الشربيني يكتب لـ "المشهد" تقريرا شاملا عن سبق صحفي منسي (1 من 4):
- شاهدته وانا أصعد إلى مكتبي بجريدة الأنباء الملاصقة لفندق شهرزاد حيث كان يجلس عليها بحدود الثانية والربع ظهرا
- قال لي مدير المكتب لحظة رؤيتي: نجيب محفوظ فاز بنوبل.. تسارعت كلماتي مع خطواتي وأنا أقول له: "نجيب" في شهرزاد .. أبعت لي المصوِّر بسرعة !
- الأهرام "وأكذوبة" السبق في إبلاغ نجيب محفوظ بالفوز: الادعاء باطل والتصحيح واجب ..وعبؤه يقع عليها أو المؤسسات الصحفية الأخرى
- حالفني التوفيق لامتلاك لحظة منحها لي القدر من دون ترتيب أو إعداد مسبق.. لا فضل لي سوى أنني كنت هناك وامتلكت اللحظة بحدس الصحفي وموهبته
- كل مايقال عن إبلاغ الأهرام لعمنا نجيب بفوزه بالجائزة باطل.. فأنا أول من أبلغه وذلك موثق بشهادة الشهود والصور .
- تحري الحقيقة واستقصائها من مصادرها لازم وضروري ..ابتداء من سؤال الطاقم العامل في كافتريا شهرزاد عام ١٩٨٨ وسائق السيارة شاهين الذي احضر ابنة نجيب محفوظ لاصطحاب والدها من الفندق
- ابنة نجيب محفوظ لم تسأل حتى اليوم أو تروي شهادتها المهمة.. لماذا؟ محاورتها ضرورة وسؤالها مهم عن مناسبة الصور الملتقطة لها معنا أنا ووالدها ومدير مكتب الانباء على الكافتيريا في هذا التوقيت
- توثيق شهادة السيناريست فتحي سعد الذي شاهد كل شيء ضرورة وفرض على المؤسسات الثقافية والصحفية كافة !
- حلقة نقاشية أو مائدة مستديرة أو تحقيق استقصائي لاستجلاء حقيقة من أول من ابلغ نجيب محفوظ بفوزه بنوبل الأدب .
قبل ان نقرأ معا:
أود أن أعتذر من كل من يقرأ هذه السطور، فلم أكن أريد أن اشغل الناس بمثل هذا القدر الكبير، بقضية "من كان أول من أبلغ الأستاذ نجيب محفوظ بفوزه بجائزة نوبل، أنا أم جريدة الأهرام - أو بمعنى أدق بعض الكتاب والصحفيين بالأهرام"؟! لكن يبدو لي ان القضية تفرض نفسها فرضا علىَّ، فعدم تحري الحقيقة أو الحرص على ذلك - من جانب الجميع - اللهم إلا بضع كتاب ونقاد وأصدقاء - مسألة مخجلة ومرهقة !
أإلى هذا الحد لم يعد مهما البحث عن الحقيقة واستجلاؤها؟ لحظة لم تكن ملكا لمن يدعون امتلاكهم لها، لماذا الإصرار عليها؟ وإذا شكك أحد (مثلي) وواجه هذا الإصرار بإصرار أكبر، وأكد أنه ليس صحيحا وليس في محله، ألا يستوجب هذا من وسائل استجلاء الحقيقة، ان تفتح حولها طاقة نور تستجلي وتستكشف وتتأكد وتتوصل إلى الحقيقة؟ نتحدث عن أديب مصري عالمي هو الوحيد الفائز عربيا بجائزة نوبل حتى اليوم.. وكل ما يتعلق به في بلاد مثل بلداننا العربية لايزال مهما وسيظل كذلك (ربما إلى أن نعتاد على الفوز بهذه الجائزة) ومن ثم فان مسألة مثل من ابلغ نجيب محفوظ اولا بفوزه بالجائزة، قد تبدو - مقارنةً بالحدث نفسه - عادية أو هامشية. يقينا كان يمكن ان تكون كذلك لولا اصرار بعضهم في أكبر صحيفة عربية وذات التاريخ الذي يناهز المائة وخمسون عاما، على مناطحة صحفي واحد هو أنا، لايتقبلون منه حقيقة انه أول من ابلغ نجيب محفوظ بخبر الفوز. الطرف المصر على روايته المزيفة والكاذبة لا يفكر أبدا، رغم كل مالديه من إمكانيات ووسائل أن يتأكد من صحة الوقائع.. وصحة ادعاءاته، فأمامه الآن الكثير من الشهادات.. الحية والمتناقضة، والصور، وشهادات شخصيات وأناس يمكن ان يستدعيهم للإدلاء بدلوهم.. هناك عمال ونادل وإدارة تعمل في كافتريا فندق شهرزاد في يوم الخميس ١٣ أكتوبر ١٩٨٨، لاشك أن سجلات الفندق تحتفظ باسمائهم وعناوينهم.. ويمكن الوصول إليهم.. ليشهدوا بما جرى في ذلك اليوم، وهل كان نجيب محفوظ موجودا في ظهيرة هذا اليوم على كافتريا شهرزاد، وهل هناك صحفي انشقت عنه الأرض وجاءه من مكتبه مهرعا، ليبلغه بفوزه بالجائزة؟ وكيف انتهي هذا المشهد.. هل عاد نجيب محفوظ سيرا على أقدامه إلي منزله أم أن ابنته - هدي أو أم كلثوم - وصورتها منشورة مع هذه السطور، جاءت بحدود الثانية والنصف تقريبا بسيارة شاهين يقودها سائق لم نعرفه، ويمكن معرفته والوصول إليه، ليتم التحدث مع كل هذه الأطراف، فهولاء جميعا كانوا موجودين في فندق شهرزاد، وعاشوا معي تلك اللحظة الموثقة بشهود، بعضهم أحياء أطال الله في أعمارهم مثل السيناريست فتحي سعد، وبعضهم تستنطق الصور وجودهم وأسبابه، مثل الأستاذ جميل الباجوري مدير مكتب الأنباء الذي تلقى الخبر من رويترز، وعندما رآني أمامه فجأة قال لي بفرحة متئدة: نجيب محفوظ فاز بجائزة نوبل! لم يكن يعرف ان رجلنا المنشود يجلس على الكافيتريا، ولو علم بنفسه وفي غيابنا كلنا كمحررين بمكتب الأنباء، لنزل بنفسه واستدعي معه المصور، وقام بالعمل الصحفي الواجب القيام به في هذه اللحظة خير قيام.. تسارعت كلماتي إلى جميل مع خطواتي نحو الكافيتريا.. قلت له وأنا أقفز درجات السلم هبوطا: نجيب في شهرزاد.. أبعت لي المُصَوِّر فورا. جميل لم يرسل سمير صادق فقط، وإنما هرع إلينا برفقته، وهكذا وفي الشارع وأمام الفندق وثقنا "اللحظة المحفوظية"! لماذا تضن الأهرام على نفسها وعلى التاريخ بالحقيقة؟ إنني أتحدي الأهراميين أن يضعوا خارطة طريق لاستجلاء ماجرى في هذا اليوم. يمكنني أن اسأل هل لو كانت الواشنطن بوست.. أو النيويورك تايمز.. والوصول إلى الحقيقة، واكتفي منهم بنشر وقائع ما يتم التوصل اليه، عبر مائدة مستديرة.. أو الجارديان.. هي من تواجه هذا التحدي، كانت ستتجاهله هكذا؟ لماذا لا تتصدي أي مؤسسة أخرى للقيام بعمل صحفي استقصائي، يستجلي هذا الأمر؟ المصري اليوم لديها الامكانيات.. اليوم السابع.. حرف التي تصدر عن جريدة الدستور.. أخبار الأدب.. جريدة القاهرة.. إذا فشلت الأهرام في اجراء هذا التحقيق، وإقامة حلقة نقاشية، فلتعقدها اي صحيفة او مؤسسة لديها "ملاءة مالية" تسمح لها بالوصول إلى جميع الأطراف وإحضارهم إلى المائدة ليتحدثوا ويرووا شهادتهم للتاريخ!
مطلب عادل أليس كذلك؟!
—————————

١- شهادة حية : كلمه و١/٢
نوبل وذكرى صاحب نوبل وشاهد شاف كل حاجه
من الغريب أن تثار قضية (أول من ابلغ العظيم عمنا محفوظ بفوزه بجائزة نوبل)
والأغرب فى كل عام الإصرار على سرقة نفحه صحفيه ساقها الله لشاب لم يبلغ الثلاثين من عمره فى هذا الوقت فى بداية
الثمانينيات حيث كان الصحفى الشاب الذى يعمل فى مكتب جريدة الأنباء الكويتيه الملاصق لفندق شهر زاد على نيل العجوزه حيث تعود محفوظ الجلوس فى كافتيريا الفندق وتعودت انا
كاتب هذه الشهاده على انتظار محمود فى نفس الكافتيريا حتى ينتهى من عمله
عندما دخل محمود من باب الكافتيريا مهرولا فى اتجاه محفوظ فى يده إحدى اوراق جهاز التلكس مهللافى فرح
ـــ الف مبروك يا أستاذ نجيب أنت الفائز بجائزة نوبل ، أنا استلمت التلكس ده حالا.
أؤكد أن علامات الفرح المفاجئ التى ظهرت على وجه محفوظ وهو يطالع ورقة التلكس تدل على أنه لم يكن يعلم ــ من دقيقة واحده ــ أنه فاز بنوبل ولو كان يعرف من قبل لرأيت على وجهه علامات عدم الاهتمام بالخبر الهام .
أؤكد مرة أخرى أن أول من أبلغ نجيب محفوظ بخبر فوزه بنوبل هو الصحفى الشاب ــ حينها ــ محمود الشربينى وليس الاستاذ سلماوى وليس جريدة الأهرام ولم يكن محفوظ نائما لحظة إعلان فوزه بنوبل، فقد حضرت ابنته لتعود به إلى منزله القريب جدا من فندق شهر زاد .
تلك شهادتى للتاريخ
(فتحي سعد)
**********
الشهادةأعلاه موقعة من الكاتب والسيناريست ورئيس تحرير جريدتي البيئة، والحضارة والمجتمع ومؤلف سيناريوهات أفلام بيت الكوامل والشاهد الأخرس وفلاح كفر الهنادوة فتحي سعد.. كان فتحي في الثمانينات والتسعينات أحد أقطاب حركة النشر الصحفي والإعلامي، وتعاون معه كتاب ورسامون كبار.. وكانوا يتوافدون على مكتبه الكائن في عمارة لا أعرف رقمها بشارع نوبار.. لكنه كان يمتلك شقة بالعقار المذكور ويستأجر اخرى جعلها مكتبا له. كان يتعاون معه ويتردد على مكتبه الدكتور مرسي سعد الدين رئيس هيئة الاستعلامات السابق والكاتب وقتها بجريدة الأهرام، وقد ترأس مجلس تحرير احدي الجريدتين حسبما أذكر.. وكان مقررا ان ينشر لي باكورة كتبي وهو "نواب الكيف"، ولكنه صدر عن دار نشر اخرى وهي "دار سفنكس" لصاحبها عصام إسماعيل فهمي، بايعاز ودعم وطلب من الكاتب الصحفي الكبيرعادل حمودة، الذي راجع الكتاب بنفسه عام ١٩٩١.. كما تعاون معه رسام صباح الخير إبراهيم عبد الملاك، وعبد المنعم صبحي صاحب السينما والناس، والسيناريست حمدي يوسف، وغيرهم ممن لا أتذكر حاليا أسماءهم، فقد مضى على هذه الذكريات أكثر من أربعين عاما.
كتب فتحي سعد شهادته ونشرها هذه المرة بتاريخ الأحد ٣٠ اغسطس ٢٠٢٦ - حيث سبق ان نشر شهادة مماثلة عن الحدث (انفرادي بإبلاغ الاستاذ نجيب محفوظ بفوزه بجائزة نوبل في الأدب) في مناسبة اخرى قبل عامين أو ثلاثة تقريبا - وذلك ردا على ما ينشر - من الكاتب الكبير محمد سلماوي ومن صحفيين آخرين بجريدة الأهرام - من مزاعم تحرص على ترويج أكذوبة أن الأهرام (عدد من كتابه وصحفييه) هو أول من أبلغ الأديب الكبير نجيب محفوظ بفوزه بجائزة نوبل !
مطلقا.. مطلقا.. مطلقا.. هذا ليس صحيحا.. بشهادة الشهود.. (جميل الباجوري رحمات الله عليه ورضوانه كان مديرا لمكتب جريدة الأنباء الكويتية وكان يقع في الطابق الأول بعمارة الصباح الملاصقة لفندق شهرزاد المطل على نيل العجوزة، فقد نزل إلى الشارع من بعدي ليصافح الرجل - عمنا نجيب محفوظ - بعد ان أبلغته بفوزه جائزة نوبل.. ولكي يشرف بنفسه على قيام زميلي الراحل سمير صادق ( التحق بعد سنوات بأسرة تحرير بالمصري اليوم وظل بها حتى رحيله) ولم يسبقني أحد في نيل كرم وشرف هذه اللحظة، التي كانت نفحة إلهية ربانية لم أرتب لها أو أسع إليها. وهذه صور سمير صادق التي انشر جانبا منها مع هذا التقرير، توثق لنا اللحظة، وتوثق وصول إحدي بناته - تظهر صورتها بوضوح في اللقطات، لكني لا أدعي معرفة باسمها، فلم تكن هناك فرصة لنتعرف عليها من محفوظ.. وقد أقلته بالسيارة - شاهين - لتعود به إلى بيته بالعجوزة، وهو ايضا قريب جدا من المكتب، والذي يأتي منه إلى "شهرزاد" ويعود اليه سيرا على الأقدام، ولم يكن بحاجة إلى سيارة.

عمنا نجيب محفوظ لحظة إعلان فوزه بالجائزة عبر وكالات الأنباء، كان يجلس على كافتريا الفندق، يتبين من برنامجه في هذا اليوم أنه خرج من الأهرام تقريبا وقت الظهر، ثم أوصله السائق إلى الفندق، ولم يعد به إلى البيت، حيث ساقتني الأقدار اليه بعد ساعة تقريبا، لأكون أول من يبلغه بالنبأ العظيم: مبروك يا أستاذ نجيب.. فزت بجائزة نوبل. في تلك الأثناء كان الاستاذ فتحي سعد - ينتظرني كعادته على نفس المقهي، كونه الأقرب لمكان عملي، حيث كنا نذهب معا إلى بيتي الكائن وقتها في شارع عبد العزيز اللبان بناحية ناهيا.. بولاق الدكرور.
الأهرام - بعض الأهراميين في واقع الأمر - يواصلون تزييف الحقيقة وتزوير التاريخ. حدث ذلك الجمعة الماضي الموافق ٢٨ اغسطس ٢٠٢٦، عندما نشرت إحدى الزميلات تقريرا سريعا عن العلاقةالوثيقة بين "محفوظ" و"الأهرام" في مناسبة مرور عشرين عاما على رحيل الكاتب الكبير. مناسبة احتفالية تنشغل بها كل وسائل الإعلام والصحافة، ولكن ما يلفت النظر هو أن تحرص الأهرام على أن تكتب في تقريرها الاحتفالي هذه العبارة: "كانت الأهرام أول من علم بخبر فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل عام ١٩٨٨، وأول من أبلغه بالخبر وشارك اهل بيته احتفالات الساعات الأولى…"! تزييف صارخ لحقيقة الأمر.. وابتداء فإن أي غيور على الأهرام - بعيدا عن هذه الواقعة، وفي القلب منها أيضا – لا بد أن يتوقف عند هذه الجملة مستاء ومستنكرا، فمحفوظ الذي يدين بتألقه وصنع مجده الروائي للأهرام "أيام المجد".. لابد أن يغضب لأن "أهراميين" يختزلون تاريخه ومجده في إبلاغ كاتب مهما كبر وزنه الأدبي، بفوزه بجائزة، فضلا عن التباهي (المزيف والمزعوم) بأنهم هم أول من أبلغوه بفوزه بالجائزة؟! تحويل الأهرام من صانع لمجد أحد كتابه، إلى مجرد بوسطجي أو مراسل او مخبر أو مُبّلِغ لهذا الكاتب بفوزه بجائزة، يكشف انهياراكاملا في المنظومة، والتي بدأت تتراجع منذ خروج الاستاذ هيكل من الأهرام عام ١٩٧٤ (بعد أن أُقِيل أو أُسْتُقِيل).. وصولا إلى ماكان عام ١٩٨٨.. بل ووصولا إلى اللحظة الراهنة التي لم يعد فيها من رائحة أهرام المجد سوي الذكريات! أفهم أن يكون الاتصال للتهنئة، وحتى للإبلاغ بأن الجهة التي تمنح الجائزة قررت منحها للكاتب هذا العام.. أما أن يكون الهدف هو أن الأهرام يسعي ليأخذ قصب السبق في الابلاغ - عن حدث لم يصنعه ولم يكن مشاركا فيه ولم يحصل عليه بشكل خاص - فهذه مأساة !
يتضح أمامنا المسخ والهراء من أول الجملة، ففي التقرير المذكور تقطع "الأهرام" بأنها أول من علم بخبر الفوز بالجائزة؟ أي هراء هذا أيهاالسادة ؟ (ألا يوجد لديكم محرر صياغة معتبر؟ هل نسيتم كيف كان الديسك المركزي للأهرام (وكان بحد ذاته قلعة مهنية لا نظير لها؟) كيف يمر عليكم هذا الهراء من دون تصويب؟ السؤال البديهي هنا هو: كيف كان للأهرام السبق في معرفة الخبر؟ هل كان لدى الأهرام مراسل في السويد مثلا؟! وهل كان لدي هذا المراسل المفترض في ستوكهولم مصادر في الأكاديمية السويدية المنوط بها منح جائزة نوبل في الأدب؟! وهل علم هذا المراسل بالخبر من مصادره الخاصة قبل إذاعته في أربعة أنحاء العالم، فأبرق به إلى جريدته أو اتصل بها أو حتى أرسل لها فاكس أو تلكس، يخبر فيها – جريدته - بهذا السبق العالمي الذي انفرد به؟! هل هناك من يزعم حدوث ذلك بأي طريقة أو وسيلة، ويدعي أن الأهرام حصل على هذا الانفراد والسبق من مصدره الأصلي قبل آي جريدة أو وسيلة إعلامية اخرى؟!
هراء في الحقيقة ما نشره الأهرام في آيام الهوان والضعف.. تلك الأيام التي"تتباهي فيه القرعة بشعر بنت أختها" كما يقول المثل العامي المصري! ياسادة الأهرام الخبر ورد على وكالات الانباء في توقيت واحد. فقد طيرت وكالات الأنباء خبر حصول الكاتب الكبير قبيل الساعة الثانية ظهرا، فعن آي سبق وانفراد وتباهي تتحدث الأهرام؟ خبر عالمي طيرته كل وكالات الأنباء، ومثلما وصل إلى الأهرام ووكالة أ-ش-أ وباقي الصحف، وصل إلى جميل الباجوري وكان لايزال مديرا لمكتب جريدة الانباء الكويتية بالقاهرة (غادر منصبه بعد غزو الكويت عام ١٩٩٠ بأسبوعين اوثلاثة تقريبا بعد خلاف حاد مع رئيس التحرير بيبي المرزوق) فقد سبق وأن تعاقد المكتب مع وكالة رويترز. إذن لا فضل لأحد هنا.. لا الأهرام ولا جميل الباجوري ولا محمود الشربيني.. الفضل للتيكرز الذي نقلت وكالات الانباء بواسطته الخبر. كيف ينسب الأهرام العريق إلى تاريخه سبقا ليس له؟!
أما عن واقعة أن الأهرام أول من أبلغ محفوظ بالفوز بنوبل، فهذا أيضا نوع من تقزيم الأهرام، ربما من دون أن يشعر محرر الصياغة.. أفهم أن يتصل الأهراميون قياديين وصحفيين بالأستاذ نجيب للتهنئة، ففي التهنئة اخبار وإبلاغ في نفس الوقت، لكن ربما افترض الزملاء بالأهرام أن نجيب محفوظ ليس لديه مصدر معلومات آخر يبلغه بالفوز بالجائزة، وهذا افتراض غير صحيح، فقد حدث أنني ومن دون أي ترتيب مني أو من مكتب الأنباء ومديره، قد أبلغناه أولا وصورناه أولا وشاهدونا على الكافتيريا ونحن نهنئه ونحن نلتقط الصور معه، ونحن نودعه مع ابنته التي حضرت لاصطحابه، بعد أن امتلأ فضاء العالم بالخبر، وتقاطر الصحفيون والمراسلون على بيت الاستاذ نجيب. كيف لا يفترض الأهرام أن السفير السويدي بالقاهرة كان يمكن أن يكون آسبق منا في الابلاغ، فهو معني بالموضوع؟! كيف لا يتصور الأهراميون أن الوكالة السويدية - الجهة المانحة - كان يمكن ان تسبق الجميع، وتتصل بالأستاذ نجيب لإبلاغه بالخبر، في نفس وقت إعلان الخبر للعالم عبر وكالات الأنباء؟! الكلمات في الأهرام - وغيره من المؤسسات في الحقيقة – لا بد أن توزن بميزان الذهب.. وللأسف لم يحدث هذا بالتأكيد مع حدث إبلاغ نجيب محفوظ بالجائزة! ومرة أولي وثانية وثالثة وكما سبق أن ذكرت، فإنني لا اعتبر إبلاغي له أولا على أنه سبق من ترتيبي ومن اجتهادي ومن تدبيري وتخطيطي، أبدا.. هي نفحة إلهية كما أسماها الاستاذ فتحي سعد.. كنت هناك بالصدفة في هذا التوقيت تحديدا، وشاءت إرادة الله أن تكون هذا اللحظة ملكا لي.. وليس لأحد آخر. لم أرتّب للوصول إلى مكتبي في هذا التوقيت، ولم ارتب لكي لايكون في المكتب زملاء صحفيون غيري، ولم ارتب لكي يكون المصور موجودا في معمله في هذا الوقت، ولم ارتب نظرات عيوني بحيث تلمح نجيب محفوظا جالسا على الكافتيريا هادئا، لا يقوم بأي شيء، فلم الحظ أمامه فنجان قهوة، ولم تكن معه صحف يقرأها كما هو معتاد، يبدو انه كان فرغ من كل هذا، بحلول هذا التوقيت، والوقت الذي ينتظره كما هو برنامجه اليومي، هو العودة إلى بيته، وتناول طعام الغداء، ثم الخلود إلى الراحة بحدود الثانية ظهرا تقريبا.
الحقيقة أنه لم تكن تلك المرة الأولى التي أضيق فيها بتجاهل تاريخ ووقائع تتعلق بهذا الحدث ، كانت المرة الأولى عندما نشر الكاتب الكبير محمد سلماوي مذكراته ، خاصة الجزء الثاني منها المعنون بـ "العصف والريحان" .. كنت اتصلت به ليرسله لي، وكنت قرات جزأه الأول المعنون بـ"يوما أو بعض يوم" . عند نقطة معينة تحولت الحفاوةبالقراءة إلى كآبة !
——————--------------
بقلم: محمود الشربيني
من المشهد الأسبوعية






