التصور اليهودي في المخيله الأوروبية عبر التاريخ الممتد لم يكن مجرد قضية دينية أو أزمة دمج اجتماعي، بل كان على الدوام معادلة تحكمها حسابات المنفعة والمقت المتبادل.
فمن قلب الأدب الإنجليزي في القرن السادس عشر إلى أروقة وزارة الخارجية البريطانية في بدايات القرن العشرين، تتجلى حقيقة واحدة الغرب لم يسعَ يوماً لحل أزماته الأخلاقية مع الآخر، بل كان بارعاً في إعادة تدويرها وتصديرها إلى خريطة الشرق.
في مسرحية - تاجر البندقية - يرسم شكسبير الشخصية اليهودية شايلوك معبراً عن عقدة التناقض الأوروبي المبكر، حيث كان المجتمع المسيحي في البندقية يحتقر المرابي اليهودي ويقصيه إلى معزل عن هويته، لكنه في الوقت ذاته لا يستغني عن وظيفته المالية التي تضمن دوران عجلة الاقتصاد.
لقد صُممت شخصية شايلوك لتجسد العنصر الضروري والمنبوذ يطالب بـ - رطل من اللحم كشرط جزائي لضمان حقه في مجتمع يعامله كجسم غربي يجب التحرز منهم ، لم تكن القصة مجرد دراما بل كانت إرهاصاً مبكراً لكيفية إدارة الغرب لملف المجموعات التي يستعصي عليه دمجها بحيث يدير الاستغلال الوظيفي مع العزل الحذر.
ولان الأيام دول ولا تدوم على حال، فتدور الأيام وتتجسد هذه العقدة الأدبية في سياسة إمبراطورية أحدثت زلزالاً جيوسياسياً لا تزال شراراته تشتعل حتى اليوم ، فقبل أن يكتب آرثر بلفور رسالته الشهيرة عام 1917 كان رئيساً لوزراء بريطانيا حين أقرّ قانون الأجانب لعام 1905 (Aliens Act 1905) وهو التشريع الذي صيغ خصيصاً لمنع تدفق اليهود الفارين من مذابح القيصرية الروسية إلى الشوارع البريطانية، كان بلفور يرى في الوجود اليهودي داخل أوروبا عبئاً اجتماعياً وثقافياً يجب الحد منه.
هنا التقت معاداة السامية المبطنة لدى رجل الإمبراطورية مع الذكاء البرجماتي للحركة الصهيونية وليدة اللحظة، صرح تيودور هرتزل يومها أن معادي السامية سيكونون أفضل حلفائنا ولم يكن ذلك مجرد شطحة فكرية بل قراءة دقيقة للذات الأوروبية، لقد أدرك بلفور ونخبة النظام الإمبراطوري أن الحل لا يكمن في دمج اليهود داخل المجتمعات الأوروبية بل في تصدير المسألة بأكملها خارج حدود القارة.
تحول الشرط الجزائي الفردي لـ شايلوك إلى عقد استعماري كبرى أطلقه بلفور، لقد مُنحت الحركة الصهيونية وعداً بتأسيس وطن في فلسطين لا بدافع من الشفقة أو التكفير عن اضطهاد أوروبا لـ شايلوك، بل لتحقيق ثلاثية إمبراطورية صريحة
وهى:
- إبعاد الكتلة البشرية المغضوب عليها أوروبياً ونقلها إلى الشرق
- زرع قاعدة حليفة وموالية للغرب قرب قناة السويس لحماية طرق التجارة الإمبراطورية نحو الهند
- تأمين خنجر جيوسياسي في قلب المنطقة يضمن تفكيك التكتلات الإقليمية وحماية تركة الرجل المريض
وظلت هذه المقايضة التاريخية قائمة لعقود حُول فيها الكيان إلى دولة وظيفية تمنحها عواصم الغرب الحصانة المطلقة والغطاء الدبلوماسي، مقابل حراسة المصالح الغربية، لكن متوالية شايلوك وبلفور تشهد اليوم في أيلول/سبتمبر 2026 لحظة ارباك تاريخية غير مسبوقة، حيث أن ما نراه اليوم في المشهد المعقد للعلاقات بين بريطانيا والغرب عموماً وبين الكيان الصهيوني، فها هي بريطانيا تجد نفسها مكبلة بتبعات العقد التاريخي الذي أبرمته، إذ أعلنت الحكومة البريطانية مؤخراً حظراً شاملاً على استيراد بضائع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وفرض عقوبات على الشركات والكيانات الاستيطانية متهمة ممارسات الاحتلال بالتورط في عمليات تطهير عرقية، ورداً على هذا التراجع البريطاني حيال صنيعتها الاستعمارية سارعت تل أبيب بالرد العنيف عبر إغلاق القنصلية البريطانية العامة في القدس الشرقية وطرد دبلومسيين بريطانيين.
وسط هذا التوتر الدبلوماسي غير المسبوق الذي يعكس تحولاً عميقاً في عقد الوظيفة، الكيان الصهيوني بات يرى في الحماية الغربية حقاً مكتسباً وشرطاً جزائياً - رطل لحم - يجب أن يُدفع دائماً ومجاناً دون مساءلة، بينما تحاول لندن متأخرة التنصل من الكلفة الأخلاقية والسياسية الباهظة لحماية مشروع استيطاني يهدد بالانفجار الكامل في وجه صناعه.
لقد خرج شايلوك من معزله الأدبي في البندقية ليتحول عبر قلم بلفور إلى مشروع سياسي، أفرك عيون الشرق بالدم والحديد، وبين العقدة والوهم وتخبط العواصم الغربية اليوم بين الالتزام بـالوعد القديم ومحاولة الغسل الميداني لأيديها من الجرائم الراهنة، يبقى التاريخ شاهداً على أن الغرب لم يمنح أجزاءً من الشرق للصهيونية إيماناً بحقها بل حمايةً لنفسه من أزماته الهيكلية وتثبيتاً لهيمنة استعمارية تجيد تغيير أقنعتها دون أن تغير جوهرها.
"لا أحد حر حتى يتحرر"
"حرر نفسك"
"حرر عقلك"
-------------------------------------
بقلم: حاتم نظمي






