15 - 09 - 2026

عشرون عاما من بريكس: الجنوب العالمي ينتقل من المشاركة في القواعد إلى صياغتها

عشرون عاما من بريكس: الجنوب العالمي ينتقل من المشاركة في القواعد إلى صياغتها

شهدت خريطة القوة في الاقتصاد العالمي تحولات عميقة منذ وقت طويل، غير أن هيكل القوة في الحوكمة العالمية لم يواكب هذه التحولات بشكل كامل. 

فقد أصبحت الأسواق الناشئة والدول النامية قوة مهمة في دفع نمو الاقتصاد العالمي، وتزايد وزنها من حيث السكان والأسواق والقدرات الصناعية، بينما لا تزال آليات التمثيل ووضع الأجندات وصياغة القواعد في بعض المؤسسات الدولية تحمل بصمات واضحة لهيكل عالمي تشكل في مراحل تاريخية سابقة. 

ومن يضع القواعد؟ ومصالح من تعكس هذه القواعد؟ باتا سؤالين لا يمكن تجاوزهما في مسار إصلاح الحوكمة العالمية. ومع انعقاد الاجتماع الثامن عشر لقادة دول بريكس، تتجه أنظار المجتمع الدولي مجددا إلى نيودلهي. 

ويتزامن هذا الاجتماع مع مرور عشرين عاما على انطلاق آلية تعاون بريكس، ما يمنحه دلالة تتجاوز حدود لقاء سنوي، إذ يوفر نافذة مهمة لرصد كيفية تحويل الجنوب العالمي ثقله الاقتصادي المتزايد إلى تأثير مؤسسي أكبر.

قبل عشرين عاما، عقد وزراء خارجية البرازيل وروسيا والهند والصين أول اجتماع لهم على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، فتحول بذلك مفهوم نشأ في الأوساط الاقتصادية إلى ممارسة فعلية للتعاون الدولي. 

واليوم، تضم "بريكس الكبرى" 11 دولة عضوا و10 دول شريكة، ويشكل سكان الدول الأعضاء قرابة نصف سكان العالم، فيما يمثل حجم اقتصاداتها نحو 30 بالمئة من الاقتصاد العالمي، وتستحوذ على نحو خمس التجارة العالمية. ومن آسيا وأفريقيا إلى أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، تنضم إلى هذه الآلية دول متزايدة العدد تختلف في نظمها السياسية وهياكلها الصناعية ومراحلها التنموية. وحتى الآن، توصلت دول بريكس إلى أكثر من 60 وثيقة نتائج، مقدمة إسهاما مهما في دفع النمو الاقتصادي العالمي وبناء نظام اقتصادي وتجاري دولي عادل ومنفتح. 

وما وراء هذه الأرقام، تكمن دلالة أعمق في طبيعة التحول نفسه: فلم يعد الجنوب العالمي مجرد مجموعة كبيرة من الدول النامية المتفرقة داخل النظام الدولي، بل بدأ يمتلك منصة مؤسسية تجمع مصالحه التنموية، وتنسق مواقفه السياسية، وتساعده على بلورة رؤى ومطالب مشتركة.

ويستجيب هذا التحول أولا لاختلال ظل قائما لفترة طويلة في منظومة الحوكمة العالمية. فبينما يواصل مركز الثقل في الاقتصاد العالمي انتقاله نحو الأسواق الناشئة والدول النامية، لا تزال بعض الترتيبات المؤسسية في مجالات التمويل والتجارة الدولية تعكس إلى حد كبير خريطة الاقتصاد العالمي قبل عقود. 

كما يمضي إصلاح حصص صندوق النقد الدولي، وهيكل المساهمات في البنك الدولي، وتمثيل الدول داخل بعض المؤسسات الدولية بوتيرة بطيئة، ما يخلق فجوة بين الإسهام الفعلي للدول النامية وبين وزنها المؤسسي. وخلال السنوات الأخيرة، واصلت دول بريكس الدفع باتجاه إصلاح حوكمة المؤسسات المالية الدولية، داعية إلى تعزيز تمثيل الأسواق الناشئة والدول النامية ورفع صوتها في صنع القرار. 

والمقصود هنا ليس هدم النظام القائم وبناء نظام منفصل من الصفر، بل جعل المؤسسات الدولية أكثر تعبيرا عن التحولات الفعلية في موازين القوة العالمية. فإذا ظلت مجموعة من الدول تمثل قرابة نصف سكان العالم مضطرة على المدى الطويل إلى الاكتفاء بقبول قواعد يضعها الآخرون، فمن الصعب أن تتمتع الحوكمة العالمية بالتمثيل والمصداقية الكافيين.

والانتقال من طرح المطالب إلى المشاركة في صياغة القواعد يحتاج إلى ما هو أبعد بكثير من مجرد رفع مستوى الصوت، إذ يتطلب أدوات مؤسسية قادرة على العمل بصورة مستدامة. ويعد بنك التنمية الجديد أحد أبرز الأمثلة على ذلك. 

وحتى 30 يونيو 2026، وافق البنك على 141 مشروعا بإجمالي تمويل بلغ نحو 44 مليار دولار، شملت مجالات مثل الطاقة الخضراء والبنية التحتية للنقل ومياه الشرب النظيفة. ومؤخرا، أقر مجلس محافظي البنك الاستراتيجية العامة الثالثة للخمس سنوات للفترة من 2027 إلى 2031، فيما جعل التعاون المالي والاقتصادي داخل بريكس تنسيق سياسات الاقتصاد الكلي، وتعبئة تمويل التنمية، والاستثمار في البنية التحتية من بين مجالاته ذات الأولوية. وبالنسبة لكثير من الدول النامية التي تواجه منذ فترة طويلة ارتفاع تكاليف التمويل واتساع فجوات البنية التحتية، لا تكمن قيمة هذه الآليات في الحصول على قرض إضافي فحسب، بل في توفير قنوات أوسع لتوجيه الموارد المالية وفقا لأولوياتها التنموية. وهكذا، لا تبقى صياغة القواعد حبيسة بيانات الاجتماعات، بل تبدأ في التأثير بصورة ملموسة في اتجاهات تدفق رأس المال وتمويل التنمية واختيار المشروعات.

ويقدم التعاون الاقتصادي والتجاري زاوية أخرى أكثر مباشرة لفهم هذا التحول. فبعض الدول تلجأ اليوم بصورة متكررة إلى إضفاء الطابع الأمني على القضايا الاقتصادية والتجارية، بينما تؤدي الحواجز الجمركية والقيود التكنولوجية والتفكيك المصطنع لسلاسل الإمداد إلى رفع تكاليف المعاملات العالمية، وغالبا ما تكون الدول النامية أول من يتحمل آثار هذه الصدمات الخارجية. 

أما تعاون بريكس فلا يتجه نحو بناء تكتل تجاري إقصائي، بل يركز على حماية النظام التجاري متعدد الأطراف الذي تتمحور منظومته حول منظمة التجارة العالمية، مع توسيع التعاون تدريجيا إلى مجالات محددة تشمل تسهيل التجارة والاستثمار، وتمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتجارة الخدمات، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد. 

وقد اعتمد اجتماع وزراء تجارة دول بريكس هذا العام "استراتيجية الشراكة الاقتصادية لبريكس 2030"، وأقر "توافق جايبور" والمبادئ التوجيهية للائتمان الموجه إلى المؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، كما توصل إلى نتائج جديدة بشأن تحسين التمويل التجاري للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وبناء سلاسل قيمة عالمية أكثر تنوعا ومرونة.

 ولكي تترك المشاركة في صياغة القواعد أثرا فعليا، فإنها تحتاج في كثير من الأحيان إلى الدخول في هذه المجالات التي تبدو تقنية، لأن تكلفة دخول الشركات إلى الأسواق، ومدى سهولة التجارة العابرة للحدود، وطريقة ترابط سلاسل الصناعة، تحددها في نهاية المطاف قواعد تفصيلية ومحددة.

كما تمتد المنافسة على صياغة القواعد الجديدة إلى مجالات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والتنمية الخضراء. فقد تشكلت معظم القواعد الدولية التقليدية في عصر التصنيع، بينما تعيد اليوم حركة البيانات عبر الحدود، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، والمعايير الخضراء، والبنية التحتية الرقمية تحديد مساحة التنمية المتاحة للدول. وإذا ظلت هذه القواعد الجديدة تتحدد أساسا من جانب عدد محدود من الاقتصادات المتقدمة تكنولوجيا والشركات الكبرى، فقد تتحول الفجوة الرقمية تدريجيا إلى فجوة في القدرة على صياغة القواعد نفسها. وخلال السنوات الأخيرة، وسعت آلية بريكس تعاونها في مجالات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والتصنيع الجديد، كما توصلت إلى نتائج خاصة بحوكمة الذكاء الاصطناعي على المستوى العالمي. وبالنسبة للجنوب العالمي، فإن المشاركة في مناقشة قواعد هذه المجالات تعني في جوهرها الدفاع عن حقه في التنمية خلال الجولة الجديدة من الثورة العلمية والتكنولوجية، بدلا من انتظار اكتمال القواعد ثم محاولة التكيف معها بصورة سلبية.

كما منح توسع عضوية بريكس هذه القدرة على صياغة القواعد طابعا أوضح يعكس مصالح الجنوب العالمي. فقد ساهم انضمام مصر وغيرها من الدول إلى آلية التعاون في بريكس في منح قضايا مثل التحول في قطاع الطاقة، والأمن الغذائي، وتمويل البنية التحتية، والتصنيع، وبناء القدرات الرقمية حضورا مؤسسيا أكثر مباشرة. وبالنسبة لكثير من الدول العربية والأفريقية، فإن ما يشغلها فعليا ليس اختيار معسكر في خضم تنافس القوى الكبرى، بل كيفية الحصول على تمويل تنموي مستقر، وتحويل مزايا الموارد إلى قدرات تصنيعية، والمشاركة في سلاسل الصناعة الرقمية والخضراء، وضمان وجود صوت لها قبل اكتمال صياغة القواعد الدولية. وتكمن قيمة بريكس في قدرتها على تحويل هذه المطالب التنموية المتفرقة إلى قضايا مشتركة تدخل بصورة منظمة في الأجندات متعددة الأطراف. ومصالح الدول المختلفة ليست متطابقة بالكامل، ولهذا تحديدا تكتسب عملية البحث عن قواعد مشتركة وسط هذه الاختلافات قيمة حقيقية في مجال الحوكمة.

وهذا يحدد أيضا اتجاها أساسيا: فلا ينبغي أن تتحول مشاركة بريكس في صياغة القواعد إلى بناء منظومة مغلقة جديدة. فإذا اكتفت آلية متعددة الأطراف جديدة بإعادة إنتاج المنطق القديم الذي تحتكر فيه قلة من الدول سلطة وضع القواعد، فلن تكون قادرة على تمثيل الجنوب العالمي بصورة حقيقية. ويقوم تعاون بريكس على الانفتاح والشمول والتوافق عبر التشاور، ولا يستهدف أي طرف ثالث، وتكمن قيمته المؤسسية الأعمق في توسيع دائرة المشاركين في صياغة القواعد الدولية. وتدعو الصين إلى دفع ديمقراطية العلاقات الدولية بصورة نشطة، وتعزيز تمثيل دول الجنوب العالمي وحقها في التعبير، مع صون النظام الدولي الذي تتمحور منظومته حول الأمم المتحدة، والنظام الدولي القائم على القانون الدولي. ومن ثم، فإن الهدف من المشاركة في صياغة القواعد ليس إحلال "قواعد الجنوب" محل "قواعد الشمال"، بل الانتقال تدريجيا من وضع القواعد بواسطة عدد محدود من الدول وقبولها من جانب عدد أكبر من الدول، إلى نمط أوسع يقوم على التشاور المشترك والصياغة المشتركة.

ومن اجتماع واحد لوزراء الخارجية في عام 2006 إلى "بريكس الكبرى" التي تضم اليوم 21 دولة عضوا وشريكة، لا يقتصر التحول الحقيقي الذي تحقق خلال عشرين عاما على زيادة عدد المشاركين أو اتساع الحجم الاقتصادي، بل يتمثل بصورة أعمق في أن الجنوب العالمي بدأ يبني آليات للتنسيق، وأدوات للتمويل التنموي، وقدرات على التأثير في صياغة الأجندات. فالوزن الاقتصادي لا يتحول تلقائيا إلى وزن مؤسسي، كما أن الحجم السكاني واتساع الأسواق لا يمنحان بصورة طبيعية القدرة على التأثير في القواعد. ويتطلب هذا التحول بناء مؤسسيا طويل الأمد، وتوحيد المصالح المشتركة، وتوفير منتجات عامة قابلة للتنفيذ. وعندما تتمكن أعداد متزايدة من الدول النامية من المشاركة في النقاش منذ المراحل الأولى لتشكيل القواعد، وطرح مقترحاتها والتأثير في الأجندات، بدلا من البحث بصورة سلبية عن سبل للتكيف بعد اكتمال صياغة تلك القواعد، تبدأ الحوكمة العالمية فعليا في عكس التحولات الواقعية في موازين القوة الدولية. والانتقال من المشاركة في القواعد إلى الإسهام في صياغتها هو أبرز تحول يحمل دلالة العصر في مسيرة بريكس خلال عشرين عاما، كما يمثل علامة مهمة على تقدم الجنوب العالمي نحو موقع أكثر مساواة وقدرة على المبادرة داخل النظام الدولي.

……………..

بقلم نور يانغ إعلامي صيني 


مقالات اخرى للكاتب

عشرون عاما من بريكس: الجنوب العالمي ينتقل من المشاركة في القواعد إلى صياغتها