10 - 09 - 2026

مؤشرات | الأراضي للفلاحين ولمن يفلحها.. شعار قائم

مؤشرات | الأراضي للفلاحين ولمن يفلحها.. شعار قائم

قبل حوالي 160 عاما اشتعلت انتفاضة الفلاحين في ربوع مصر تحت شعار "مصر للمصريين والأرض للفلاحين"، واستمرت 30 عاماً، وذلك في أعقاب الانتفاضة التاريخية للفلاحين المصريين في يناير 1862 ضد السخرة، وقيامهم بالإضراب عن الحفر في قناة السويس التي يريد أحدهم المقايضة عليها اليوم مقابل الديون.

ونجح الفلاحون في انتفاضهم بتنظيم عمليات هروب من موقع حفر القناة، مما اضطر المستغلين إلى تحديد أجر وبالرغم من ضآلته وقتها للفلاحين، والتحسين النسبي لمعيشتهم وخاصة بالنسبة لمياه الشرب.

تبادرت إلى ذهني هذه الوقائع والتي واكبتها ثورة الزعيم أحمد عرابي، ووقائع أخرى من تاريخ فلاحي مصر النضالي، ونحن نحتفل بعيد الفلاح، والذي يأتي في 9 سبتمبر من كل عام، فتاريخ نضال فلاحي مصر طويل، وقبل هذا التاريخ وبعده، وفي أيام ثورة 1919، أعلن فلاحون ومثقفون الاستقلال عن السلطة بتشكيل مجلس وطني للحكم وللحماية من القوات الإنجليزية والسلطة التابعة لها، وهو ما ساهم في تحركات نضالية في أسيوط والدقهلية طوال فترة النضال الوطني الشعبي عام 1919.

واستمرت حركات النضال للفلاحين ودعم مطالبهم بعد ذلك، وقبيل ثورة 1952، وتحديداً عامي 1950 و1951 تم رفع شعار جديد هو "الأرض لمن يفلحها"، وتقدم النائب في مجلس النواب وممثل الفلاحين وقتها، المهندس إبراهيم شكري بمشروع قانون بتحديد الملكية بخمسين فداناً.

وبعد ذلك جاءت ثورة 23 يوليو 1952 لتحقق طموحات الفلاحين وغيرهم من المصريين لتُصدر قانون الإصلاح الزراعي والذي حقق العديد من المتغيرات الإيجابية للفلاح والمجتمع، وقد تم اتخاذ يوم صدروه عيداً للفلاحين في التاسع من سبتمبر من كل عام، وسيتم الاحتفال بيوبيله الماسي "75 عاماً على صدوره" العام المقبل 2027.

وبعد هذه السنوات، وما حققه قانون الإصلاح الزراعي وتعديلاته، خصوصاً ما يتعلق بإعادة تركيب هيكل الملكية الزراعية، وتنمية الحركة التعاونية الزراعية وتعميق دورها في خدمة الزراعة والفلاحين، والعمل على إقامة توازن نسبي بين الملاك والمستأجرين للأراضي الزراعية، يطرح السؤال المهم "أين الفلاح ونحن على بعد خطوات من الاحتفال باليوبيل الالماسي لقانون الإصلاح الزراعي؟.

الإجابة أعرف أنها صعبة جداً، ولا يمكن الادعاء أن الإجابة تحمل ما هو إيجابي، ويبدو أن شعاري "مصر للمصريين والأرض للفلاحين"، و"الأرض لمن يفلحها"، يحتاجان إلى العودة بمفاهيم جديدة، ليصبحا واقعاً ملموساً، في ظل أزمات عديدة يعيشها الفلاح، مع ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، وعودة استغلال الفلاحين في صور جديدة، خاصة من "الملاك" وبالذات أراضي هيئة الأوقاف، والتي تخطت الحدود بتقديرات جزافية على المزارعين، في سياسة تعتبر دعوة لتجويع الفلاحين ولتبوير وليس لتخضير الأرض.

صحيح أن هناك جهوداً كبيرةً من جانب الدولة في مجال الزراعة، وتمثلت في مشروعات التوسع الزراعي واستصلاح الأراضي ورفع معدلات الصادرات الزراعية المصرية الطازجة والمصنعة إلى 10.6 مليار دولار، في مؤشر على دور أكبر لدور الزراعة في الاقتصاد الوطني، والناتج المحلي الإجمالي خصوصاً أنه تم استصلاح نحو مليوني فدان، مع تعزيز الإنتاج الزراعي الرأسي.

ولكن يظل هناك سؤال يتمحور حول واقع الفلاح في المنظومة الزراعية، وحتما سيبقى الجدل حوله، فالحكومة ترى بأن الفلاح في مقدمة أولوياتها ضمن الإستراتيجية الزراعية، من حيث أنها توفر له التقاوي والأسمدة، مع تحسين الإرشاد الزراعي، وتسويق المحصول بسعر يحقق عائداً مناسباً له.

ولكن في المقابل تبقى هناك قضايا معلقة يراها قطاع الفلاحين معضلة كبيره، وخصوصا ما يتعلق بنصيب الفلاح في الأراضي الجديدة المستصلحة، في ظل توزيعات الأراضي على الشركات ورجال الأعمال، خاصة مع شرط عدم منح الأرض للأفراد بشكل مستقل، بل يجب على صغار المزارعين والشباب تكوين مجموعة لا تقل عن 10 أفراد ولا تزيد عن 23 فرداً، وتأسيس شركة قانونية مساهمة فيما بينهم للتعاقد على الأرض، ولم أجد احصائيات دقيقة حول عدد المستفيدين من الأفراد وفق نظام "التكتل والشركات".

وتبقى العديد من التحديات التي تواجه الفلاحين وصغار المزارعين قائمة، مثل ارتفاع تكاليف الإنتاج، من الأسمدة والتقاوي والمبيدات، والوقود والنقل والعمالة، بل وصلت إلى التسويق، ودخول وسطاء يستفيدون من الأسعار على حساب الفلاح "المنتج الرئيسي والأول" نتيجة تعدد الوسطاء، مع ارتفاع نسب الفاقد، كما برز خلال السنوات الأخيرة تحد جديد يتمثل في المياه، بالرغم من جهود كبيرة في سياسات تعزيز الكفاءة في استخدام المياه، تبقى قضية المياه قائمة كتحدٍ كبير.

ونعود لما تم طرح في بداية المقال، هل نحتاج لاستعادة شعار "الأراضي للفلاحين ولمن يفلحها" بمفهوم جديد، يساهم في استعادة حقوق ضاعت مع الزمن، ونعيد لتعظيم دوره في الإنتاج بصورة أفضل في الزراعة والإنتاج، مع عائد مناسب.
------------------------------
بقلم: محمود الحضري

مقالات اخرى للكاتب

مؤشرات | الأراضي للفلاحين ولمن يفلحها.. شعار قائم