أحيانًا يكفي تغير قواعد التعامل، بدلاً من قطع العلاقات، لقول إنني غاضبة، وهذا تقريبًا ما يحدث الآن بين بريطانيا وإسرائيل، في خطوة لافتة، أعلنت الحكومة البريطانية حظراً تجارياً على السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، في تحول واضح عن الاكتفاء بالتصريحات السياسية والانتقادات الدبلوماسية، فهل نحن أمام لعبة جديدة، أم أن الأيام ستبرهن لنا حقيقة ما يحدث؟!
من المقرر أن يعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند تفاصيل الخطوة أمام البرلمان، باعتبارها جزءًا من "إعادة ضبط شاملة" للسياسة البريطانية تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية، قد يبدو القرار اقتصاديًا، لكننا نعلم أيضاً أنه في حقيقته خطوة سياسية بالدرجة الأولى، فبريطانيا لا تتحدث عن مقاطعة إسرائيل، ولا عن وقف تجارتها معها، وإنما تستهدف تحديدًا منتجات المستوطنات في الضفة الغربية.
الحكومة البريطانية تقول إن الهدف هو حماية إمكانية قيام دولة فلسطينية، خصوصًا بعدما أثار مشروع الاستيطان في منطقة E1 مخاوف من أن يؤدي إلى قطع التواصل الجغرافي بين أجزاء من الضفة الغربية، بما يجعل حل الدولتين أكثر صعوبة، وهنا يصبح السؤال أكبر من قيمة البضائع التي ستتوقف بريطانيا عن استيرادها؛ فهل بدأت لندن بالفعل في تغيير علاقتها بإسرائيل؟
ربما...
الحكومة البريطانية الجديدة صرحت عدة مرات أن ما يحدث في الضفة الغربية قضية لا يمكن تجاهلها، في المقابل، جاءت ردود الفعل الإسرائيلية والأمريكية حادة؛ إذ انتقد مسؤولون إسرائيليون الخطوة، بينما حذر السفير الأمريكي لدى إسرائيل من أن واشنطن قد ترد بإجراءات يمكن أن تطال مصالح بريطانية في بعض الولايات الأمريكية، المفارقة أن بريطانيا لا تقول إنها تريد الابتعاد عن إسرائيل.
هي تقول، بصوة أكثر وضوحاً: نريد أن تبقى إسرائيل شريكًا، دون أن يصبح هذا التعاون غطاءً لواقع يقضي على الدولة الفلسطينية قبل أن تولد، وهنا تكمن أهمية الخطوة، فحين تبدأ دولة بحجم بريطانيا في استخدام التجارة للضغط على سياسة الاستيطان، فإن الرسالة لا تذهب إلى إسرائيل وحدها، وإنما إلى أوروبا والولايات المتحدة والمجتمع الدولي أيضًا.
لذا فالسؤال الحقيقي:
هل هذه بداية تحول غربي حقيقي في التعامل مع إسرائيل، أم مجرد محاولة أخيرة لإنقاذ حل الدولتين قبل أن يصبح مجرد فكرة مكتوبة في بيانات المؤتمرات؟
التاريخ لا ينتظر طويلًا، وكل مستوطنة جديدة تغيّر شكل الأرض، وكل طريق جديد يرسم حدودًا لم تكن موجودة من قبل، ولهذا، ربما بريطانيا اليوم لا تحظر بعض السلع فقط، ربما تحاول إعلان إن السياسة يمكن أن تتأخر، لتتغير الجغرافيا التي لا تنتظر أحدًا.
----------------------------------
بقلم: إنچي مطاوع






