12 - 09 - 2026

ملامح | الحرب على إيران ممتدة لـ 2029

ملامح | الحرب على إيران ممتدة لـ 2029

أعتقد أن الحرب الأمريكية على إيران سيطول أمدها ولن تنتهي عقب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، بل ستمتد إلى نهاية الفترة الرئاسية لترامب، والتي بدأت في 20 يناير 2025، وتنتهي في ذات الموعد من عام 2029.

ترامب كبد خزينة بلاده خسائر تتخطى حاجز الـ 300 مليار دولار، فقد قدرت التكلفة العسكرية بنحو 200 مليار دولار خلال الفترة من 28 فبراير وحتى التاسع من سبتمبر 2026، أي على مدى 194 يوماً. فقد بلغت التكلفة المباشرة في أسبوعها الأول نحو 11.3 مليار دولار، واستمرت بمعدلات تشغيل بلغت نحو مليار دولار يومياً. كما أظهرت بيانات مراكز الأبحاث الأمريكية (مثل معهد واتسون بجامعة براون) أن المستهلك والاقتصاد الأمريكي تحمّلا أكثر من 100 مليار دولار إضافية لارتفاع أسعار الوقود والطاقة وحدها، ناهيك عن التكاليف طويلة الأجل مثل تأثيرات التضخم وخدمة الدين الحكومي الناجم عن الاقتراض للحرب. في المقابل لم تحصل واشنطن على عائد مادي، ولم تنجح محاولات ترامب في ترويض إيران لتقاسم عائدات رسوم المرور بمضيق هرمز لتعويض خزانة بلاده عن خسائرها.

وتسببت الحرب على إيران في أزمة داخلية لترامب بعدما عايره سلفه باراك أوباما بتداعيات المواجهات ضد إيران. حيث أعلن أوباما أن جميع الأهداف التي يحاول ترامب الوصول إليها حالياً بمواجهات عسكرية وكلفت الخزينة الأمريكية مليارات الدولارات، وصل إليها أوباما مجانا باتفاق نووي حافظ على مكاسب أكثر للولايات المتحدة.

عدم وصول ترامب لنتائج تسبب في تجدد الصراع الأزلي في العقيدة السياسية الأمريكية بين مدرستي الدبلوماسية الواقعية وتخفيض التكاليف، التي ينتهجها الحزب الديمقراطي، ومدرسة الردع العسكري وإعادة تشكيل موازين القوى والتي أنتهجها الحزب الجمهوري. وهو ما يمنع ترامب من التراجع كي لا يُسجل التاريخ انتصار رؤية خصومه السياسيين.

بالتالي، لا يستطيع ترامب التراجع عن الحرب سواء على المستوى الاقتصادي أو العسكري أو السياسي دون تحقيق مكاسب مادية تعوض الخزانة الأمريكية والمواطن الأمريكي، وذلك لن يتحقق إلا إذا استسلمت إيران وهو أمر مستبعد، أو تدفع دول الخليج تكاليف الحرب وفوقها مكاسب مادية وفقاً لمنطق التجار الذي يتبعه ترامب.

ما يعقد المشهد أمام ترامب ـ أيضاً ـ أن إيران لا تخوض الحرب كمواجهة تقليدية فقط، بل عبر توزيع الأعباء والتكلفة في عدة جبهات (الملاحة، مضيق هرمز، حلفاء الإقليم)، مما يجعل إنهاء الحرب قراراً لا تملكه واشنطن وحدها. كما تراهن إيران على عامل الوقت وارتفاع الفاتورة المباشرة وغير المباشرة (أسعار الطاقة، التضخم، التأثير على الاقتصاد الأمريكي)، مما يدفع إدارة ترامب لمزيد من التصعيد للحصول على "صورة نصر" قبل خروج الأمور عن السيطرة.

وطالما أن استسلام طهران أمر مستبعد استناداً إلى استراتيجية الاستنزاف التي تطبقها، وطالما أن خيار التمويل الخليجي المباشر يخضع لحسابات معقدة، يجد ترامب نفسه مجبراً على مواصلة المواجهة حتى آخر يوم في ولايته الرئاسية محاولاً انتزاع صفقة تضمن له النصر، وتغطي فواتير الخزانة.

ولا يفوتنا أنه مع الاقتراب من الاستحقاقات السياسية الأمريكية، وهي انتخابات التجديد النصفي للكونجرس والتي بدأ أعضاء الحزب الديمقراطي يحققون نجاحات فيها، فإن ذلك يفرض على الإدارة مواصلة الضغط حتى لا تظهر بمظهر المنسحب المهزوم، خاصة مع تصاعد هجمات أوباما والديمقراطيين حول إهدار الأموال الأمريكية. لذلك بدأت القوات الأمريكية في استهداف السفن الإيرانية وجزرها، وفي المقابل وجهت إيران ضربات موجعة مثل استهداف مرابض طائرات الإف بمختلف أنواعها بالقواعد الأمريكية، وكذلك القطع البحرية بالخليج وبحر العرب، والاستيلاء على غواصة غير مأهولة، لتبدو طهران في صورة الند للدولة العظمى.

كل ذلك يجعل ترامب مستمراً في معركته حتى آخر يوم له بالبيت الأبيض، خاصة مع إنسداد فرص الوصول لصفقة نصر ترامبي، وإصرار إيران على خوض الحرب حتى جلاء الاحتلال الأمريكي من المنطقة.

** رجال الأعمال لا يصنعون سياسة

مشكلة ترامب أنه ليس لديه مبدعين سياسيين وعسكريين، لاعتماده على رجال أعمال، وهم يتولون المناصب الوزارية ومهام المبعوثين، وهؤلاء ليسوا صناع سياسة، ولا هم أهل خبرة عسكرية، بالتالي ليس لديهم إبداع الساسة والقادة العسكريين لإدارة مثل تلك الأزمة. لقد تعامل ترامب وجوقة رجال الأعمال مع الحرب على إيران باعتبارها رحلة تجارية سيعودون منها بالصفقات والنفط والثروات المعدنية كما حدث مع فنزويلا.

ومن أسباب إطالة أمد الحرب، تغير أهدافها لعدم وجود استراتيجية واضحة وهدف ثابت لها. كان الهدف الرئيسي إسقاط النظام الإيراني، أو إضعافه، أو كسره لتحويله لنظام مشابه للأنظمة الساجدة والراكعة لربهم الأمريكي، وعندما فشلت ذهب ترامب لفكرة تأليب الشعب الإيراني على نظامه بفرض الحصار العسكري والاقتصادي، كانت النتيجة تضامن الشعب أكثر مع النظام.

رفعت واشنطن الترامبية سقف الحصار الاقتصادي لرفع كلفة حرب الإرادة والسيادة على الشعب الإيراني لتأديبه على موقفه، وبالتالي لم تعد معركة ترامب وجوقة رجال أعماله مع النظام بل مع الشعب أيضاً، بدليل استهداف قاعة للأفراح مؤخراً، واستهداف محطات الكهرباء والبنية التحتية المدنية، بدعوى خطأ في الإحداثيات.

إذن الحرب على إيران لم تعد مجرد عملية عسكرية محددة الأهداف أو الجدول الزمني، بل تحولت إلى "حرب أوراق واستنزاف مفتوحة" تُدفع فواتيرها يومياً من الخزانة الأمريكية والاقتصاد العالمي، مما يجعل الخروج منها أشد صعوبة وكلفة من الاستمرار فيها. فيما اعتاد الشعب الإيراني على الحصار وتأقلم معه.    

ومن هنا، تدخل الحرب مرحلة جديدة من "العناد الاستراتيجي"، حيث يعيد كل طرف تعريف مفهوم النصر والترهيب.  فاقتراح ترامب تحويل مضيق هرمز إلى ممر تحت السيطرة الهجومية والأمنية الأمريكية لم يفلح في تجريد طهران من قدرتها على تحويل التوترات البحرية إلى أداة لرفع كلفة التأمين والشحن الدولي. وفي مقابل الحصار العسكري وإغلاق منافذ التصدير الإيرانية، تعتمد إيران على تكتيك "الإنهاك بطيء المفعول"، عالمةً أن عامل الوقت ليس في صالح المواطن الأمريكي الذي يكتوي بنار التضخم وارتفاع أسعار الطاقة.

هذا المأزق يضع الرئاسة الأمريكية أمام خيارين كلاهما مرّ: إما الإصرار على استكمال المواجهة حتى يناير 2029، والمخاطرة بتحويل الشرق الأوسط إلى نزيف مالي لا ينتهي يُضعف موقف الجمهوريين داخلياً. أو القبول بتسوية أقل مكسباً، وتفتح الباب أمام هجوم كاسح من الخصوم الديمقراطيين حول جدوى "مغامرة المليارات" مقارنة بـ "مجانية الدبلوماسية".

في النهاية، يبدو أن ترامب الذي دخل البيت الأبيض بمنطق "عاقد الصفقات" وجد نفسه مجبراً على خوض حرب بلا أفق استثماري. وطالما بقيت معادلة التمويل والرضوخ العسكري معلقة بين طهران وواشنطن وحلفاء الإقليم، فإن هذه المواجهة لن تكون مجرد جولة عسكرية عابرة انتهت بانتخابات التجديد النصفي، بل ستظل "العلامة الفارقة" والفاتورة المفتوحة التي تُثقل كاهل ولايته الثانية حتى لحظة تسليمه السلطة في عام 2029.

لقد أنفق ترامب 350 مليار دولار ـ وفقا لتصريحات سلفه باراك أوباما ـ لفتح مضيق كان مفتوحاً، ويقترح إعادة تسمية هرمز لـ "مضيق ترامب" ذلك هو إنجاز المليارات الأمريكية التي تحملها المواطن الأمريكي دافع الضرائب، بخلاف خسائر دول القواعد الأمريكية بسبب صفقة خاسرة.
----------------------------------
بقلم: محمد الضبع



مقالات اخرى للكاتب

ملامح | الحرب على إيران ممتدة لـ 2029