في الظاهر، تبدو بريطانيا وعدد من الدول الأوروبية وكأنها دخلت في مرحلة جديدة من الخلاف السياسي مع إسرائيل، خصوصًا مع الإجراءات الأخيرة المتعلقة بحظر أو تقييد التجارة المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية.
وقد يبدو هذا الموقف، للوهلة الأولى، موقفًا أوروبيًا مشرفًا يعكس رفضًا واضحًا لسياسة الاستيطان والتوسع الإسرائيلي.
لكن السياسة الدولية لا تُقرأ دائمًا من خلال ظاهر المواقف، بل من خلال ما وراءها.
فمن المشروع طرح فرضية أن تكون هذه الخطوات الأوروبية استعراضًا سياسيًا محسوبًا، أو بالأحرى عملية استباقية لحماية الحكومات الأوروبية من ارتدادات ما قد يحدث في الأراضي الفلسطينية خلال المرحلة المقبلة.
فأوروبا ليست بعيدة عن معرفة اتجاهات السياسة الإسرائيلية، وهي تدرك أن استمرار الحرب في غزة، بالتوازي مع التوسع الاستيطاني والعمليات العسكرية في الضفة الغربية، قد يدفع إسرائيل إلى خطوات أكثر خطورة خلال الفترة المقبلة، وربما إلى محاولة فرض واقع جديد على الأرض.
وهنا تكمن المشكلة الأوروبية الحقيقية.
فإذا اتسعت السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، أو اتجهت إسرائيل إلى خطوات يُنظر إليها أوروبيًا باعتبارها ضمًا فعليًا أو تهجيرًا واسع النطاق، فإن الشارع الأوروبي قد يشهد موجة جديدة من الغضب والاحتجاجات، وهو ما سيضع الحكومات أمام سؤال صعب: كيف يمكنها أن تبرر استمرار دعمها السياسي والأمني لإسرائيل بينما تتسع نتائج الحرب أمام أعين شعوبها؟
ومن هنا يمكن تفسير التحرك الأوروبي باعتباره محاولة لضرب الفرامل قبل وقوع الحادث.
أي أن الحكومات الأوروبية تريد أن تقول لشعوبها: نحن لسنا شركاء في كل ما تفعله الحكومة الإسرائيلية، ونحن اتخذنا بالفعل إجراءات ضد الاستيطان والسياسات التي نرفضها.
وبذلك تستطيع أوروبا أن تخلق لنفسها مساحة سياسية للمناورة، وأن تفصل ـ ولو جزئيًا ـ بين سياساتها وبين النتائج المحتملة للسياسة الإسرائيلية على الأرض.
لكن المفارقة أن هذا التشدد الأوروبي الظاهري لا يعني بالضرورة حدوث قطيعة استراتيجية مع إسرائيل.
فالعلاقات الأمنية والعسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية بين إسرائيل وعدد من الدول الأوروبية أعمق بكثير من أن تُختزل في قرار تجاري أو تصريح سياسي.
ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية ليس: هل اختلفت بريطانيا مع إسرائيل؟!
بل: هل نحن أمام تحول استراتيجي حقيقي في السياسة البريطانية، أم أمام إعادة تموضع تكتيكية تسمح للندن بالحفاظ على تحالفاتها مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه امتصاص الغضب الشعبي الأوروبي؟
وهنا تظهر مفارقة أخرى تستحق التوقف.
ففي الوقت الذي تحاول فيه بريطانيا الظهور بمظهر الدولة الأكثر انتقادًا لبعض السياسات الإسرائيلية، تستمر لندن في احتضان مؤسسات وفعاليات ثقافية واقتصادية مرتبطة بشبكات عالمية من رأس المال والتكنولوجيا.
ومن بين الأمثلة التي تستحق النظر، المعرض المرتقب في المتحف البريطاني حول سجادة بايو الشهيرة Bayeux) Tapestry)، ، وهي القطعة الفنية الأوروبية العائدة إلى القرن الحادي عشر، والذي ارتبطت رعايته باسم إيجور تولتشينسكي، مؤسس WorldQuant وشخصية بارزة في عالم الاستثمار والتكنولوجيا، وهو رجل أعمال يهودي وممول رئيس لمراكز تطوير وصناعة الأسلحة في إسرائيل.
وهنا لا يتعلق الأمر بشخص تولتشينسكي وحده، وإنما بالسؤال الأوسع حول تشابك رأس المال العالمي مع المؤسسات الثقافية والسياسية والتكنولوجية الغربية، وحول مدى إمكانية الفصل بين هذه الشبكات وبين المصالح الجيوسياسية للدول.
ومن ثم، فإن التعامل مع الموقف البريطاني باعتباره تحولًا جذريًا ضد إسرائيل قد يكون سابقًا لأوانه.
الأرجح أن لندن تحاول الإمساك بالعصا من المنتصف: ضغط سياسي على إسرائيل من جهة، والحفاظ على العلاقة الاستراتيجية معها من جهة أخرى.
وهذه ليست مفارقة في السياسة البريطانية بقدر ما هي جوهر السياسة البريطانية نفسها؛ فالإنجليز تاريخيًا لا يتخلون بسهولة عن أوراقهم الاستراتيجية، وإنما يعيدون ترتيبها كلما تغيرت الظروف.
لذلك، قد يكون الخلاف البريطاني ـ الإسرائيلي حقيقيًا على مستوى بعض الملفات، لكنه لا يعني بالضرورة وجود قطيعة استراتيجية.
وربما يكون ما نشهده اليوم أقرب إلى إدارة للخلاف منه إلى إنهائه؛ وإلى محاولة أوروبية لحماية الذات من كلفة مستقبلية قد تكون أكبر بكثير من كلفة اتخاذ بعض الإجراءات الرمزية اليوم.
وفي السياسة الدولية، أحيانًا لا يكون السؤال: مع من تقف؟
بل السؤال الأهم:
إلى أي مدى تريد أن تبدو واقفًا معه أمام شعبك، وإلى أي مدى تستمر في الوقوف معه خلف الأبواب المغلقة؟
----------------------------------
بقلم: د. أحمد عبدالعزيز بكير






