حين قرر محافظ مطروح اللواء أركان حرب علاء أبو زيد تعيين 500 معلم مساعد في محافظة مطروح، اشترط في المتقدمين للمسابقة أن يكونوا من أبناء مطروح، أي مواليد مطروح وحاصلين على الشهادة الابتدائية والإعدادية والثانوية من مطروح؛ لئلا يتعين أبناء المحافظات الأخرى وبعد فترة يبحثون عن وساطات ليعودوا لمحافظاتهم ويتركوا المحافظة خالية من المعلمين، تقدمت بأوراقي، وتمَّ قبولي، ونظراً لحصولي على تقدير مقبول في ليسانس الآداب والتربية جاء تعييني في واحة سيوة الجميلة، لكنها بعيدة، مما استلزم البحث عن سكن هناك، فهي تبعد أكثر من 300 كم عن مطروح، وجاء تعييني في المرحلة الابتدائية، وكان التدريس جديداً عليَّ، فلم أكن أهتم بالناحية التعليمية والتربوية، وكنت أعمل في المجال الإعلامي قبل هذا التعيين.
حجبت ثورةُ يناير عني الكثير من الطموح؛ فقد تغيرت البلادُ كثيراً، وجرت في النهرِ مياهٌ كثيرة،ٌ وحدثت اضطرابات أمنية وسياسية عميقة.
مع الوقت تأقلمت مع التدريس وصاحبت البنات هناك واقتربت منهن كثيراً، كنت قد زرت الواحة مرتين، الأولى مع المحافظ قبل أحداث يناير كإعلامية، والأخرى مع زوجي عام 2015م في رحلة ممتعة، قضينا فيها أسبوعاً كاملاً نتجول في أرجاء الواحة الفسيحة.
نصحني الزملاء أن أقضي وقتي بعد الظهيرة في الدروس الخصوصية؛ فهناك فوائد عديدة للدروس، منها: تسلية الوقت، وتعميق المادة العلمية، وتعميق العلاقات بالتلاميذ وأهاليهم، والتحصيل اللغوي، حيث أخالطهم فترات أطول وأكتسب منهم لغتهم الأمازيغية التي يتحدثونها مع بعضهم، ومنها الاشتراك في رحلاتهم إلى الجزر القريبة مثل جزيرة فطناس، وجزيرة تيزا وغيرهما، وربما وصل الأمر لزيارة مجانية لقرية جعفر غالية الثمن التي تمَّ تصميمها على الطراز الفرعوني والخالية من الكهرباء، وتعود فيها الروح لأصلها، ولذا فالليلة الواحدة فيها تتجاوز 500 دولاراً أمريكياً للفرد الواحد.
كانت الدروس تسليةً وتعميقاً للمادة العلمية وتحصيل مبالغ مالية جاوزت الراتب، فلما زادت الأموال تحسنت المعيشة وسهل عليَّ السفر لزوجي كل أسبوع في مطروح، ولما شقَّ عليَّ السفر وأجهدني صرت أزوره كل أسبوعين، نقضي ليلة الخميس ويوم الجمعة ونهار السبت كاملاً، ثم أعود لسيوه لأعاود العمل يوم الأحد.
ومع مرور الوقت وجدت أن تحصيل البنات رائع للغاية من الناحية العلمية، ولكن أغلبهن بعد المرحلة الإعدادية يعتزلن التعليم ويتزوجن، تلك عادات الواحة وقليلات جدا مَن تجتاز هذه العادات.
تلميذتي فاطمة أبو هريرة تجاوزت الإعدادية، ولم تلتحق بالمرحلة الثانوية، وقعدت في البيت تنتظر العريس، لكنه لم يأت.
كانت علاقتي بها عميقة منذ درَّست لها في الشهادة الابتدائية، كانت تلازمني في البيت خلال الدرس مع مجموعتها، وبعد انصراف الزملاء تظل معي بقية اليوم، وتساعدني في إعداد الطعام والشراب وكنس المنزل وغير ذلك.
وظلت هكذا بعد الالتحاق بالمرحلة الإعدادية، وكانت تهديني الزيتون المخلل وغير المخلل وأنواعاً كثيرة من التمور، وكافة منتجات الواحة. لكنها بعد القعود في المنزل لم تُرزق بعريس، وكانت قد تعلمت كل شؤون المنزل، وتخبرني أن الأسرة تُعلِّمها أن وظيفةَ المرأة في بيت الزوجية شيء واحد، وهو ألا تجعل زوجها يعكر مزاجه معها، يظل دائما في حالة طيبة تجاهها، وذلك لا يكون إلا بالعطاء الأنثوي الدائم والقوي، فهي في السرير عاهرة، وفي المطبخ شيف عالمي، ودائمة البسمة، وترتدي أجمل الملابس لتروق لعينيه، ولا تكثر من الأسئلة، ولا تتدخل في مساءله الخاصة، ولا تراقبه، وتتغاضى عن أي سوءٍ تجاهها، وتترفق في كل شيء لتمضي الحياة في سعادة، وقبل وأثناء وبعد كل هذا فإنها تلزم الطاعة ثم الطاعة ثم الطاعة.
ثم هي خادمة وسيدة في الآن نفسه، وتلك أمور تتعلمها الفتاة في الواحة ليسعد بها زوجها، بعد عامين من قعودها في البيت كنت قد أمضيت ست سنوات في الواحة وبقيت لي سنة واحدة وأستطيع مغادرتها إلى مطروح بعد أن تجاوزت السبع سنوات التي قررها المحافظ عند التعيين، ولكني ارتبطت أكثر بفاطمة وأسرتها، وكثرت زياراتهم للبيت، وطلبوا مني مرات كثيرة دعوة زوجي لقضاء أسبوع في الواحة، ولما فعل أكرموه غاية الكرم، ودخلنا بيتهم وتناولنا فيه الطعام الفاخر عدة مرات، ثم حمَّلوه هدايا عظيمة وهو عائدٌ لمطروح له ولأهله ولأصدقائه، حتى ثقلت حمولته.
وتعالقت بي فاطمة فوق ما سبق، وطلبت مني للمرة الأولى قبيل مغادرتي الواحة بشهر أن أجد لها زوجاً، فإنها الآن ستدخل في مرحلة الاكتئاب القاسي، وكانت ملامح الفتاة تتباين مع حالتها النفسية، وظلت بي كل يوم تنتظرني عندما أخرج من المدرسة ظهراً بطبيخ رائع، وترتيب للمنزل يستهويني، حتى تعودت على وجودها في مسكني في وجودي وفي غيابي، وترتب مجموعات الدروس الخصوصية، وتسألني كل يوم عن الزوج، فقلت لها مازحةً: لا أعرف زوجاً سوى زوجي، ولكنكِ لن تقبلي به؛ لأنه متزوج.
أجابت قائلة: بل أقبل.
قلت لها: إنه يكبرك بأكثر من عشرين سنة، ولديه زوجة، ودخله محدود لأنه معلم فقط، ولا يهتم بالدروس الخصوصية.
قالت: لكنه رجل عاقل وحكيم، وهذا يكفي.
بدأت أحصر الموقف في رأسي، فسألتها: وهل تتزوجين زوجي وتتسببين في طلاقي؟
قالت وهي تبتسم: ولمَ يحدث الطلاق؟ سأظل كما أنا، فأنتِ يا معلمتي لكِ المكانة والوجاهة والسيادة في المنزل، ودعي لي الأمور القاسية والعنيفة، صدقيني سيكون وجودي في البيت مهماً بل وضرورياً، ثم إنكِ ستعودين لمطروح وأعود معكِ، ونعيش في سعادة، فلا نشقى بالعمل المنزلي وإضافتي لن تزيد النفقات المالية، أم ترين أني لست الهدية المناسبة لزوجكِ الغالي؟
سألتها: وهل ستحبينه؟ ويحبكِ؟ أليس الحب شرطاً للزواج؟
قالت: الحب خدعة كبيرة، هنا أمور أهم، منها استمرار العلاقة الزوجية، فما الزواج سوى تنظيم دائم للجنس، ونحن في حاجة ماسة للتقارب الجنسي، وكل ما عدا ذلك تحسين الأمر خشية بعض الخجل من قول الحقيقة.
قلت لها: لو افترضتُ صحة قولكِ، فهل تأخذين زوجي مني؟ هل هذا ردُّ الجميل يا فاطمة؟
قالت: معلمتي الغالية، الرجل حين يغلق حياته على امرأة واحدة تتبدد قدراته ومواهبه، حتى الأنبياء كانوا يتزوجون كثيرات، نبوغ الرجل مرتبط بالإفراغ الجنسي، وحين يفرغ طاقته ستجدينه أجمل وأعذب وأرق من ذي قبل.
طلبت مني أن أعرض الأمر عليه.
في اليوم قبل الأخير وبعد إلحاح مضنٍ منها، طلبته على الهاتف وعرضت عليه الأمر، فوافق، ووافق أهلها، جاء ليأخذني فعقد عليها بمهر قليل، وأخذها بما معه من العلوم والمعارف، وطوال الطريق أتساءل كيف يمكنه أن ينجب منها، وعقده عليها عرفياً؛ لعدم بلوغها السن القانونية، وكيف وافق زوجي عليها، وكيف بررت الفتاة خطف زوجي مني، لكني أنا التي زوَّجته بها، أنا التي زوَّجت تمليذتي زوجي، ولتكن تجربة يباركها المولى عزَّ وجلَّ، وليقضي الله أمراً كان مفعولاً ومأمولاً.
-------------------------------
بقلم: علاء الدين سعد جاويش







