لم يكن انتقال محمد صلاح إلى نادي طرابزون سبور مجرد صفقة كروية كبيرة هزت سوق الانتقالات في تركيا، بل تحوّل منذ لحظاته الأولى إلى حالة خاصة تجاوزت حدود الملعب، وبدت وكأنها قصة حب جماهيري تركي لنجم مصري، وجدت صداها أيضًا لدى السفير التركي في القاهرة صالح موطلو شن.
فمنذ إعلان انتقال قائد منتخب مصر إلى طرابزون، لم يخفِ السفير التركي حماسه تجاه الخطوة، بل كان من أوائل الشخصيات التي احتفت بها، قبل أن تتحول تصريحاته ومنشوراته المتتالية إلى ما يشبه «دفتر إعجاب» مفتوح بمحمد صلاح؛ لاعبًا وإنسانًا، ونجمًا يرى فيه الأتراك شيئًا قريبًا منهم.
"أنا سعيد جدًا جدًا جدًا".. البداية من إعلان الصفقة
في أول تعليق له عقب إتمام انتقال صلاح إلى طرابزون سبور، ظهر صالح موطلو شن في مقطع مصور على حسابه، مستهلًا حديثه بالعربية: «السلام عليكم.. أنا سعيد جدًا جدًا جدًا بانتقال محمد صلاح إلى نادي طرابزون»، قبل أن ينتقل إلى الحديث بالإنجليزية عن إعجابه الكبير بالنجم المصري.
السفير لم يتحدث عن صلاح باعتباره لاعبًا عالميًا فحسب، وإنما وصفه بأنه «لاعب استثنائي»، مؤكدًا احترامه الكبير له، ليس بسبب مهاراته الكروية فقط، وإنما بسبب شخصيته وأخلاقه داخل الملعب وخارجه.
وقال شن إن صلاح يحظى بمحبة واحترام واسعين في تركيا، مشيرًا إلى أن ما يملكه من مهارات استثنائية أثبتها خلال مسيرته، إلى جانب شخصيته وطبيعته المصرية، جعله قريبًا من قلوب الأتراك.
"محمد".. اسم جعل صلاح أكثر قربًا من الأتراك
ولم يتوقف السفير عند موهبة صلاح، بل تحدث عن عامل ثقافي وإنساني يراه أحد أسباب حالة الحب التي أحاطت بالنجم المصري في تركيا.
وأوضح أن كون صلاح مصريًا ويحمل اسم «محمد» يجعله شخصية مألوفة ومحترمة للغاية داخل المجتمع التركي، وهو ما يمنحه شعورًا طبيعيًا بالانتماء إلى طرابزون وتركيا بشكل عام.
وبالنسبة للسفير، فإن استقبال جماهير طرابزون لصلاح لم يكن مجرد احتفال بضم لاعب عالمي، وإنما انعكاس لتقارب أعمق بين الشعبين المصري والتركي، مؤكدًا أن الدفء والإعجاب اللذين أظهرهما الأتراك تجاه النجم المصري يحملان أبعادًا ثقافية وإنسانية تتجاوز كرة القدم.
"اختار المكان الذي يوجد فيه قلبه"
وفي تصريحاته لـ«Egyptian Gazette»، أشار السفير إلى منطقة أكثر إنسانية، عندما تحدث عن أسباب اختيار صلاح اللعب في تركيا.
وقال إن العالم كله كان يتابع الخطوة المقبلة للنجم المصري، في ظل ارتباط اسمه بعدد من الأندية والخيارات، لكنه في النهاية، بحسب تعبير السفير، «اختار المكان الذي يوجد فيه قلبه»، معتبرًا أن القرار يبدو أبعد من مجرد حسابات مالية.
وأضاف أن صلاح وعائلته كانوا يرغبون في اللعب بتركيا، التي وصفها بأنها «وطن ثانٍ» للعديد من المصريين، مشيرًا إلى أنه يحب تركيا، ولديه أصدقاء هناك ويستمتع بالاختلاط بالأتراك.
كما أعرب عن ثقته في أن جماهير طرابزون، المعروفة بحماسها الشديد، ستمنح صلاح شعورًا بأنه وسط أهله.
"سيترك بصمته في تاريخ كرة القدم التركية"
ثقة السفير في صلاح لم تكن جماهيرية فقط، وإنما وصلت إلى حد التنبؤ بأن النجم المصري سيكتب فصلًا جديدًا في تاريخ الكرة التركية.
وأكد أنه يتمنى لصلاح التوفيق، وأنه واثق من قدرته على تقديم مستويات استثنائية كما فعل مع ليفربول، وترك بصمته في تاريخ كرة القدم التركية، بل أعرب عن أمله في أن ينهي صلاح مسيرته في الدوري التركي ويعيش حياة هادئة وسعيدة مع عائلته في تركيا، وطنه الثاني.
ويرى شن أن وجود صلاح سيمنح طرابزون سبور قوة إضافية في المنافسة على لقب الدوري التركي، وكذلك على الساحة الأوروبية، خاصة أن الفريق يمتلك تاريخًا خاصًا باعتباره أول نادٍ من الأناضول خارج إسطنبول يكسر هيمنة أندية العاصمة على بطولة الدوري.
من مشجع لفنربخشة.. إلى متحمس لطرابزون
ولعل أكثر المواقف طرافة في حديث السفير عن صلاح كانت اعترافه بأنه من مشجعي فنربخشة، أحد أبرز منافسي طرابزون سبور، لكنه كشف في الوقت نفسه أن زوجته من مشجعي طرابزون.
وبابتسامة واضحة، رحب شن بوجود صلاح في صفوف النادي، مؤكدًا أمله في أن يساعد النجم المصري الفريق على التتويج بلقب الدوري التركي هذا الموسم.
وهكذا وجد السفير نفسه في موقف كروي طريف: قلبه يميل إلى فنربخشة، لكن وجود صلاح في طرابزون جعل لديه سببًا إضافيًا لمتابعة الفريق المنافس بحماس.
لم يعد لاعبًا فقط.. "جسر" بين مصر وتركيا
وفي رؤيته الأوسع، يرى السفير أن تأثير محمد صلاح لن يتوقف عند المستطيل الأخضر.
فالنجم المصري، بحسب شن، قادر على تسليط الضوء بصورة أكبر على مدينة طرابزون، التي تعد بالفعل وجهة محببة للسياح المصريين والخليجيين، كما أن وجود اسم عالمي بحجم صلاح سيجذب مزيدًا من الاهتمام الإعلامي والجماهيري من مصر والمنطقة العربية إلى المدينة التركية.
ومن هنا، تحولت صفقة صلاح في نظر السفير إلى مساحة جديدة للتقارب بين الشعبين، خصوصًا مع ما يحمله اللاعب من صورة إيجابية عن مصر، وما يحمله الأتراك تجاهه من محبة واحترام.
السفير يتابع من المدرجات الرقمية
لم يكتفِ السفير بالتصريحات التي أعقبت الصفقة، بل ظل يتابع رحلة صلاح مع طرابزون عبر حسابه على منصة «إكس».
ومع تألق صلاح في مباريات فريقه، ظهرت تعليقات قصيرة من شن تحمل حماس مشجع أكثر منها لغة دبلوماسي؛ إذ أعاد نشر منشورات لنادي طرابزون عن صلاح، وكتب في إحدى المرات: «İşte bu!»، أي «هذا هو!»، كما كتب: «Masterclass»، في إشادة بمستوى النجم المصري، ونشر أيضًا عبارة تركية تعني «حب يجعل العالم أجمل» مع الإشارة إلى صلاح وطرابزون.
ولم يغب البعد المصري عن تعليقاته؛ إذ أشار عقب إحدى مباريات طرابزون إلى أن ملايين المصريين شاهدوا المباراة، في إشارة إلى حجم الاهتمام الذي أحدثه انتقال صلاح من مصر إلى الدوري التركي.
"شوطة ضربة الجزاء تتعمل كدا".. السفير يتحول إلى مشجع مصري
لكن أقوى فصول قصة إعجاب السفير بصلاح جاءت بعد مباراة طرابزون سبور أمام جنتشلربيرليجي في الجولة الرابعة من الدوري التركي.
سجل صلاح هدفًا من ركلة جزاء، وصنع هدفًا آخر، ليساهم في فوز طرابزون الكبير بخمسة أهداف دون رد.
وهنا ظهر الجانب الأكثر عفوية في شخصية السفير؛ فنشر مقطعًا لتنفيذ صلاح ركلة الجزاء، وعلق باللهجة المصرية:«هادي، واثق، واضح، قوية وفي الزاوية».
ثم جاءت اللقطة التي بدت وكأنها اختصار لكل ما قاله السفير عن صلاح منذ انتقاله إلى تركيا: صورة للنجم المصري وهو يسجد شكرًا لله بعد تسجيل الهدف، كتب عليها شن:
"سجدة الشكر دي بتفتح قلب الأمة التركية"
لم تكن الكلمات مجرد إشادة بهدف أو أداء رياضي، وإنما تعبيرًا عن حالة وجدانية رأى فيها السفير شيئًا يلامس الجمهور التركي ويزيد من قربه من صلاح.
من ليفربول إلى طرابزون.. صلاح يكسب قلبًا دبلوماسيًا
هكذا، خلال أسابيع قليلة، انتقل محمد صلاح من كونه صفقة عالمية إلى لاعب حاضر بقوة في أحاديث السفير التركي بالقاهرة ومنشوراته.
صالح موطلو شن لم يكتفِ بوصفه بـ«الأيقونة العالمية» و«اللاعب الاستثنائي»، ولم يتوقف عند الإشادة بمهاراته وأخلاقه وانضباطه وقيمه العائلية، بل تابع مبارياته واحتفى بأهدافه وتفاعل مع احتفالاته، حتى أصبحت عبارته الأخيرة عن «السجدة التي تفتح قلب الأمة التركية» واحدة من أكثر العبارات اللافتة في قصة صلاح الجديدة مع تركيا.
وفي النهاية، يبدو أن محمد صلاح لم يدخل طرابزون لاعبًا فقط، بل دخلها محمولًا على موجة حب كبيرة، بينما وجد في السفير التركي بالقاهرة مشجعًا لا يخفي إعجابه به، ويبدو سعيدًا بكل خطوة جديدة يكتبها «مو صلاح» في الملاعب التركية.
من «أنا سعيد جدًا جدًا جدًا» يوم الصفقة، إلى «هذه السجدة تفتح قلب الأمة التركية» بعد الهدف.. قصة محمد صلاح مع السفير التركي لم تعد مجرد إعجاب بلاعب، وإنما حكاية نجم مصري وجد في تركيا جمهورًا يحتفي به، وسفيرًا يلاحق خطواته وكأنه واحد من جماهير المدرجات.






