12 - 09 - 2026

نحو حلم بنظام تعليمي إسلامي شامل

نحو حلم بنظام تعليمي إسلامي شامل

حين نتحدث عن نظام التعليم الإسلامي، فإن أول ما يرتسم على صفحة أذهاننا هو صورة التعليم في المدارس الدينية.

وقد استقر في أذهان عامة الناس أن هذه المدارس هي مؤسسات التعليم الديني، أما التعليم العام في المدارس والكليات والجامعات فهو تعليم علماني. ولهذا التصور خلفية تاريخية، إذ إن المستعمرين الإنجليز هم الذين أدخلوا هذا النظام التعليمي في عهد الاستعمار.

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل نظل إلى الأبد نحصر مفهوم التعليم الإسلامي في المدارس الدينية، وفي أقسام اللغة العربية والدراسات الإسلامية ونحوها في الجامعات؟ أم نفكر في إدخال التعليم العام أيضا في إطار نظام التعليم الإسلامي؟

وترى فئة من الناس أن التعليم الديني والتعليم العام لا ينبغي أن يظلا مسارين منفصلين، بل ينبغي دمجهما وإقامة نظام تعليمي موحد. فإذا بقيت المدارس العامة والمدارس الدينية منفصلة، نشأ في المجتمع، بل في الأسرة الواحدة، من يدرس في المدرسة العامة فيعرف بالسيد، ومن يدرس في المدرسة الدينية فيحمل صفة الشيخ.

والأولى من ذلك أن يعتمد في كل مكان تعليم واحد، أي نظام التعليم العام على أن تتخصص فيه فئة، كما هو الحال اليوم في الدراسات الإسلامية أو اللغة العربية أو ما شابهها من التخصصات، فيتخرج منها علماء في الدراسات الإسلامية. وهذا النظام قائم كذلك في الجامعات العلمانية في العالم الغربي، ومنها يتخرج المستشرقون.

وأول ما ينبغي قوله في هذا الصدد: إنه ليس بين المواد الدراسية المعروفة في نظم التعليم السائدة في عالمنا اليوم مادة تخرج عن دائرة التعليم الإسلامي.

أما الأمر الثاني، وهو بالغ الأهمية، فإن ما يراد بالتعليم الديني في الإسلام لا يمكن أن يتحقق في بيئة علمانية مجردة من الأجواء الدينية المتكاملة، لأن التعليم في التصور الإسلامي ليس مجرد تحصيل للمعارف من بطون الكتب، وإنما لا بد أن تقترن التزكية بالتعليم، بل إن التزكية تسبق التعليم وتعد شرطا له. وفي اللغة البنغالية نعبر عن هذا المفهوم بالتعليم والتهذيب.

وفي ضوء التراث الإسلامي، نجد أن نظام التعليم العام المعاصر يراعي هذا المبدأ أيضا. فإذا التحقت بجامعة دكا، فأيا كان القسم الذي ستدرس فيه لا بد أن تصبح أولا طالبا في إحدى القاعات الجامعية، وبعد التحاقك بها طالبا توجه إلى مختلف الأقسام أو التخصصات لتلقي دراستك. والمغزى العميق من ذلك أنك بعد أن تصبح طالبا في السكن الجامعي تتدرب فيه على بناء حياتك في ضوء ما تتلقاه من معارف في قسمك، فإذا اقترن التعليم بالتهذيب، وسارا معا جنبا إلى جنب أمكنك أن تكون من أهل العلم.

أما في مجال التعليم الديني، فالأمر أدق وأشد حساسية، فمن أراد أن ينشأ متضلعا من القرآن والحديث، وأن يكون في حياته الشخصية متبعا للإسلام حق الاتباع، فلا بد له منذ نعومة أظفاره من التزام أحكام الإسلام والتدرب على امتثالها. كما أن استيعاب دقائق القرآن والحديث وخفاياهما يقتضي إتقان تلاوة القرآن، وقواعد اللغة العربية، وعلوم البلاغة، وغيرها من العلوم الدقيقة والمعقدة منذ الصغر. ومن لم يتعود منذ طفولته على الوضوء والصلاة، والتمييز بين الحلال والحرام، فلن يتيسر له حمل علم الوحي، لأن العلم الإسلامي ليس مجرد معارف تستقى من بطون الكتب، بل لا بد أن تصحبه تربية عملية على خشية الله ومحبته. ويكفي أن تتفقد دورات المياه في المدارس الدينية والجامعات حتى تدرك من غير كبير عناء وجاهة ما أقول. وكما أن الذين سيلتحقون مستقبلا بالقوات المسلحة لهم مدارس وكليات عسكرية خاصة، تحكمها نظم وضوابط متميزة، فكذلك الذين سيتولون في المستقبل القيادة الدينية للمجتمع لا بد أن تكون لهم مؤسسات خاصة تعرف بالمدارس الدينية، لها نظمها وقواعدها. ولا تزال هذه المسيرة قائمة في بلادنا بما فيها من أوجه القصور والخلل من خلال مدارس المنهج العالي والمدارس القومية. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل سنظل نعد المدارس الدينية وحدها مؤسسات للتعليم الديني، ونصف التعليم في المدارس والكليات والجامعات بأنه نظام تعليمي علماني خال من الدين، ثم نظل نجد في هذا التصور ما يرضينا ويطمئننا؟

إن من يتدبر كل كلمة من كلمات القرآن الكريم، أو يبحث في آية من آياته يجد فيها ما يدله على معرفة الله ويشهد بصدق الإسلام. وبهذا المعنى سميت عبارات القرآن آيات، أي علامات ودلائل. وللكشف عن عظمة الآيات القرآنية ودلالاتها علوم ومواد، منها الحديث والفقه واللغة العربية والتاريخ الإسلامي والتفسير وغيرها. ولكن السؤال هو: إن الله سبحانه وتعالى لم يأمرنا بأن نحصر البحث والتفكر في آيات القرآن والحديث وحدهما، بل أمرنا أمرا مؤكدا بالتفكر والبحث في آياته المبثوثة في عالم الخلق. فبأي منطق توصف المواد الجامعية المختلفة، التي يبحث فيها عالم الخلق، وتدرس من خلالها سنن تدبيره وطرائق تسييره بأنها مواد علمانية، ثم تزدرى بدعوى أنها علوم لغير المسلمين؟

وتأملوا حال المتدينين في مجتمعاتنا، وما آل إليه بسبب ما أصاب أفكارنا وعقلياتنا من ضيق وانغلاق. ومن العجيب أن في البلدان الغربية أيضا كثيرا من المتعلمين المتدينين الذين لا يفهمون من التعليم الديني إلا مدارس تحفيظ القرآن والمدارس الدينية، ويرون أن إلحاق أبنائهم بهذه المؤسسات هو التدين بعينه. وفي الوقت نفسه، أدى تأخر أبناء المسلمين في العلوم والتكنولوجيا إلى أن أصبحت الاستقلالية الاقتصادية للبلدان الإسلامية وثرواتها في أيدي غير المسلمين، ينتفعون بها ويستحوذون عليها. وإذا قارنا رواتب الخبراء الأجانب العاملين في بلادنا ومخصصاتهم ومستوى معيشتهم بمستوى معيشة أبنائنا أدركنا مدى ما نتعرض له من غبن وحرمان بسبب تخلفنا في ميادين العلوم والتكنولوجيا.

ومن ثم، فكما أن الاشتغال بالعلم المستمد من آيات القرآن، أي التعليم في المدارس الدينية بالمفهوم المتداول ذو أهمية بالغة لنا وعمل نؤجر عليه، فإن الاشتغال بالعلم الذي يكشف عن آيات الله المبثوثة في عالم الخلق، وهو ما يجري في رحاب الجامعات، لا يقل عنه أهمية ولا ثوابا. وكثيرا ما نستشهد في بيان مكانة العلماء وفضلهم بخاتمة آية من القرآن الكريم: إنما يخشى الله من عباده العلماء. ولكن من هم هؤلاء العلماء؟ إن وضع الآية كاملة أمامنا يكشف لنا الجواب.

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ۝٢٧ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ۝٢٨﴾

[سورة فاطر: 27-28]

تأملوا: لقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى علم الإنسان، والعلوم الطبيعية، وعلوم الشمس، والآثار، والجيولوجيا، والزراعة، وعلم الحيوان، وغيرها أي إلى مختلف العلوم والمعارف التي تدرس اليوم في الجامعات، ثم قال: إنما يخشى الله من عباده العلماء.

وفي الآية التالية يأتي بيان الصفات الخلقية لهؤلاء العلماء، فهؤلاء الذين أثرتهم المعرفة الصحيحة بالله تتجلى في حياتهم وعلى ألسنتهم ذكرى الله وذكره. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تنحو هذا المنحى، ومن ذلك على سبيل المثال:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۝١٩٠ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ۝١٩١﴾ [سورة آل عمران: 190-191]

إن القرآن الكريم لم يقتصر على بيان توحيد الله وأحكام الشريعة، بل عرض كذلك تاريخ الأمم السابقة، وما وقعت فيه من ضلال وانحراف، وما انتهت إليه عواقبها. وقد بسط بوجه خاص تاريخ أهل الكتاب، أي اليهود والنصارى في عصرنا. فلماذا إذن يحصر مفهوم التعليم الإسلامي في مدارسة القرآن والحديث وحدهما؟

وفي غزوة بدر، جيء إلى المدينة بسبعين أسيرا من جيش قريش بمكة. وكان من شروط إطلاق سراح الأسرى أن من علم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة عد ذلك فداء له، ولم يكن عليه بعد ذلك أن يدفع مالا.

وفي هذه الحادثة شاهد على مدى عناية النبي ﷺ بتعليم الأمة القراءة والكتابة. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل اشترط النبي ﷺ على أولئك الأسرى المشركين أن يعلموا المسلمين القرآن والحديث، أم أن يعلموهم القراءة والكتابة المتداولة؟

ولا ريب أن في هذه الحادثة درسا عظيما لنا، نحن الذين نعد أنفسنا من أهل التدين. وهنا يكمن سر فقرنا في ميدان الفكر، فقد فصلنا بين البعدين الروحي والدنيوي في رسالة القرآن الكريم. فالمثقفون والمفكرون منا لا يكاد يشغلهم إلا شأن الدنيا، بينما الذين يرون أنفسهم مرجعية في الدين قد أعرضوا عن شؤونها، وانصرفوا إلى الشريعة أو المعرفة الروحية. وتأملوا ما في الآية الآتية من دلالة عميقة بعيدة المدى:

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53]

وحين نتحدث عن التعليم الإسلامي الشامل يتبادر إلى أذهان بعض الناس أننا ندعو إلى تحويل المدارس والكليات والجامعات إلى مدارس دينية، وليس الأمر كذلك. وإنما نقول: إن دراسة التخصصات العامة كالطب والهندسة وغيرها تظل قائمة كما هي اليوم، أما دراسة العلوم المستمدة من الوحي فتكون في بيئة مستقلة داخل المدارس الدينية. وينبغي ألا ننسى أن أكثر أبنائنا وبناتنا يدرسون في المدارس والكليات والجامعات، وهم أبناء المسلمين. والإسلام لم يأت للعلماء والأئمة وحدهم، ولا لبيئة المدارس الدينية وحدها. إن مسؤولية الإسلام ملقاة على عاتق كل مسلم مؤمن، ومن ثم لا بد أن نفكر في أن ينشأ أبناؤنا من خريجي التعليم العام على الفكر الإسلامي الصحيح، وأن ينهضوا بمسؤولياتهم تجاه الوطن والمجتمع. وقد كتبت كثيرا في كيفية صياغة المواد الدراسية في المدارس والكليات والجامعات وفق الرؤية الإسلامية. وخلاصة القول في أوجز عبارة، أن تبقى المقررات الجامعية كما هي على أن تضاف إليها بضعة مقررات في الإسلام، وبذلك يمكن تحقيق الثمرة المنشودة. فعلى سبيل المثال لنفترض أن طالب الطب أو طالبته يحتاج لكي يصبح طبيبا إلى دراسة مائة مقرر، واجتياز امتحاناتها بنجاح.

فلو أتيح لطالب الطب أن يدرس مقررا في الآيات القرآنية المتعلقة بالطب والصحة، ومقررا في توجيهات رسول الله ﷺ الطبية الواردة في الحديث الشريف، ومقررا في سير علماء الطب المسلمين وإسهاماتهم، كابن سينا والرازي وغيرهما، ومقررا يتناول خدمة الإنسان، ولا سيما رعاية المرضى، وما ورد في ذلك من أن العبد يجد الله في الآخرة إلى جانب مقرر في الفوائد الصحية للوضوء والصلاة والصيام وغيرها من العبادات، وللطهارة والنظافة، لأصبح الأطباء أكثر إنسانية بدلا من أن يكونوا ممن يعرفون بالمغالاة في الأجور، ولأمكن توفير ملايين من العملة الأجنبية. وفي بلادنا تقليد جميل في فصل الشتاء، يتمثل في إقامة مجالس الوعظ، ونحن نؤمن بأن بذل المال في سبيلها عمل يؤجر عليه المرء. غير أن تسعين في المائة من أجيالنا القادمة يدرسون في المدارس، ولا يدرس في المدارس الدينية سوى العشرة في المائة الباقية. فإذا استطعنا أن نضمن الكتب الدراسية ولو كلمة واحدة من كلمات الهداية، فلا ريب أن ثواب ذلك لن يكون أقل من ثواب إقامة مجلس وعظ تنفق عليه مئات الآلاف.
---------------------------------------
بقلم: د. محمد عيسى الشاهدي
ترجمة: أحمد شوقي عفيفي


مقالات اخرى للكاتب

نحو حلم بنظام تعليمي إسلامي شامل