11 - 09 - 2026

إيران في ظلّ الحرب.. إعادة بناء القوة في امتداد التاريخ والسياسة

إيران في ظلّ الحرب.. إعادة بناء القوة في امتداد التاريخ والسياسة

لا يمكن تحليل إيران في الظروف الراهنة من منظور مواجهة عسكرية فحسب، أو من خلال حساب الخسائر والمكاسب قصيرة الأمد. ففي منطقة لا يزال مستقبلها يكتنفه الغموض، ولا يمكن تجاهل احتمال عودة التوترات، لا تقتصر الأهمية على ما حدث في الميدان، بل تمتد إلى كيفية إدارة المرحلة المقبلة والمسار الذي ستختاره إيران لمستقبلها.

ولفهم هذا المسار، ينبغي التوقف عند أحد أهم العناصر التي تشكّل النظرة السياسية الإيرانية، ألا وهو التاريخ. فلا يمكن قراءة السياسة الإيرانية الراهنة بمعزل كامل عن التجربة التاريخية لهذه البلاد. فمن الطبيعي أن تكون دولة عاشت على مدى قرون حروباً وتحولات كبرى وضغوطًا من جانب قوى خارجية، شديدة الحساسية تجاه الحفاظ على سيادتها وقدرتها على اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة عند تعريفها لمفهومي الأمن والاستقلال.

إن إيران اليوم ليست مجرد كيان سياسي في جغرافيا الشرق الأوسط؛ بل هي وريثة حضارة عريقة كانت، في مراحل مختلفة، أحد المراكز المهمة للثقافة والمعرفة والتجارة والتواصل بين الشرق والغرب. وقد تحولت هذه الخلفية، إلى جانب التجربة التاريخية في تجاوز الأزمات، إلى جزء من الذاكرة السياسية والاجتماعية للبلاد، وأسهمت إلى حد كبير في تشكيل نظرة طهران اليوم إلى مفاهيم من قبيل الاستقلال والأمن القومي والردع.

وفي هذا الإطار، يمكن أيضا تناول السياسة الدفاعية الإيرانية. فقد سعت طهران، على مدى العقود الماضية، وبالنظر إلى تجربة الحرب والعقوبات والتهديدات المتكررة، إلى تطوير قدراتها الدفاعية والتكنولوجية المحلية. ومن وجهة النظر الإيرانية، كان الهدف الأساسي من هذه السياسة هو إيجاد الردع ورفع كلفة أي عمل عسكري محتمل ضد البلاد؛ وهي مقاربة تقوم على مبدأ مفاده أن الأمن القومي لا يمكن إحالته إلى إرادة الآخرين أو ضماناتهم.

ومع ذلك، أظهرت تجربة المواجهة الأخيرة مجددًا أن الردع لا يقتصر على المعدات والقدرات العسكرية وحدها. فحروب اليوم تؤثر أيضًا في البنى التحتية والاقتصاد والتكنولوجيا وقدرة الدولة على إدارة الأزمات. ولذلك، يمكن للظروف الراهنة أن تدفع إيران أكثر من أي وقت مضى نحو تعزيز مجموعة متكاملة من القدرات الداخلية؛ بدءًا من حماية البنى التحتية وتطوير التكنولوجيا، وصولًا إلى تعزيز القدرة الاقتصادية وتقليل مواطن الضعف أمام الضغوط الخارجية.

وفي هذا السياق، تكتسب الجغرافيا أيضًا مكانة حاسمة. فإيران، بحكم موقعها المميز، كانت على الدوام نقطة اتصال بين مناطق مختلفة، ويُعدّ جنوب البلاد، ولا سيما سواحل الخليج وبحر عمان، مثالًا واضحًا على هذه الأهمية التاريخية والاستراتيجية. ولم تكن هذه الممرات المائية عبر التاريخ مجرد ساحات للتنافس، بل كانت أيضًا طرقًا للتجارة والسفر والتواصل الثقافي بين شعوب المنطقة والعالم.

ويقع مضيق هرمز بدوره في امتداد هذه الحقيقة الجغرافية. فهذا الممر المائي المهم يمنح إيران مكانة خاصة في المعادلات الإقليمية والدولية، لكنه في الوقت نفسه يضاعف أهمية الاستقرار والأمن فيه. ومن وجهة نظر طهران، فإن أمن الخليج ليس قضية يمكن بحثها بمعزل عن أمن دول المنطقة؛ إذ إن أي اضطراب واسع النطاق سيؤثر في نهاية المطاف في جميع الدول المطلة على الخليج وفي اقتصاد المنطقة.

وانطلاقًا من ذلك، تتضح الصلة بين القوة الدفاعية والدبلوماسية؛ إذ سعت إيران، في إطار التوجه الرسمي لطهران، إلى متابعة أحد مسارات تأمين الأمن القومي والاستقرار في محيطها من خلال تعزيز العلاقات مع دول الجوار وتطوير العلاقات والحوار على الصعيد الإقليمي، بالتوازي مع الحفاظ على قدرتها الردعية.

وهذان التوجهان لا يتعارضان بالضرورة؛ فالقدرة الدفاعية يمكن أن تشكل سندًا للأمن القومي، في حين يمكن للدبلوماسية أن تكون وسيلة للحد من سوء الفهم والحيلولة دون اتساع نطاق الأزمات.

وتكتسب الشراكة الإقليمية أهمية أكبر بالنسبة إلى إيران من هذه الزاوية، لأن الجغرافيا، خلافًا للعديد من المعادلات السياسية، لا تتغير. فدول المنطقة، رغم الخلافات والتنافس فيما بينها، ستظل دولًا متجاورة، ولن يكون الاستقرار الطويل الأمد مستدامًا إلا إذا قام على أساس الحوار وفهم المصالح المشتركة.

لكن قوة إيران لا تقتصر على قدراتها الدفاعية وموقعها الجغرافي. فالبلاد تمتلك أيضًا رصيدًا ثقافيًا وحضاريًا يمكن أن يشكل جزءًا من قدرتها على الحضور والتأثير في المنطقة. فاللغة الفارسية والأدب والفن والتاريخ والروابط الثقافية الواسعة، كلها تمثل جوانب من القوة التي لا تظهر في الميادين العسكرية، لكنها يمكن أن تؤدي على المدى الطويل دورًا مهمًا في تعزيز التواصل بين الشعوب.

ولهذا السبب، لعل أهم تحدٍّ تواجهه إيران في الظروف الراهنة يتمثل في إعادة تعريف مفهوم القوة. فالقوة المستدامة تتشكل عندما تقترن القدرة الدفاعية باقتصاد متين، وتكنولوجيا متقدمة، ورأس مال بشري، وعلاقات إقليمية فاعلة.

ولا يستطيع أيّ من هذه العناصر بمفرده أن يلبي جميع احتياجات دولة في البيئة المعقدة التي يشهدها العالم اليوم، غير أن اجتماعها يمكن أن يعزز ركائز الاستقلال والاستقرار.

وتجد إيران نفسها اليوم في ظروف يمكن أن تؤثر فيها تجربة المواجهة الأخيرة، إلى جانب استمرار الغموض الأمني في المنطقة، في إعادة النظر في أولوياتها السياسية والاستراتيجية. وسيظل الحفاظ على الردع والقدرة الدفاعية مهمًا بالنسبة إلى طهران، لكن إلى جانبهما يمكن أن يفتح تطوير الاقتصاد والتقدم التكنولوجي وتوسيع التعاون مع دول الجوار مسارات جديدة أمام البلاد.

ولعل السؤال الرئيسي المطروح أمام إيران في هذه المرحلة هو: كيف يمكن تحويل القدرة على الصمود إلى قدرة على البناء؟

ولا تكمن الإجابة عن هذا السؤال في مجال السياسة الخارجية أو الساحة العسكرية وحدهما. فمستقبل إيران سيتوقف على مدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الأمن والتنمية، والردع والدبلوماسية، والحفاظ على الاستقلال وتوسيع التعاون.

وقد أظهر تاريخ إيران أن هذه البلاد تجاوزت العديد من المراحل الصعبة، وأنها في كل مرحلة استطاعت، بطريقة أو بأخرى، التكيف مع الظروف الجديدة. ولعل الظروف الراهنة أيضًا لا تمثل مجرد اختبار أمني، بل قد تكون فرصة لتعزيز جميع أبعاد القوة الوطنية.

وفي ظل مستقبل إقليمي لا يزال يكتنفه الغموض، ومع عدم إمكانية الحديث بيقين عن انتهاء التوترات أو احتمال اندلاع مواجهات جديدة، تجد إيران نفسها مضطرة إلى التخطيط في الوقت نفسه للحفاظ على جاهزيتها الدفاعية وبناء قدرات داخلية مستدامة.

ولعل المعنى الأهم للقوة بالنسبة إلى إيران في مثل هذه الظروف يتمثل في القدرة على تجاوز الأزمات، والحفاظ على الردع، وفي الوقت نفسه عدم التفريط في مسار التنمية وبناء المستقبل.
------------------------------
بقلم: زهراء ناظمي سجزئي
* صحفية إیرانية

مقالات اخرى للكاتب

إيران في ظلّ الحرب.. إعادة بناء القوة في امتداد التاريخ والسياسة