14 - 09 - 2026

حلم مياه النيل يعود ليطارد إسرائيل | عندما يتحول التدمير البيئي في غزة إلى أزمة شرب في تل أبيب

حلم مياه النيل يعود ليطارد إسرائيل | عندما يتحول التدمير البيئي في غزة إلى أزمة شرب في تل أبيب

كعادة إسرائيل بدلا من أن تواجه المجتمع الدولي بنتائج جرائمها الإنسانية والبيئية، تسعى لإلصاق تهمة جديدة بمصر تمهيدا وطمعا في تحقيق حلمها القديم

في مشهد يجسد وحدة النظم البيئية وسخرية التاريخ، تجد إسرائيل نفسها اليوم في مواجهة أزمة مياه غير مسبوقة، بعد تعطل 5 من أصل 6 محطات رئيسية لتحلية مياه البحر، كانت توفر نحو 85% من احتياجاتها المنزلية. وبينما تسارع الرواية الرسمية الإسرائيلية إلى تحميل المسؤولية لمصر، زاعمة أن عكارة المياه ونمو الطحالب يعودان إلى تيارات قادمة من دلتا النيل، تكشف المعطيات العلمية والوثائق التاريخية عن حقيقة أكثر إيلاماً: ما يحدث اليوم هو ارتداد مباشر للتدمير البيئي في غزة، لكنه أيضاً حلقة جديدة في سلسلة طويلة من محاولات إسرائيل للاستيلاء على مياه النيل، التي تمتد جذورها إلى أكثر من 120 عاماً.

بدأ الفصل الأول من القصة عندما اغتال القصف الإسرائيلي على غزة محطات الصرف الصحي.. وظهرت الطحالب لتغتال محطات تحلية المياه في قطاع غزة المحاصر، تحولت شبكات المياه والصرف الصحي إلى خط دفاع أول يسقط تحت القصف. التقارير الميدانية تؤكد أن الاستهداف المستمر للمحطات والخطوط الرئيسية، أدى إلى تدفق مئات الآلاف من الأمتار المكعبة يومياً من مياه الصرف غير المعالجة مباشرة إلى مياه البحر الأبيض المتوسط. هذه الكميات الهائلة من الملوثات، الغنية بالنيتروجين والفسفور، خلقت بيئة مثالية لتكاثر الطحالب المجهرية (Microalgae Blooms) بشكل انفجاري، في ظاهرة علمية تعرف بـ"الإثراء الغذائي" (Eutrophication).

وهنا يأتي الدور المحوري للتيارات البحرية العابرة للشواطئ (Longshore currents)، التي تنقل هذه الكتلة البيولوجية الهائلة من شواطئ غزة شمالاً، لتصل مباشرة إلى مداخل محطات التحلية الإسرائيلية في عسقلان وأسدود. وبينما يؤكد خبراء البيئة البحرية أن هذه الظاهرة هي نتيجة حتمية لإنهيار نظم معالجة الصرف الصحي، وليست ظاهرة طبيعية كما تروج لها السلطات الإسرائيلية، حيث وجدت المحطات الإسرائيلية  نفسها أمام عدو مجهري لا يقل فتكاً عن الصواريخ، تلك الطحالب التي تتسلل إلى أغشية ما يسمى ب التناضح العكسي (RO Membranes) او الفلاتر بالمعنى الدارج لتسد مسامها و تعطلها عن تنقية المياه (Biofouling)، الأمر الذي  أجبر الحكومة الإسرائيلية ممثلة في إدارة تلك المحطات المحطات على استيراد كميات ضخمة من الأغشية البديلة لتغييرها بشكل دوري بتكلفة باهظة لإتمام عمليات تحلية المياه.

و في محاولة يائسة لاحتواء الأزمة، أجرت سلطة المياه الإسرائيلية تجربة مكلفة باستخدام كبريتات النحاس (Copper Sulfate) ومواد كيميائية أخرى، على امتداد 9 كيلومترات قبالة ساحل عسقلان للقضاء على تلك الفطريات و الطحالب التي نمت بغزارة في تلك المنطقة، غير أن التقارير الداخلية أكدت عدم تحقيق النتائج المرجوة.

و هكذا أدى العدوان الإسرائيلي على غزة الى كارثة داخل غزة اولا ثم امتدت الكارثة لترد السحر على الساحر و تضرب إسرائيل في أحد اهم دعائم الحياة فيها وهي المياه، لتتحول السياسة العسكرية الإسرائيلية من كارثة بيئية وإنسانية في قطاع غزة،  إلى أزمة مائية تهدد الأمن المائي الإسرائيلي نفسه، في مفارقة تعكس كيف أن البيئة لا تعترف بالحدود التي ترسمها السياسة و أن الشر يدور و يرتد الى صاحبه.

إلقاء الاتهامات على مصر .. أزمة اليوم.. عندما يعيد التاريخ نفسه بطريقة ساخرة

و هنا يبدأ الفصل الثاني بإتهام مصر.

فرغم ان التقارير العلمية و الرسمية تؤكد أن أزمة محطات التحلية الإسرائيلية سببها الرئيس هو تدمير إسرائيل للبنية التحتية لقطاع غزة إلا أن إسرائيل تسرع عبر وسائل الإعلام العالمية بنشر تقارير تلقي بالاتهامات على مصر محملة مياه النيل ودلتاه المسؤولية عن تلك الطحالب التي تعوق محطات تحلية المياة الإسرائيلية، تعيد إحياء ذات السيناريو الذي تطلقه بين حين وحين بتحميل مصر ونهر النيل مسؤولية أزمة هي في جوهرها نتاج أفعالها العسكرية في غزة. لكن هذه المرة، تحمل المحاولة الإسرائيلية أبعاداً إضافية، فهي لا تهدف فقط إلى صرف الأنظار عن الأثر البيئي والإنساني لتدمير البنية التحتية في القطاع، بل تسعى أيضاً إلى خلق مبررات وشواهد فنية مستقبلاً للمطالبة مجددا بحصص مائية من نهر النيل، وإعادة ترتيب العلاقات المائية في المنطقة لتحقيق مكاسب طالما سعت اليها في وقت تواجه فيه مصر ضغوطاً مائية متزايدة بسبب الزيادة السكانية وأزمة سد النهضة.

حلم هرتزل القديم.. ومشروع بن غوريون الذي لم يمت

وبالتأكيد لم تترك اسرائيل الأزمة الحالية تمر كمجرد ارتداد بيئي عابر، بل جعلتها اداة انعكاس لحلم استراتيجي قديم طالما راود الحركة الصهيونية قبل قيام إسرائيل بوقت طويل. ففي عام 1903، وبعد لقائه بالمندوب السامي البريطاني اللورد كرومر في مصر، حينما اقترح ثيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، خطة جريئة لنقل مياه النيل عبر قناة السويس إلى شبه جزيرة سيناء، تمهيداً لضمها إلى المستوطنات اليهودية في فلسطين. لكن بريطانيا رفضت المشروع، خوفاً من تأثيراته السلبية على القطاع الزراعي المصري، وخصوصاً محصول القطن الحيوي للصناعة البريطانية.

ومع قيام الدولة العبرية، لم يختفِ هذا الطموح، بل تطور ليصبح جزءاً من عقيدة استراتيجية للأمن المائي. في خمسينيات القرن الماضي، بلور دافيد بن غوريون هذه الرؤية معلناً أن مستقبل إسرائيل سيظل مهدداً طالما ظل صراعها مع العرب على المياه قائماً. وفي ستينيات القرن العشرين، ومع تصاعد مشاريع الري المصرية في سيناء، تحركت إسرائيل عبر حليفتها إثيوبيا للضغط على القاهرة، حيث عارضت أثيوبيا تنفيذ مشروع السد العالي، وقدمت شكوى إلى منظمة الوحدة الإفريقية ضد مشروع مصري لتحويل مياه النيل إلى سيناء. بل إن إسرائيل أنشأت مزرعة مساحتها 150 ألف فدان في الأراضي الإثيوبية قرب الحدود السودانية، رُويت من مياه النيل الأزرق، في تجسيد عملي للحلم المائي الصهيوني.

الترويج لحلم مياه النيل

روجت إسرائيل عقب اتفاقية السلام الموقعة مع مصر عام 1979، لفكرة أن الحلم الصهيوني بالحصول على مياه النيل على وشك التحقق، غير أن هذا الطرح أثار موجة من الغضب الشعبي في مصر، ليظل المشروع حلما وتظل مياه النيل عصية على أي مساس رسمي.

لم تتوقف إسرائيل عند حدود الدبلوماسية. فبحلول الثمانينيات، تحول التحرك الإسرائيلي إلى العمل المباشر. في عام 1987، كشفت وثائق بريطانية عن خطة إسرائيلية شاملة لحل أزمتها المائية، تضمنت توسيع قاعدة الموارد المائية والاستفادة من مياه النيل. وفي الوقت ذاته، كشف مسؤول التخطيط المائي الإسرائيلي، يوشوا شوارز، أن شبكة المياه الإسرائيلية وصلت إلى "نقطة تحول" وأن أي اتفاق مع الفلسطينيين يجب أن يشمل سيطرة إسرائيل المستمرة على الموارد المائية واضعا في الاعتبار محاولات التوصل الى انفاق حول وصول مياه النيل عبر سيناء الى إسرائيل، لكن الامر بالنسبة للإدارات المصرية المختلفة كان غير قابل للتنفيذ، الأمر الذي دفع إسرائيل إلى اللجوء للطريق الخلفي للحصول على مياه النيل رغم أنف مصر والمصريين.

الخبراء الإسرائيليون في أديس أبابا وسد النهضة

في عام 1990، تحول الحلم و التخطيط النظري الى خطة حقيقية و تم البدء في تنفيذها حيث كشفت صحيفة "إندبندنت" البريطانية عن وجود 400 خبير إسرائيلي في أثيوبيا للمساعدة في بناء سدود على النيل الأزرق. وأكد وليم كيسي، مدير وكالة المخابرات المركزية الأسبق، أن الوجود الإسرائيلي في منابع النيل أصبح حقيقة متزايدة تُستخدم للضغط على مصر والسودان. وفي هذا السياق، برز دور إسرائيل في تحريض أثيوبيا على بناء سد النهضة، وهو ما اعتبرته القاهرة تهديداً وجودياً، وأعاد فتح ملف مياه النيل على مصراعيه.

الماء الذي لا يعترف بالحدود.. والجراح التي لا تلتئم

ورغم أن التحديات التي تواجهها إسرائيل اليوم هي نتاج عدوانها على غزة إلا أنها تستخدمها للدعاية ضد مصر للترويج لمظلومية جديدة سعيا منها لتحقيق هدف قديم متجدد.

لكن الأزمة في واقعها تؤكد أنه لا يمكن لأي دولة في العالم، مهما بلغت قدراتها التكنولوجية والعسكرية، أن تحصن حدودها المائية من ارتداد الكوارث البيئية التي تشارك في إحداثها وأن هذه الأزمة التي تحدث اليوم في مياه البحر الأبيض المتوسط، وفي محطات تحلية عسقلان، ليست مجرد أزمة تقنية عابرة، بل هي درس بيئي قاسٍ، يعيد تشكيل الخريطة المائية للشرق الأوسط، ويكشف عن حقيقة أعمق: أن الماء، كما الحال في غزة، سيكون دائماً مرآة تعكس جراح الأرض، وأن أي محاولة للاستحواذ على الموارد المائية بالقوة، ستظل تواجه تداعياتها، حتى لو تأخرت، لكنها لا تتخلف أبداً.
--------------------------------
بقلم: إلهام عبد العال


مقالات اخرى للكاتب

حلم مياه النيل يعود ليطارد إسرائيل | عندما يتحول التدمير البيئي في غزة إلى أزمة شرب في تل أبيب