وقار وحكمة رئيس الدولة لا تتجلى في صمته عن معاقبة مرؤوسيه وسكوته عن إهانة مواطنيه! قد نقبل منه بحكم كونه رئيسّا وأعباؤه كثيرة، وظروفنا المحيطة به وبالبلد مرعبة، أن يخاطب أستاذاً جامعيًا بطريقة "صارمة" - وان كان مبارك فعلها مع قامة بحجم د. محمد السيد سعيد ولم تقبل منه - لكن مقام الرئاسة شيء، ومقام مادونه من مسؤولين شيء آخر. كل الاحترام لمنصب رئيس الدولة.. لكن إهانة المواطنين لا يمكن قبولها.. رئيس وزراء .. وزراء .. محافظين.. عمد ومشايخ وخفراء.
- الرئيس السادات كانت يتعامل بـ" ….أدب" مع معارضيه.. فيسب الشيخ المحلاوي (مرمي في السجن زي الكلب) ومبارك كان يستخدم لفظ "ابن قطعة القماش الممزقة" ، وقال لمحمد السيد سعيد عندما أراد تسليمه ورقة "حطها ف …."!! مبارك والسادات عسكريان لكن لسانهما "منفلت ".. عبد الناصر عسكري لكنه لم يتجرأ بتوجيه لفظ خارج لأي مواطن.. شتم إيدن ووصفه بـ "الخِرِعْ "، وسب بريطانيا ورد لها الإهانة: "بتقولوا عليَّ كلب.. طيب إنتوا ولاد ستين كلب، ونقدر نضربكم بالجزمة"، وأهان ملوكا ورؤساء كانوا يتآمرون على ثورة يوليو وعليه ويريدون التخلص منه.. لكنه عندما غضب من وزير التموين كان لأنه رفع أسعار سلعة تموينية تلاتة تعريفة"!
الرئيس السيسي رجل خلوق لا يسب ولا يصدر عنه لفظ خارج، ولم يهاجم ملكا أو رئيسا ولا حتى الكذاب الأشر "آبي أحمد" الذي يحلف كذبا، ولا "عبد الرحمن دقلو" راعي الغنم السوداني.. لكننا لم نره يعاقب المسؤولين المخطئين. الأجهزة الرقابية في عهده اقتادت وزير الزراعة "بالكلبشات" في الشارع، فماذا عن الوزراء والمحافظين الذين أهانوا المواطنين ولم يحَاسبوا!! تفسير ذلك ربما في تفضيل توضيحات "الغرف المغلقة"، حتى لا تحدث أزمة ادارية، أو ربما تقديرا للضعف الإنساني، باعتبار الخطأ البشري وارد. مصر الغنية بالكفاءات حتى في ذروة ضعفها، يمكنها أن تلبي احتياجات الدولة من المسؤولين وقتما يقرر الرئيس.
- وزير الماستر والماجستير أهان علنا موظفا "تلجلج" أمامه وأخطأ في المعلومات، وذكر الاسم الصحيح لمحور كان تحت الافتتاح.. وفعلها وزير أخر كال اللوم للمرضي في المستشفي، لأنهم اشتكوا من سوء التنظيم والخدمات، وذلك قبل أن يبدأوا شكواهم بتقديم الشكر والعرفان لـ"الدولة" التي تعالجهم (!!) وفعلها أيضا مع ممثلين للشعب أعضاء في لجنة صحية، اجتمعوا معه لمناقشة بعض القضايا المهمة، فما كان منه إلا أن غضب عليهم وترك لهم الاجتماع، يخبطوا رؤوسهم في الحيط، وقل لهم متهكما: "أنا غلطان اني جيت لكم"!
وزير يخاطب نواب الشعب بهذه الطريقة ولا يحاسب، ويخاطب المواطنين بهذه الطريقة ويبقى في منصبه!! ووزير يهين مهندس علنا.. ويدمره نفسيا ومعنويا ولا شيء يحدث (وان كان الوزير راجع موقفه وأعاد الاستماع إلى شرح المهندس!)
كم محافظا أهان مواطنا مسؤولا في موقع عمله؟ هل مفروض ان يتم توبيخ الموظف او العامل على الهواء؟ وان قال إنه فعل كذا وكذا وكذا يهاجم بسخرية: "متقوليليش إنك بتصرفي عالدولة"؟! هل يفترض الوزير أنه أكثر وطنية أو أكثر دفاعا عن الدولة من أي شخص آخر؟ من الوزراء من سرقوا الجهد العلمي.. ومنهم من يدعون لأنفسهم درجة علمية مزيفة، وحينما يحاول محام أن يقاضيهم تظهر لهم من تهددهم "إذا فكرتوا تعملوا كده هنجيبكم في شوال"!
ما القيمة التي تميز شخص الوزير أو - المسؤولين - عن المواطنين؟ "أحسن منهم في إيه "؟ هل كونه مسؤولا يجعله مميزا وعلى رأسه ريشة؟ بالعكس بعضهم يُوَّزَر بسبب "بطحة رأسه"! الناس هي التي تدفع مرتبات وامتيازات الوزراء.. وهذا المنصب وجاهته في كفاءة وانسانية وخبرة وعلم شاغليه، وليست في تجبرهم على الناس وتعاليهم عليهم وخسف الارض بهم. لماذا؟ لماذا في هذا العصر الذي بدأه الرئيس بمخاطبة الشعب بقوله "إنتوا نور عيننا" يسمح فيه بإهانة الموظف والمواطن والعاملين في كل مكان، بذرائع غريبة ؟
من أسف أن الأمر استفحل ولا إيقاف له، ويبدو أن المثل العامي صحيح، "من أمن العقوبة أساء الأدب".. ذاكرة الشعب حبلى بوقائع إهانة المواطنين، ويستذكرونها كلما حدثت إهانة جديدة، يتراكم الغضب المكتوم المضفر أحيانا بالدموع. جرح الكبرياء أمضى من جرح السيف والرصاص. تسليط أبواق النظام للتبرير وامتصاص الغضب حلول لم تعد "تخيل" على أحد! ما الذي يضير المسؤول لو أنه انتصر للشعب ووقف إلى جانبه؟ هل الوزير منصب محصن؟ ما قيمة الوزير عندما يهين الشعب؟ لماذا يُحْمّى ويمنع إحراجه أو التخلص منه، عقابا على ما فعله مع الناس بدم بارد. الدستور لا يجيز للمسؤول إهانة المواطن أبدا.. ولا اهانة المرؤوس الصغير أو حتى بدرجاته الوظيفية المعروفة. الدستور ينص على أن الشعب هو السيد، وإن لم تكتب هذه العبارة نصا.. لكن كل الساسة والعلماء والخبراء في المجالات كافة يبرزون احترامهم للشعب باعتباره المعلم والسيد. هذه الجملة الأيقونية لماذا سقطت من ممارسات السلطة التنفيذية، من تسبب في ذلك ومنذ ومتى ولماذا؟!
مدير مدرسة برقطا ومديرة مدرسة كفر الجزار اللذان أهانهما حسام النحاس محافظ القليوبية، فيما أخطآ؟ إنهما يعملان، ووحده الذي لا يعمل لايخطيء. نادر على كان يدهن الحوائط بنفسه، وصالحة أبوالفضل عندما لم ترد عليها الادارة التعليمية تصرفت من مالها الخاص.. وبدلا من تكريمهما في حينه، أهينا إهانة بالغة، تعيّن على وزير التربية والتعليم - و قد تلقى تعليمات على أعلى مستوي - بأن يمسح عنهما الاهانة، وان يقوم بتكريمهما، وهي ضمنيا إهانة غير مباشرة للمحافظ، الذي لم يستقل أو يقال!!
مع شكرا الوزير عبد اللطيف على مسح الاهانة، يثور السؤال عن كيفية استعدادات وزارته للعام الدراسي الجديد؟ هاني منسي مدرس (باحث ماجستير وقاص أيضا) يقول: "بعد الهيصة دي حصل إيه على ارض الواقع.. هل سور المدرسة اتبني؟ مدرسة في القليوبية بلا سور منذ عام ٨٣".. هل حد أتكلم في توفير عمالة كافية بدل ما المدرسين بيشتغلوا بأيديهم؟ ومن تجربة شخصية عندي في المدرسة بنجيب عمال للنضافة من جيوبنا علشان الكلمة دي بتزعلهم جامد"!!
والسؤال الآن إلى تلك المذيعة الفجة التي قالت انه لايحق لمديرة مدرسة كفر الجزار أن تقول للمحافظ إنها صرفت من جيبها على إصلاح المدرسة؟ لماذا لا يحق لها ياست ريهام؟ كونك تتمتعين بمميزات النجمات وكل شيء بيتعمل لك كسوبر ستار لا يعطيك الحق في الحديث عن هؤلاء الغلابة الذين يدفعون من قروشهم القليلة لسد النقص في العمالة والنظافة بمدرسة من مدارس الدولة (وبدلا من لوم الموظفة فلتلومي المحافظ على جملته غير الموفقة "مش ممكن اعلم النضافة وأنا وسخ"!) وبدلا من تقريع مدرسة شافت شغلها ساعدي من خلال إطلاق حملة تبرعات قوية لمساعدة مدارس تعاني الإهمال! الدولة حاولت الرد عن الغلابه، فكرمت "نادر" و"صالحة". كتم الله صوت الذين لم يعتادوا على المصارحة، ويفضلون قمع الحقائق أمام المسؤول.. يفضّلونها: حاضر.. طيب.. وسعادتك.. واللي تؤمر بيه"!
أغرب مافي الأحداث الخاصة بالتربية والتعليم والمعلمين هو موقف نقابة المعلمين! لاحس لها ولا خبر! طال غيابكم ليه يانقابة؟
-----------------------------
بقلم: محمود الشربيني






