07 - 09 - 2026

السقوط من حافة الغياب: عن بشر يعيشون معنا ولا نراهم

السقوط من حافة الغياب: عن بشر يعيشون معنا ولا نراهم

منذ أيام قليلة وكان الصباح هادئًا كعادته؛ أبواب تُفتح على مهل، خطوات تهبط السلم، سيارات تستعد لمغادرة المكان، وأناس يهرعون إلى أعمالهم.

ثم، في التاسعة والنصف تقريبًا، شقَّ سكون العمارة صوت ارتطام هائل.

ثانية واحدة فقط... لكنها كانت كافية لتغير ملامح المكان كله.

حين خرج الناس، كان الدكتور محمد ملقى في فناء العمارة، بعد سقوطه من شقته في الدور التاسع. ، ظل جسده في مكانه لساعات، بينما توافدت الشرطة والإسعاف والنيابة وخبراء الطب الشرعي، لتحول الفناء الذي اعتاد السكّان المرور فيه كل صباح إلى مسرح صامت للأسئلة.

كان الدكتور محمد أستاذًا في كلية الآداب، يحمل درجة الدكتوراه، وليس طبيبًا كما قد يوحي لقبه.

عاش سنوات طويلة بمفرده؛ لم يتزوج، ولم يكن له أبناء، ولم يكن كثير الاختلاط بجيرانه، حتى الذين يسكنون بجواره مباشرة لم يكونوا يعرفون عن تفاصيل حياته إلا القليل.

ومع ذلك، لم يكن رجلًا جافًا أو صعب المعشر. كان مهذبًا ودودًا، يلقي السلام بابتسامة دافئة، ويتبادل كلمات قليلة مع من يصادفه في المدخل أو المصعد. وخلال سنوات عمله، عرفه الجميع بشدة الانضباط؛ يخرج ويعود في مواعيد شبه ثابتة ، لكن إيقاع حياته تغير في سنواته الأخيرة بعدما توقف عن الذهاب إلى الكلية، فأصبح يهبط كل صباح ليجلس أمام العقار، يحيي الداخل والخارج، ويداعب الأطفال المارين مع ذويهم ، لم أعرفه إلا في تلك الفترة وأن كنت لم أعرف أيضا مجرد شخص أشاهده عند دخولي إلى البيت.

كان أحفاد حارس العقار أقرب ما يكون إلى صحبته اليومية؛ إذ تولت أسرة البواب تنظيف شقته وإعداد طعامه وقضاء احتياجاته، وكان أحد الأحفاد يبيت معه أحيانًا للونس أو عند مرضه.

ربما لم يكن الدكتور محمد بلا أحد تمامًا، لكنه كان بلا أحد يعرف ما تدور به حياته من الداخل.

وفي ذلك الصباح، كان أحد أحفاد الحارس قد بات عنده.

سمعت الجارة صوت الارتطام، وبعد دقائق جاءتها زوجة البواب تطرق بابها في ذعر بعدما أخبرها حفيدها بما حدث.

نصحتها الجارة باستدعاء النجدة، وجاءت الأجهزة المعنية ليظل المكان محاطًا بالتحقيقات حتى نُقل الجثمان قرابة الثانية ظهرًا.

وبعد رحيله، طفا على السطح السؤال الذي لم يجد إجابة واحدة بين السكان: هل انتحر الدكتور محمد؟

توقع بعض الجيران أنه كان يعاني من اكتئاب دفع بحالته في الفترة الأخيرة نحو هذا الخيار. بينما لم يقتنع آخرون، وظلوا يشككون في أن يلقي بنفسه من الشرفة، متسائلين عما إذا كان ما حدث مجرد اختلال في التوازن أثناء نشر الغسيل أو جمعه.

أما التحقيقات، فلم تثبت وجود شبهة جنائية، وصُرّح بدفن الجثمان.

وهكذا بقيت الحقيقة الكاملة معلقة في الهواء؛ ربما نعرف يومًا ما إذا كان الرجل قد اختار الموت، أم أن الموت اختاره في لحظة لم يكن مستعدًا لها، لكن ما نعرفه يقينًا أن حياة كاملة قد انتهت، وأن معظم من عاشوا حوله لم يكونوا يعرفون عنها شيئًا.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية؛ التي توقفت أمامها كثيراً.. ليست حكاية السقوط من الدور التاسع، بل حكاية السقوط من ذاكرة الآخرين.
كم من إنسان يسكن إلى جوارنا ولا نعرف عنه سوى اسمه؟ كم من باب مغلق في العمارة يخفي وراءه شخصًا يمر بيوم كامل دون أن يسأله أحد: "كيف حالك؟". نحن نعيش متجاورين، لكننا لا نعيش بالضرورة معًا؛ نصعد المصعد نفسه، ونستخدم السلم نفسه، ونلقي التحية نفسها، ثم يعود كل منا إلى جزيرته الخاصة ويغلق بابه.
وقد لا نكتشف ما يحدث في الجزيرة المجاورة إلا عندما يقع فيها شيء لا يمكن إخفاؤه.
والأشد غرابة، أن الدكتور محمد - رغم بشاعة نهايته - ربما كان أفضل حالًا من آخرين يموتون وحدهم دون أن يدري بهم أحد، هناك من يعيشون وحدهم، ثم يموتون في شققهم المغلقة، وتمر الأيام ولا يسأل عنهم أحد، تظل أجسادهم في أماكنها حتى تبدأ علامات التحلل، ولا يكتشف الجيران غيابهم إلا حين تتسرب الرائحة إلى الممرات لتعلن - بعد فوات الأوان - أن إنسانًا كان هنا ثم مات.
أي قسوة أكبر من أن يصبح التحلل هو أول من يعلن موتك؟
الدكتور محمد، على قسوة نهايته، أُعلن موته في اللحظة نفسها تقريبًا، كان هناك من سمع، ومن رأى، ومن اتصل، ومن جاء، ومن حمل الجثمان، كان هناك طفل يستطيع أن يخبر أمه بما حدث، وأسرة تعرف تفاصيل يومه واحتياجاته، أما غيره، فقد لا يجدون حتى هذا القدر من الحضور.
وهذا ينقلنا إلى المعنى الحقيقي للوحدة؛ فالوحدة ليست مجرد جلوس بمفردك جوار النافذة، وليست بالضرورة أن تكون أعزب أو أرملا أو بلا أبناء .
الوحدة الأشد قسوة هي أن تغيب فلا يلاحظ أحد غيابك، أن تتأخر فلا يسأل عنك أحد، أن تمرض فلا يعلم بك أحد، وأن ينقطع صوتك خلف باب مغلق فلا يدفع الفضول أو المحبة أو القلق أحدًا لطرقه.
لهذا، لا أظن أن الحل يكمن في قولنا: "كان يجب أن يتزوج" أو "كان يجب أن ينجب". فالزواج ليس دائمًا علاجًا للوحدة، والأبناء ليسوا ضمانة مطلقة للونس؛ فكم من بيوت مكتظة بالسكان يسكنها الصمت، وكم من أزواج يعيشون جنبًا إلى جنب دون أن يلتقيا روحِيًّا.
المسألة أعمق من ذلك؛ إنها مسؤوليتنا نحن عن العلاقات التي نصنعها.
كل واحد منا مسؤول عن أن يترك حوله شيئًا من الود، وأن يعرف من يسكن بجواره، وأن يسأل عن الغائب، ويمد يده لبناء رابطة إنسانية بسيطة لا يعلم متى سيحتاج إليها، نحن نصنع طوال حياتنا رصيدًا من البشر؛ رصيدًا من الود، والذكريات، والجيرة الطيبة، والقلوب التي يمكننا طرق أبوابها عندما تضيق بنا الحياة.
قد لا نحتاج هذا الرصيد اليوم، لكن قد يأتي يوم نحتاج فيه إلى شخص يرفع سماعة الهاتف، أو يطرق الباب، أو يمسك بأيدينا في لحظة ضعف، أو يمشي في جنازتنا حين نغادر.
والرصيد لا يُصنع وقت الحاجة، بل نصنعه قبلها بسنوات بتفاصيل صغيرة تبدو عابرة: سلام في المصعد، سؤال عن الصحة، طبق طعام نرسله لجار مريض، أو حتى ملاحظة بسيطة تقول: «لم نرك منذ فترة.. هل أنت بخير؟».
ربما لم يكن أحد من سكان العمارة يملك إنقاذ الدكتور محمد من لحظة سقوطه، وربما لم يكن بمقدور أحد تغيير مصيره، لكن المأساة الحقيقية التي تركها خلفه ليست في أننا لم نعرف لماذا سقط، بل في أننا اكتشفنا بعد سقوطه أننا لم نكن نعرف الرجل الذي عاش فوق رؤوسنا كل هذه السنوات.
رحل الدكتور محمد من الدور التاسع، لكن صدى رحيله ظل يتردد في أرجاء المكان ، كلما صعدنا المصعد، أو مررنا أمام باب شقته المغلق، سنفكر فيه وننتقض من داخلنا؛ متذكرين أن وراء كل باب حكاية لا نعرفها، وأن الإنسان قد يحتاج إلى أشياء كثيرة في هذه الحياة، لكنه يحتاج قبل كل شيء إلى أن يشعر بأن هناك من يراه.
قد تكون الوحدة اختيارًا أو ملجأً من ضجيج العالم، لكنها حين تتحول إلى عزلة لا يفتقد فيها الإنسان أحدًا، تصبح قسوة لا تُطاق.
لذلك، لا تنتظروا أن يعلن الموت عن جيرانكم... اسألوا عنهم وهم أحياء. اصنعوا علاقات طيبة، لا لمجرد أن الحياة تصبح أجمل بها، بل لأننا لا نعرف متى سنحتاج إلى ذلك الرصيد الذي أودعنا فيه شيئًا من المحبة.
ففي النهاية، قد يكون أغلى ما نملكه حين تضيق بنا الدنيا ليس ما احتفظنا به في حساباتنا ولا ما جمعناه خلف أبوابنا، بل عدد القلوب التي يمكننا أن نسحب منها شيئًا من الونس حين نصل إلى أشد لحظاتنا احتياجا لهم .
----------------------------------
بقلم: سحر الببلاوي


مقالات اخرى للكاتب

السقوط من حافة الغياب: عن بشر يعيشون معنا ولا نراهم