اختتم مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي مساء أمس فعاليات اليوم السابع والأخير من دورته الثالثة والثلاثين، وسط برنامج فني وفكري متنوع جمع بين عروض مسرحية من روسيا والمجر ومصر والإمارات، إلى جانب ورشة تدريبية مخصصة للشباب، ولقاء موسع جمع عددًا من رؤساء ومديري وممثلي المهرجانات المسرحية العربية والدولية لمناقشة مستقبل المهرجانات والتحديات التي تواجهها.
وجاءت فعاليات اليوم في إطار الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، برئاسة الدكتور سامح مهران، التي تضمنت إلى جانب عروض المسابقة الرسمية برنامجًا فكريًا وورشًا تدريبية وفعاليات موازية وإصدارات متخصصة في قضايا المسرح والتجريب.
وشهدت مسارح القاهرة مساء أمس تقديم أربعة عروض مسرحية، تصدرتها التجارب الروسية والإماراتية والمصرية والمجرية، حيث استقبل مسرح الفلكي في الثامنة مساءً العرض الروسي «Poor Liza»، فيما قدم مسرح السامر في التوقيت نفسه العرض الإماراتي «غياهب الروح». وفي العاشرة مساءً، التقى الجمهور على مسرح الغد مع العرض المصري «ماذا يحلم الناجون؟!»، بينما استضاف مسرح الهناجر العرض المجري «In Between».
وفي الجانب التدريبي، تواصلت أعمال ورشة الفنان والمدرب المصري أحمد كمال «بداية التعلم والتطور»، والمخصصة للشباب، والتي ركزت على مجموعة من المهارات الأساسية التي يحتاج إليها الممثل في بداية تكوينه، من الوعي بالجسد والتحكم العصبي والنفسي والتركيز، وصولًا إلى التواصل مع الذات والارتجال وبناء الشخصية، بما يسهم في تأسيس قاعدة فنية وإنسانية للمشاركين.

لقاء دولي يفتح ملف استدامة المهرجانات
وكان من أبرز فعاليات اليوم لقاء موسع جمع رؤساء ومديري وممثلي عدد كبير من المهرجانات المسرحية العربية والدولية، في جلسة حوارية اتسمت بالصراحة والثراء، وناقشت قضايا التمويل والاستدامة وأهداف المهرجانات، إلى جانب آفاق التعاون والتشبيك بين المؤسسات المسرحية حول العالم.
واختلفت الجلسة عن الشكل التقليدي للندوات الرسمية، إذ اعتمدت على حلقات من الكراسي أتاحت لرؤساء المهرجانات تبادل أماكنهم والانتقال بين مجموعات صغيرة، بهدف خلق دوائر للتعارف والحوار المباشر وتبادل الخبرات، قبل أن يلتقي المشاركون مجددًا حول طاولة واحدة لطرح الرؤى والملاحظات الأخيرة.
وأكد المشاركون أن المبادرة التي أطلقها مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي تمثل منصة مهمة للحوار بين المهرجانات، وفرصة لتبادل الخبرات ومناقشة التحديات المشتركة التي تواجه العمل الثقافي والمسرحي في ظل المتغيرات الاقتصادية والسياسية الراهنة.
وتحدث سليم الصنهاجي، مدير أيام قرطاج المسرحية بتونس، عن أهمية التمويل الحكومي في ضمان استمرارية المهرجانات الكبرى، مشيرًا إلى اعتماد أيام قرطاج المسرحية منذ تأسيسها عام 1983 على التمويل الحكومي الكامل، مع التشديد على ضرورة إعادة هيكلة منظومة التمويل وتحقيق أكبر قدر من الفاعلية. كما دعا إلى تعزيز الشراكة بين المهرجانات العربية، وإعادة النظر في أدوار المهرجانات الكبرى بما يسمح باحتضان المبادرات المستقلة والصغيرة، معتبرًا أن التجديد الحقيقي يبدأ في كثير من الأحيان من التجارب الصغيرة والمختبرات الفنية الناشئة.
من جانبه، استعرض ويلي براجر، رئيس مهرجان الرقص في بلغاريا، تجربة مهرجانه في الاعتماد على دعم وزارة الثقافة ومؤسسات ثقافية أخرى، مؤكدًا أن هذا الدعم لم يؤثر على استقلالية القرار الفني. كما تحدث عن جهود المهرجان في توثيق ونشر الرقص البلغاري عالميًا، مشيرًا إلى أن الحصول على التمويل سنويًا يظل تحديًا ينعكس على حجم البرامج، ومشددًا على ضرورة حصول الفنانين على أجور عادلة باعتبار الفن مهنة ومصدرًا للرزق.
أما علي عليان، مدير مهرجان المسرح الحر الدولي بالأردن، فأشار إلى الفروق بين المهرجانات الحكومية والمستقلة، موضحًا أن الأخيرة تعمل غالبًا في ظل غياب اليقين المالي، ودعا إلى البحث عن نماذج تمويل جديدة تقوم على الشراكة مع القطاع الخاص ودمج البعد الاقتصادي بالعمل الثقافي لضمان استدامة الفعاليات.
كما شهد اللقاء تأكيدًا متكررًا على أهمية التعاون العربي والدولي، حيث أعرب حمد الظنحاني، رئيس لجنة الفعاليات بمهرجان الفجيرة للمونودراما، عن تقديره للمهرجان لإتاحته مساحة للحوار والتقارب، فيما أكد فراس زقطان، المتحدث الإعلامي لمهرجان المسرح الحر بالأردن، أن المهرجانات العربية تتشارك الهموم والطموحات نفسها.
وأشاد محمد النبهاني، رئيس مهرجان الدن الدولي للمسرح بسلطنة عمان، بفكرة اللقاء، واعتبرها مبادرة مبتكرة أتاحت التعرف على تجارب مختلفة وتبادل الخبرات والرؤى حول مستقبل العمل المسرحي. كما تحدث جون ماكغاث، ممثل مهرجان مانشستر، عن تجربة تقوم على إنتاج أعمال جديدة بالتعاون مع فنانين ومخرجين من دول مختلفة، بعيدًا عن الصيغة التنافسية، مع التركيز على اكتشاف الأفكار الجديدة وتحويلها إلى عروض قابلة للتجوال محليًا ودوليًا.
وفي مداخلات أخرى، دعا المخرج أحمد العطار إلى متابعة الدورة المقبلة من «دي كاف» والملتقى العربي للفنون المعاصرة، بينما استعرض عادل عبد الوهاب تجربة مهرجان «لازم مسرح» بالإسكندرية، مؤكدًا أهمية بناء شبكات دولية للتعاون الفني، فيما دعت باتريشيا أسيرا، رئيسة مهرجان الدراما الأمريكي، المسرحيين العرب إلى إرسال نصوصهم وتجاربهم لإتاحة الفرصة لترجمتها وتقديمها للجمهور الأمريكي.
وامتد الحوار إلى دور المهرجانات في تطوير المشهد الفني المحلي، حيث أوضح عزت إسماعيل، رئيس مهرجان «ليلة الرقص المعاصر»، أن الهدف لا يقتصر على تقديم العروض، وإنما يمتد إلى بناء القدرات وتطوير الفنانين وإنتاج أعمال جديدة داخل مصر. كما دعا خالد الرويعي، مؤسس ورئيس مهرجان «أنكي» للفنون الأدائية بالبحرين، إلى توفير أجور عادلة للفنانين والتفكير في إنشاء صندوق دعم مشترك بين المهرجانات لمساندة المبادرات الجادة والمهرجانات المستقلة.

«Poor Liza» و «In Between» تجارب تتجاوز حدود اللغة
وعلى خشبة مسرح الفلكي، استعاد العرض الروسي الموسيقي «Poor Liza» قصة نيكولاي كارامزين الشهيرة حول الحب الأول بين الفتاة الريفية ليزا والنبل إيراست، في معالجة موسيقية تستعيد إحدى أشهر الحكايات العاطفية في الأدب الروسي، وتطرح أسئلة حول نقاء المشاعر الأولى وقدرة الإنسان على مواجهة اختبارات الحياة والقدر. وتبلغ مدة العرض 80 دقيقة، فيما يستند إلى قصة كارامزين وأشعار يوري رياشينتسيف.
أما العرض المجري «In Between»، الذي استضافه مسرح الهناجر، فقد قدم تجربة بصرية وفلسفية تناولت رحلة الروح في المساحة الغامضة بين الموت والولادة، وانطلق من فكرة مسرح الصورة الحية لجعل العالم الخفي ملموسًا أمام الجمهور. واستند العرض إلى كتاب «رحلة الأرواح»، متتبعًا مسار الروح بعد الموت، ومراجعتها لتجربتها الحياتية وتشكيل تصور لحياتها المقبلة.
واختتم اليوم السابع فعالياته في أجواء أكدت طبيعة المهرجان القائمة على الانفتاح على التجارب المسرحية المختلفة، وربط العرض المسرحي بالحوار الفكري والتدريب والتواصل الدولي، فيما اتفق المشاركون في اللقاء الدولي على أن أبرز التحديات التي تواجه المهرجانات تتمثل في التمويل والاستدامة وتطوير الجمهور ودعم الفنانين، مقابل فرص حقيقية للتعاون والتكامل بين المهرجانات العربية والدولية.
ومع إسدال الستار على فعاليات اليوم، برزت مبادرة الحوار بين المهرجانات باعتبارها إحدى أهم رسائل الدورة، بعدما أكد المشاركون أهمية استمرارها كمنصة لتبادل الخبرات وبناء شراكات ثقافية قادرة على دعم مستقبل المسرح في المنطقة والعالم.








