كم كان مضحكاً ومبكياً، في نفس الوقت، أن أقرأ في كتاب نجيب محفوظ "أحلام فترة النقاهة.. الأحلام الأخيرة"، بينما يعقد النوم ذراعيه وينظر نحوي معانداً، ولسان حاله يقول "ورينا شطارتك". أُقلب أحلام أستاذنا الواحد تلو الآخر ولا أستطيع تصيد واحداً منها، لا قصيراً عابراً، ولا طويلاً مقيماً، بينما المسافرون على مقاعدهم حولي يغطون في نوم عميق.
تقلع رحلة مصر للطيران إلى جوهانسبرج قرب منتصف الليل، ولشخص مثلى يبوس قدمي النوم، ويجرى وراءه في الغرفة كي يستكين إلى جواره ولو لبعض الوقت في سرير ألِف كل منهما صاحبه، يصبح النوم، وخادمكم بين السماء والأرض محشورًا في كرسي بالكاد يمكن إمالته، شبه أسطورة، حتى وإن لم أُقبل رجليه فقط، بل وكل فتفوتة فيه.
جاء جلوسي إلى جانب فتاة إنجليزية ربيعية العمر، أنهت لتوها دراسة الطب في إحدى جامعات لندن، ووفِقَت في منحة لبضعة أشهر في أحد مستشفيات جنوب إفريقيا، كنوع من التأهيل العملي إلى جانب العمل التطوعي، "بالطبع يمكن أن أتدرب في إنجلترا، لكنني فضلت أن أسافر إلى آخر نقطة في إفريقيا لأستمتع وأعمل واكتسب الخبرات"، قالت ردًا على سؤالٍ لي.
إذا هي متعةٌ وعمل، هكذا لخصت رحلتها وغايتها ومنهج حياتها في الدقائق السابقة لانطلاق الطائرة، حيث أخرجت، وهي تحدثني، وسادة هوائية على شكل حدوة حصان نفختها ولفتها حول رقبتها، ثم قالت "استأذنك أن تخبر المضيفة ألا توقظني، حتى ولو للأكل.. شكراً"، ولم تنتظر إجابة، إذ فردت البطانية عليها، ثم أسندت رأسها إلى المقعد وراحت في سبات عميق، وكأنما ضغطت على زِر فَصَل بطارية اليقظة فسقطت في محيط النوم، حدث هذا بينما يجلس خادمكم متعجباً كيف مر النوم أمامه ولم يره، وكيف جاءها مستسلماً مطيعاً وتركني أردد بيني وبين نفسي أبيات صلاح جاهين، "قُطي العزيز راقد على الكنبات/ في نوم لذيذ وبيلحس الشنبات/ وأنا كل عين فنجان مدلدق قلق/ صدق إللي قال إن الحياة مَنَبَاتْ/ عجبي!".
قرأت الجرائد واجتهدت في حل الكلمات المتقاطعة والسو دو كو. تناولت عشائي. تنقلتُ بين محطات راديو الطائرة. دسست عيني في أحلام النجيب، والتي أهدانيها صديق كريم عزيز، ورحت أتمنى أن أغفو فيسقط الكتاب من فرط نومى تحت قدمي فيمضى الزمن سريعاً، ويا حبذا إن رافقه حلم سعيد، ولو قصير، من باب الاكتفاء بكوابيس النهار، ثم أتخيل أنى استيقظت على صوت قائد الطائرة يدعونا لربط الأحزمة تمهيداً للهبوط بعد رحلة استغرقت ثمان ساعات، فأتثاءب في سعادة وحبور، أفرد ذراعيّ حتى يلامسا سقف خزانة حفظ الأمتعة الشخصية فوق رأسي، ولكن هيهات، هيهات، دخل الأرق من الباب وقفز النوم من الشباك، فيما جلست أسامرُ خريفي، أفتش في ذاكرة كثُرت ثقوبها عن ذكريات العمر، لاهياً عن قدوم الربيع بأزهاره وثماره وأريجه، حتى وإن جاورته.
بدأ خيط النور الوليد يشق الظلام، فتنحسر عباءة الليل السوداء عن أكتاف النهار شيئاً فشيئاً. كمخاض امرأةُ ولود، ينبلج الفجر الأحمر من كبد الفضاء فتتبعثر ألوان الطيف مُعلنة ميلاد يوم جديد. يُعلق الليل عباءته على المشجب ويرحل فيسفر النهار وجارتنا ما زالت ترفل هانئة وادعة في نومها، ثم ها هي تتثاءب وتُلقى تحية الصباح بصوت ناعم مخلوط بفتافيت النوم، تمطت كقطة تستعيد نشاطها وتختبر مرونة عضلاتها، ثم تربعت في مقعدها، مُهَوشٌ شعرها، هانئة بنومها، متلذذة بقهوتها، تمسح بلسانها آثار الحليب العالق بشفتين رقتا فدقتا، "هل نمت؟" سألتني بصوت رقيق به خنف نوم، فأجبتها مبتسمًا "قضيت حياتي نائماً، وآن أوان الاستيقاظ".
-------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفي الخياط
[email protected]






