات فنية في الصوت والصورة، محذرة من الوقوع في فخ الانغماس المفرط في الذات، بحيث يتحول الفيلم إلى أداة للعلاج الشخصي بدلًا من أن يصبح لغة يتواصل من خلالها صانع الفيلم مع الجمهور.

صبري فواز: الشخصية تبدأ من العلم عندما يكون المرض جزءًا منها

ومن جانبه، أوضح الفنان صبري فواز أنه يتعامل مع الشخصية في البداية باعتبارها شخصية درامية، لكنه أكد أن تجسيد حالة مرضية محددة يستلزم الاستعانة بالمتخصصين، لأن ردود الأفعال تختلف من شخص إلى آخر حتى في الحالة المرضية نفسها.

وأشار إلى تجربته في مسلسل «خلي بالك من زيزي»، حيث جسد شخصية الطبيب والمريض، مؤكدًا أن الانطلاق من أساس علمي ساعد على تقديم المرض بصورة أكثر تأثيرًا.

وفي ما يتعلق بلغة الجسد، أكد فواز أن حركة الشخصية تنبع من المكتوب ورؤية المخرج، بينما يمتلك الممثل مساحة لتحديد «الكيفية» التي يقدم بها الشخصية، محذرًا من أن ينحاز الممثل إلى شخصيته الحقيقية بدلًا من الشخصية التي يؤديها.

وقال إن السؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا هو: ماذا تفعل الشخصية؟ وليس ماذا أفعل أنا كممثل؟

كما تحدث عن ضرورة خروج الممثل من الشخصية بعد التصوير، مشيرًا إلى تمارين De-roling، وإلى أهمية اليقظة الذهنية وإدارة المشاعر للحفاظ على التوازن بين الفنان وشخصياته.

"أفلام جوانا" .. السينما التي تعكس معاركنا الداخلية

وفي جلسة «أفلام جوانا: عن معاركنا الداخلية»، التي أدارتها هبة خالد، المعالجة الأسرية والاستشارية واستراتيجية الاتصال الإعلامي، بمشاركة د. مصطفى النحاس، استشاري الطب النفسي، ود. مينا النجار، رئيس المهرجان والشريك المؤسس، انتقل النقاش من الشخصية على الشاشة إلى انعكاسها داخل المشاهد والممثل على السواء.

وانطلقت هبة خالد من فكرة أن كل إنسان يعيش حياة داخلية لا يراها الآخرون، وأن مشاهدة فيلم أو مسلسل قد تجعل الإنسان يكتشف «فيلمًا تاني داير جواه»، حين يجد جزءًا من نفسه أو عائلته أو تجاربه في شخصية درامية.

مصطفى النحاس: أحيانًا البطل يحررنا من معاناتنا

وأوضح د. مصطفى النحاس أن ارتباط المشاهد بالشخصية يمكن أن يحدث عبر الـIdentification، أي التماهي معها، حين يرى الإنسان جزءًا من نفسه في البطل أو يشعر بأن الشخصية تعبر عما لا يستطيع التعبير عنه.

وأشار إلى أن هذا التأثير قد يصل أحيانًا إلى العيادة النفسية، كما حدث بعد عرض مسلسل «خلي بالك من زيزي»، حين بدأ بعض الأشخاص في الاعتقاد بأنهم يعانون من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

وتحدث كذلك عن مفهوم «العقل الجمعي»، موضحًا أن مشاعر فرد داخل المجموعة يمكن أن تنتقل إلى الآخرين، وهو ما يساعد على تفسير الطريقة التي يعيش بها الجمهور مشاعر الشخصية الدرامية، وكأنه يشاركها الرحلة والانتصار والهزيمة.

كما توقف عند صعوبة إدارة المشاعر في الحياة اليومية، نتيجة رسائل اجتماعية تدفع الإنسان إلى كبت الحزن والخوف، مؤكدًا أن التعاطف لا يعني أن يعيش الإنسان مشاعر الآخر بدلًا منه، وإنما أن يفهمها مع الحفاظ على الحدود.

مينا النجار: الممثل يحمل داخله شخصيات كثيرة

ومن زاوية الممثل، تحدث مينا النجار عن طبيعة العلاقة بين الفنان والشخصيات التي يؤديها، مشيرًا إلى أن الإنسان يحمل داخله شخصيات متعددة، وأن الممثل يستدعي من ذاكرته وتجاربه ومشاعره تفاصيل يمكن أن تساعده في بناء الشخصية.

وتحدث عن تجربته مع شخصية نعمان في مسلسل «ريفو»، موضحًا أن الشخصية، حتى لو أمكن وصفها بأنها خائنة أو استغلالية أو وصولية، لا ترى نفسها بهذه الصورة، بل تمتلك مبرراتها الخاصة.

وأكد أن الممثل الجيد لا يتعامل مع الشخصية باعتبارها خيرًا مطلقًا أو شرًا مطلقًا، وإنما يبحث عن دوافعها، وهو ما يسمح للدراما بوضع الجمهور في منطقة رمادية.

كما استعاد تأثير الشخصية عليه، خصوصًا في علاقتها بوالدها في الموسم الثاني، وما أثارته من ذكريات مرتبطة بطفولته وبأجيال سابقة، حتى إنه عاد إلى الصور القديمة وحاول استحضار تفاصيل حسية مرتبطة بالماضي.

لما المخرج بيقول نِكست.. اللحظة بتتسرق

وتوقف النجار عند الضغط النفسي الذي يعيشه الممثل أمام الكاميرا، بدءًا من القلق بشأن صورته ونجاحه وفشله، وصولًا إلى اللحظة التي يسمع فيها كلمة «نِكست»، حيث لا يمكن إعادة اللحظة نفسها مرة أخرى.

وأوضح أن بعض الشخصيات قد تستمر في التأثير على الفنان بعد مغادرته موقع التصوير، ولذلك يلجأ أحيانًا إلى تمارين الخروج من الشخصية، أو إلى القيام بنشاط مختلف يساعده على العودة إلى حالته الطبيعية.

وفي المقابل، أكد د. مصطفى النحاس أهمية امتلاك الفنان أدوات تساعده على العودة إلى اللحظة الحالية، خصوصًا أن الممثل قد ينتقل خلال اليوم الواحد بين حالات نفسية متناقضة.

وأشار إلى أهمية اليقظة الذهنية وإدارة المشاعر ووجود دوائر داعمة في حياة الفنان، حتى لا يتحول التمثيل إلى وسيلة للهروب من المشاعر بدلًا من التعامل معها.

الشخصية ليست أبيض وأسود

واختتم الحوار بالتأكيد على أهمية بناء شخصيات درامية لا يمكن اختزالها في ثنائية الخير والشر.

وأكد مينا النجار أن أكثر اللحظات الدرامية تأثيرًا هي التي تجعل المشاهد مترددًا تجاه الشخصية، فلا يستطيع وضعها بسهولة في خانة المحبة أو الكراهية.

كما تناول النقاش ظاهرة التعلق بالفنانين، موضحًا أن الجمهور قد يصنع صورة مثالية للفنان ويربط بها احتياجاته العاطفية، فيما أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في زيادة هذا النوع من التعلق، بعدما أصبح الجمهور قادرًا على متابعة الفنان خارج أعماله الفنية والتعرف إلى تفاصيل متعددة من حياته.

وهكذا اختتم اليوم الأول من مهرجان ميدفست مصر للأفلام القصيرة مساحته الحوارية عند نقطة تتقاطع فيها السينما مع الحياة: فالفيلم لا يبدأ فقط من «الكلاكيت»، ولا ينتهي عند كلمة «نِكست»، وإنما تقف خلفه منظومة من التعليم والتدريب والحرف والمهارات، كما تحمله الشخصيات من ذاكرة ومشاعر وتجارب يمكن أن تعبر إلى الجمهور.

وبين «بره المشهد» و«أفلام جوانا»، بدا واضحًا أن الأفلام القصيرة في ميدفست لا تقدم نفسها باعتبارها مجرد عروض سينمائية، وإنما باعتبارها مساحة للبحث والنقاش حول الإنسان وصناعة الفيلم معًا؛ من مستقبل التعليم الفني وصناعة السينما إلى مسؤولية صانع الفيلم في تناول الصحة النفسية، ومن أثر الشخصية في الممثل إلى الطريقة التي يعثر بها المشاهد على جزء من حكايته الخاصة داخل الشاشة.

في يومه الأول، وضع ميدفست «ما وراء الصورة» أمام جمهوره، مؤكدًا أن صناعة السينما الحقيقية لا يصنعها الضوء وحده، وإنما يصنعها أيضًا الإنسان الذي يقف خلف الكاميرا، والفني الذي يعمل في موقع التصوير، والكاتب الذي يبحث في تفاصيل الشخصية، والممثل الذي يحاول الخروج منها، والمشاهد الذي يرى في الفيلم انعكاسًا لحياته ومخاوفه وذكرياته.
-------------------------------
أمنية طلعت المصري