11 - 09 - 2026

كيف وقعت الغواصة الأمريكية في قبضة إيران المدمَّرة قوتُها؟

كيف وقعت الغواصة الأمريكية في قبضة إيران المدمَّرة قوتُها؟

لطالما ادّعى ترامب أن القوة العسكرية الإيرانية، ولا سيما القدرات البحرية للجمهورية الإسلامية، قد دُمّرت بالكامل؛ لكن واقعاً ميدانياً يضع هذا الادعاء الدعائي أمام تحدٍّ جدي:

"تمكّنت القوة البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني من رصد غواصة أمريكية ذكية ومتطورة وغير مأهولة، تعمل تحت سطح الماء، وإيقاعها في الأسر عند مدخل مضيق هرمز".

هذه ليست حادثة بحرية عادية؛ بل هي تطور مهم على المستويات الاستخبارية والعملياتية والاستراتيجية. وقد أعلنت القوة البحرية للحرس الثوري أن هذا النظام تم رصده والاستيلاء عليه خلال عملية استخبارية وعملياتية معقدة، كما أن الصدى الواسع للخبر في وسائل الإعلام الأجنبية يدل على أن واشنطن لا تستطيع ببساطة تجاوز هذه الحادثة.

لكن الأهمية الأساسية للقضية لا تكمن في المركبة الغاطسة نفسها؛ بل تكمن في حقيقة أن إيران استطاعت رؤيتها.

في الحرب الحديثة، إن رؤية العدو قبل أن يتمكن من إتمام مهمته تُعد بحد ذاتها أحد مكونات القوة.

إن اكتشاف منظومة متطورة تعمل تحت سطح الماء في بيئة معقدة مثل مضيق هرمز، يدل على وجود مجموعة من القدرات الاستخبارية والاستطلاعية والمراقبة والعملياتية. وبعبارة أكثر وضوحاً، إذا كانت المنظومة الأمريكية قد دخلت البيئة العملياتية الإيرانية لجمع المعلومات وتنفيذ مهمة ما، فقد تمكنت إيران من اكتشافها وتعقبها والسيطرة عليها.

وهنا تواجه رواية «التدمير الكامل لقدرات إيران» سؤالاً بسيطاً، لكنه ثقيل الدلالة: إذا كانت القوة البحرية الإيرانية قد دُمّرت، فلماذا لا تزال الولايات المتحدة عاجزة عن العمل عند عتبة مضيق هرمز من دون أن يتم رصدها؟

إن مضيق هرمز ليس بيئة عادية للعمليات البحرية. فهذا الممر المائي الاستراتيجي ضيق ومعقد؛ وهي بيئة يمكن فيها للأنظمة غير المأهولة، وشبكات الاستخبارات، والحرب الإلكترونية، والألغام، والصواريخ الساحلية المضادة للسفن، والزوارق الصغيرة أن تغيّر معادلات القوة.

ومن هذا المنظور، فإن حادثة يوم الثلاثاء 8 سبتمبر 2026، ليست مجرد احتجاز مركبة أمريكية؛ بل هي اختبار حقيقي للادعاءات الأمريكية بشأن التفوق الاستخباري والعملياتي في مضيق هرمز.

ونتيجة هذا الاختبار واضحة: دخلت منظومة أمريكية متطورة إلى المنطقة، لكنها لم تخرج منها من دون أن ترصدها إيران وتسيطر عليها؛ بل أصبحت غنيمة في يد إيران. وتشبه عملية الاستيلاء على المركبة الأمريكية التي تعمل تحت سطح الماء عملية الاستيلاء على الطائرة المسيّرة الأمريكية المتطورة RQ-170.

(ففي 4 كانون الأول/ديسمبر 2011، الموافق 13 آذر 1390، تمكّنت قوات الحرس الثوري من رصد الطائرة التجسسية الأمريكية RQ-170 Sentinel وإيقاعها في الأسر شرقي إيران.. وأعلن الحرس الثوري آنذاك أنه تمكن، من خلال الحرب الإلكترونية والتشويش على أنظمة الاتصالات والملاحة، من السيطرة على الطائرة وإنزالها سليمة على الأرض. وتُعد هذه الحادثة واحدة من أبرز أحداث الحرب الإلكترونية بين إيران والولايات المتحدة).

وبالطبع، تحمل هذه الحادثة رسالة مهمة ومباشرة إلى واشنطن مفادها "إن التكنولوجيا الأمريكية لم تعد متفوقة فحسب، بل لم تعد قادرة حتى على توفير الحصانة لمن يستخدمها".

لقد أثبتت إيران أنها قادرة، في البيئات البحرية المعقدة، على اكتشاف الأهداف التي تعمل تحت سطح الماء، والسيطرة عليها عند الضرورة. وهذا يعني أن معادلة الردع في الخليج لا تحددها أعداد السفن الحربية الأمريكية فحسب؛ بل إن القدرة على الاكتشاف والرصد والتعقب والرد تشكل أيضاً جزءاً من القوة الحقيقية.

ومن جهة أخرى، تكشف هذه الحادثة بصورة أوضح الفجوة بين «الرواية الدعائية» و«واقع الميدان».

يتحدث ترامب عن التدمير الكامل لقدرات إيران؛ لكن واقع الميدان يقدم صورة مختلفة: سماء إيران تُرصد، وسطح مياهها يُرصد، وتحت الماء أيضاً هناك من يرصد. وهنا تحديداً تصطدم حرب الروايات بالواقع العملياتي.

يمكن للولايات المتحدة أن تطلق مختلف الادعاءات بشأن قوة إيران؛ لكنها لا تستطيع بسهولة محو حقيقة منظومة أمريكية متطورة تم رصدها واحتجازها في المنطقة الاستراتيجية لمضيق هرمز من ذاكرة الميدان.

إن مضيق هرمز اليوم ليس مجرد ممر مائي؛ بل هو ميزان للقوة. ورسالة هذا الميزان اليوم إلى واشنطن واضحة: "إن إيران لم تُستبعد من الميدان فحسب، بل لا تزال، في واحدة من أكثر النقاط الاستراتيجية حساسية في العالم، ترى وترصد وتتبع، وتتخذ الإجراءات عند الضرورة".

فالسؤال النهائي لا يزال قائماً: إذا كانت إيران قد «انتهت» فعلاً، فما الذي كانت تفعله هذه المركبة الأمريكية تحت سطح الماء في هرمز؟ ومن الذي اكتشفها واستولى عليها بوصفها غنيمة؟

---

معلومات عن الغواصة الأمريكية:

🔹 الغواصة الآلية Dive-LD من إنتاج شركة أمريكية، وقد صُممت لتنفيذ مهام تحت سطح الماء في المياه العميقة.

🔹 يبلغ طول الغواصة نحو 5.8 أمتار، وتزن قرابة 3 أطنان، ويمكنها العمل تحت الماء لمدة تصل إلى 10 أيام، كما يمكنها، وفقاً لما أعلنته الشركة المصنعة، الوصول إلى عمق 6000 متر.

🔹 ومن أبرز الاستخدامات المحتملة لها: الاستطلاع والمراقبة تحت سطح الماء، ورسم خرائط قاع البحر، واكتشاف الألغام، وفحص الكابلات وخطوط الأنابيب.

-------------------------------
بقلم: د. جبار سعيداوي
* كاتب سياسي وأكاديمي ـ إيران

مقالات اخرى للكاتب

مأرب.. ردّ أنصار الله على الضغط السعودي ونقل النار إلى العمق الاستراتيجي للسعودية