أحرصُ كلَّ الحرص على إتقان العمل، الذي أُكلَّف به؛ لأمرٍ جبليٍّ فيّ ورثته عن أبي - طيَّب الله ثراه - والذي كان نموذجًا يُحتذَى في أناقة الهندام، وإتقانِ العمل. وأحبُّ كذلك كلَّ من يُتقنُ عمله، دون نظرٍ إلى نوعيته، فليس هناك عملٌ شريف، وآخر خسيس، بل الإتقان هو معيار المفاضلة والتمييز.
من النماذج التي تعرَّفت عليها مؤخرا، ووجدته حجة في القانون المدني والجنائي، المحامي الشهير محمد سليمان عبد المعطي، الذي ضحَّى بالطب البيطري؛ ليلتحق بحقوق عين شمس، ويتخرج فيها بتفوق؛ ليلبس ثوب المحاماة، ويجوب قاعات المحاكم المصرية شرقا وغربا شمالا وجنوبا، ويتمكَّن بحسّه القانوني من تبرئة موكله، وإخراجه من القضية كـ «الشعرة من العجينة». من قضاياه العجيبة، قضيةٌ تصدّر لها، وبرَّأ فيها شابا من حكم بالحبس سنتين، بعدما يأس «عتاولة» المحامين من تلك القضية، خاصة أنّهم لم يجدوا ثغرة للدخول منها لتبرئة الشاب، إلا أنًه وصل الليل بالنهار، وبنى دفاعه على الطعن في الشكل، وليس الموضوع، وهو ما اطمأن له يقينُ المحكمة، وأصدرت حكمها بتبرئة الشاب .
لم يكن وقوفُ المحامي محمد سليمان على تلك الثغرة، نتيجة جهده وحده، بل لفتت نظره إليها زوجتُه الأستاذة عفاف عبد المعبود أحمد، زميلة دراسته، التي جسَّد لسانُ حالها معه، أنَّ وراء كلِّ عظيم امرأة، وحقا كانت الأستاذة عفاف أحمد - أسأل الله لها الشفاء العاجل - نموذجًا للزوجة الوفية، والمرأة العاملة، التي وقفت مع زوجها يدا بيد في معترك الحياة .
المحامية عفاف أحمد صورة للطالبة (حرِّيتة) المذاكرة، وهو ما أكسبها معرفة بالقوانين: (مدني وجنائى وأحوال شخصية) ومواد الدستور، فكان لها مع كل قضية مدخل، ومع كلِّ حكم ثغرة، تتسلل منها لوجدان المحكمة، وتقتنص البراءة بسهولة ويسر .
التحقتْ عفاف مع ثلّة من محامي القرية الكبار بالدراسات العليا، ولكن أعباء العمل، حالت بين زملائها والمذاكرة، فجلسوا في قاعة الامتحان، يمصمصون الشفايف، ويعضون الأنامل من الغيظ، وهيهات أن تجود عليهم آذهانهم بمعلومة (توحد الله)، أو ينزل عليهم مددٌ من السماء، فأيقنوا أنهم راسبون لا محالة، ولكن غريزة رفض الرسوب والفشل، دفعت أحد المحامين الكبار، أن يناديها في لجنة الامتحان، قائلا : «شوفينا بأيِّ حاجة يا أبلة الله يكرمك»، ولكن ذلك كان مستحيلا، إذ إن السؤال كان تلخيصا لأحد كتب القوانين، وهو ما يستحيلُ معه الغش في الامتحان، كما نرى اليوم مع الـ «بابل شيت» قاتله الله، وخلافه !
لا تربطني بالأستاذة عفاف صلةٌ من قريب أو بعيد، ولكن ربطتني بزوجها مؤخرا علاقةٌ، أكد لي خلالها، كيف تحمّلت زوجتُه معه أعباء الحياة، التي بدأوها من الصفر، حتى صار لهما اسمٌ معروف في ساحات القضاء .
عفاف عبد المعبود المحامية، مثالٌ للمرأة المصرية الخيّرة بطبعها، فطالما تحضُّ زوجها على السخاء والجود، والحقُّ يُقال، إن زوجها كريمٌ بطبعه، لا ينقطع عن بيته الوافدون، فيقدم لهم ما لذَّ وطاب، ولا يغيب عنه الموكلون رغم أن أتعابه (غالية شويتين)، إلا أنَّ هذا لا يهمُّ من ينشد البراءة، وصدق القائل: «ومن يخطب الحسناء لم يغلهِ المهر» .
تحية إجلال ودعوة بالشفاء العاجل للمحامية الإنسانة عفاف عبد المعبود أحمد .
-----------------------------
بقلم: صبري الموجي
* مدير تحرير الأهرام






