09 - 09 - 2026

الجمهورية الجديدة: إنجازات لا تُنكر وإخفاقات لا تُغتفر

الجمهورية الجديدة: إنجازات لا تُنكر وإخفاقات لا تُغتفر

قبل اثني عشر عاماً، كانت التوقعات السائدة في أرقى مراكز الدراسات الغربية ــ من معهد بروكينجز (Brookings Institution) إلى تشاثام هاوس (Chatham House) ــ ترجح أن مصر تقترب بخطى حثيثة من مصير "الدولة الفاشلة"، وكان الاحتياطي النقدي قد هوى إلى نحو 15 مليار دولار، والاحتجاجات تعصف بالشوارع، والاقتصاد يعاني اختناقاً في السيولة، أما اليوم فالمشهد مختلف، لكنه ليس مشهد انتصار ساحق، بل لوحة متشابكة تتسم بالتباين الصارخ: النجاح المزدوج، والفشل المركب، وسياقات دولية وإقليمية لا تقع بالكامل ضمن نطاق السيطرة الوطنية.

فكيف لدولة أن تنهض من كبوة كانت تضعها على شفا الانهيار، وتُسجِّل أرقاماً كلية مذهلة إحصائياً، وفي الوقت نفسه تراكم ديوناً تفوق قدرتها على السداد؟ وكيف يُشاد بها دولياً أنها "محور استقرار"، بينما تُوصف محلياً وأكاديمياً بأنها "جمهورية استبدادية جديدة"؟ وإلى أي حد يمكننا أن نعزو هذه النتائج المتناقضة إلى إرادة وطنية فاعلة، أو إلى ضغوط خارجية أملتها المؤسسات المالية والقوى الكبرى؟ وهل يصحُّ قياس نجاح الدولة بمؤشرات الاقتصاد الكلي وحدها، في غياب مؤشرات المشاركة السياسية وجودة الحياة اليومية للمواطن العادي؟ أسئلةٌ كهذه هي التي تجعل تقييم أداء الحكومة المصرية، ليس مجرد تمرين إحصائي، بل استقصاءً عميقاً في جدلية الدولة الحديثة بين السيادة والارتهان، وبين الطموح الوطني وشروط العصر.

الاقتصاد: انتصارات الأرقام وهزائم الهياكل 

على صعيد المؤشرات الكلية، حققت مصر ما كان يعتبر قبل عقد مستحيلاً، فالاحتياطي النقدي الأجنبي، الذي تداعى إلى 14.9 مليار دولار في 2014، سجَّل اليوم أكثر من 56.3 مليار دولار (بحسب بيانات البنك المركزي المصري، يوليو 2026)، ومعدل التضخم السنوي، ذلك الوحش الذي التهم مدخرات المصريين حين بلغ ذروته نحو 38% في 2023، ثم تراجع إلى 10.3% في سبتمبر 2025 ــ وهو واحد من أسرع معدلات الانخفاض على مستوى المنطقة؛ إذ بلغ التضخم في تركيا خلال الفترة ذاتها نحو 49%، وفي المغرب حوالي 3.5%، مما يضع مصر في موقع متوسط بين أقرانها الإقليميين، فالبنك المركزي المصري تمكن، بتنسيق وثيق مع الحكومة، من كبح جماح الأسعار في معركة بدت خاسرة قبل عامين فقط.

ولم تمر هذه الجهود دون أن تلقى اعترافاً دولياً، فصندوق النقد الدولي أشاد باستقرار الاقتصاد الكلي في مصر، وأقر المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج الإصلاح (وفقاً لتقرير الصندوق الصادر في مارس 2025)، مما أتاح للبلاد سحب نحو 2.3 مليار دولار، ليصبح إجمالي التمويل من الصندوق منذ 2016 نحو 25.3 مليار دولار، ثم إشادة الصندوق بالمراجعة السابعة في يوليو 2026 وصرف شريحة تمويلية تبلغ 1.8 مليار دولار، وفي السياق نفسه، قدم الاتحاد الأوروبي مليار يورو كمساعدات مالية كلية، معتبراً أن مصر أوفت بجميع الشروط الاقتصادية المتفق عليها، بل إن الاتحاد أعلن عن حزمة تمويل أوسع لمصر بقيمة 7.4 مليار يورو حتى 2027.

ولكن هذه الانتصارات الرقمية تخفي تحتها إخفاقات هيكلية تنذر بخطر طويل الأمد؛ ارتفع الدين الخارجي لمصر من نحو 41 مليار دولار في 2014 إلى 164.8 مليار دولار بحلول إبريل 2026 (استناداً إلى تقارير وزارة المالية المصرية)، في تناقض صارخ مع وعود الحكومة المتكررة بخفض المديونية، وبلغ الدين العام 90.9% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية السنة المالية 2023/2024، والأكثر إثارة للقلق أن تكلفة خدمة الدين امتصت أكثر من نصف إيرادات الدولة، وبين عامي 2024 و2026، تواجه مصر أقساطاً خارجية تزيد عن 70 مليار دولار.

ويعزو المحللون هذا التضخم في الاقتراض إلى سياسة "الإفراط في الإنفاق" على المشروعات العملاقة، وكأن مصر تمتلك وفرة نفطية، وهو النهج الذي لاتزال دائرة الحكم الضيقة متمسكةً به رغم الاعتراضات الاقتصادية المتصاعدة، وقد أدى هذا التوسع في دور المؤسسة العسكرية في الاقتصاد ــ الذي باتت دراسات أكاديمية مثل "رأسمالية الدولة ودور القوات المسلحة في مصر: في السياق التاريخي، الحكومة الحالية وإصلاحات صندوق النقد الدولي 2016"، التي أعدها كريم عبد الله، الأستاذ المساعد في قسم الشؤون الاقتصادية الدولية في جامعة براغ، بالاشتراك مع مارتينا ييرانكوفا، عميدة كلية الشؤون الدولية من الجامعة ذاتها، التي  تصف دور المؤسسة العسكرية بأنه نموذج فريد من "رأسمالية الدولة" يمنح الجيش دوراً محورياً في الشؤون الاقتصادية ــ إلى إزاحة القطاع الخاص ومزاحمته. 

في ديسمبر 2024، أعلن رئيس الوزراء دكتور مصطفى مدبولي عن خصخصة عشر شركات مملوكة للدولة، بينها أربع شركات عسكرية، ولكن هذا الإجراء المتأخر لا يمحو حقيقة أن الاستثمار الخاص ظل دون 4% من الناتج المحلي في 2022. وتزامنت هذه السياسات مع إجراءات تقشفية ــ خفض الدعم، زيادة الأسعار، تعويم الجنيه ــ أدت إلى تدهور حاد في مستويات المعيشة، ففي 2019، كان 29.7% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر الوطني وفقاً لتقديرات البنك الدولي، الذي تشير تقديراته إلى ارتفاع هذا الرقم بشكل كبير منذ ذلك الحين، بينما شهدت الخدمات العامة، ولاسيما الصحة والتعليم، تدهوراً مستمراً في الجودة، في تناقض مؤلم مع ضخامة الإنفاق على مشروعات البنية التحتية الفخمة.

في المقابل، يتساءل مواطن في حي شعبي بالقاهرة؛ كيف يمكن أن يكون احتياطي النقد أعلى من أي وقت مضى، بينما سعر كيلو اللحم يفوق أجرته اليومية؟ إن هذا التساؤل يعكس الفجوة المتسعة بين مؤشرات الاقتصاد الكلي ومعيشة المواطن العادي، وهنا نصل إلى جوهر السؤال الأعمق: ما قيمة احتياطي يتجاوز 56.3 مليار دولار، إذا كان نصف الشعب يعاني الفقر، والتعليم يتراجع، والصحة تتدهور، والمواطن يدفع ثمن الاستقرار الكلي من جيبه الخاص وقدرته الشرائية المتآكلة؟ إن مصر اليوم، اقتصادياً، تحقق أرقاماً تحسد عليها في دفاتر صندوق النقد، لكنها تدفع ثمناً اجتماعياً باهظاً قد يهدد تماسك النسيج الوطني على المدى البعيد

في هذا السياق، يرى الباحث البارز يزيد صايغ، الزميل في برنامج الشرق الأوسط بمعهد كارنيجي للسلام الدولي والمؤلف الرئيسي لدراسة "الجيش المصري كرأس حربة لرأسمالية الدولة" (Egypt’s Military as the Spearhead of State Capitalism)، أن هذه السياسات كانت حتمية في سياقها، إذ يعكس نهج الرئيس السيسي "اهتمامه الأكبر بتوليد رأس المال مع الحفاظ على النظام السياسي"، لكنه يحذر من استمرارها دون إصلاح هيكلي يعيد توزيع ثمار النمو، مشيراً إلى أن "انخراط المؤسسة العسكرية المصرية في الاقتصاد أدي لتكاليف عالية، أسهمت في إضعاف أداء التنمية"، وأن استمرار هذا النموذج يعزز قبضة الدولة المصرية بدلاً من تعزيز اقتصاد السوق الحر، الأمر الذي يستلزم، وفقاً لتحليله، إعادة النظر في الدور الاقتصادي المتوسع للمؤسسة العسكرية.

السياسة والمؤسسات: بين إشادة أوروبية وإدانة أمريكية  

على الصعيد السياسي، تتشظى القراءات الدولية بين مدح واتهام، ففي الوقت الذي أشادت فيه المفوضية الأوروبية بتقدم مصر في ملف حقوق الإنسان، أصدرت مجلة "الشؤون الخارجية" (Foreign Affairs) الأمريكية ــ في عددها الصادر في أبريل 2026 ــ تقييماً قاسياً وصفت فيه النظام بأنه "جمهورية استبدادية جديدة"، حيث حل الجيش، في هذا التوصيف، محل الأحزاب السياسية والبيروقراطية المدنية، وأضعف منظمات الرعاية الاجتماعية، وزاحم رواد الأعمال الخاصة.

وتشير تقديرات منظمات حقوق الإنسان إلى أن عشرات الآلاف من النشطاء قد سُجنوا خلال العقد الماضي، مما أدى إلى اكتظاظ السجون بنسبة 150% عن طاقتها الاستيعابية، أما البرلمان، فتتهمه تقارير محلية ودولية بأنه تحول إلى مجرد أداة لمنح الموافقة التلقائية على ما تريده السلطة التنفيذية، مع غياب شبه كامل للمعارضة المؤثرة، وهو ما ينسجم مع سياسة تعمدت ــ وفق مراقبين ــ إضعاف أي حزب سياسي قادر على تشكيل نواة معارضة حقيقية.

وهذه الثنائية في التقييم لا تعكس ارتباكاً أو جهلاً بحقيقة الأوضاع في مصر، بل تعكس انقساماً أوسع وأكثر براغماتية في النخب الغربية ذاتها، بين إشادة أوروبية بالاستقرار والتقدم في ملف حقوق الإنسان، وإدانة أمريكية تصف النظام بأنه "مستبد"، غير أن هذا التباين لا يمثل ارتباكاً في الرؤية، بل صراع مصالح، فبينما ترى واشنطن - في جزء من نخبها الأكاديمية والسياسية - أن الأنظمة التي تبني استقرارها على القمع سرعان ما تدفع الفاتورة مضاعفة، إدراكاً من واشنطن أن القمع المصري ليس مجرد أزمة حقوقية عابرة، بل استراتيجية قصيرة النظر تشكل خطراً استراتيجياً بعيد المدى، يُمكن أن يُضعف النفوذ الأمريكي، ويُحوِّل أحد أهم حلفائها في المنطقة إلى عبء استراتيجي

بينما تراهن أوروبا على استقرار الوضع المصري الراهن لضمان استمرار تدفق الغاز، وكخط دفاع أول لا غنى عنه في مواجهة تهديدات حدودها الجنوبية المتدفقة: هجرة غير شرعية يمكن تحويلها إلى أداة ابتزاز جيوبوليتيكي، وإرهاب ممتد من منطقة الساحل يبحث عن ثغرات للنفاذ، وشبكات جريمة منظمة تحول المتوسط إلى ممر للبشر والمخدرات، وتداعيات تغير المناخ التي تحوِّل موجات النزوح إلى أزمات وجودية، فالمسألة ليست تناقضاً في الرؤية، بل صراع بين "الاستقرار الفوري" الذي تحتاجه أوروبا، و"القيم المستدامة" التي تراهن عليها أمريكا، ومصر اليوم هي ساحة رئيسية لهذا الصراع.

الجيوبوليتيك: لاعب إقليمي لا غنى عنه  

في لعبة القوى الدولية، وظفت مصر أوراقها بذكاء محسوب، فهي تحتل موقعاً متقدماً واستثنائياً في استراتيجية الصين، كحلقة وصل رئيسية لإنجاح مبادرة "الحزام والطريق" (Belt and Road Initiative - BRI)، حيث أصبحت لاعباً استراتيجياً محورياً في تنفيذ المبادرة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتشير الدراسات الصينية إلى أن مصر تمثل ركيزة أساسية في استراتيجية بكين الخارجية، مع تعزيز التبادل التجاري الثنائي في إطار المبادرة، ومن أبرز معالم هذه الشراكة، منطقة تيدا (TEDA) الاقتصادية قرب قناة السويس، التي وصفتها الأطراف الصينية والمصرية بأنها "نموذج واعد" للتعاون بين البلدين، فضلاً عن مشروع الحي المالي المركزي في العاصمة الإدارية الجديدة.

وفي المقابل، تحافظ الولايات المتحدة على تدفق مساعداتها العسكرية السنوية البالغة 1.3 مليار دولار، رغم الانتقادات المتصاعدة في واشنطن، لكن العلاقة تحولت إلى نوع من "الضغط المتبادل": واشنطن تضغط على مصر فيما يتعلق برسوم عبور قناة السويس والسياسات الداخلية، والقاهرة تستخدم أوراقها الإقليمية ــ من غزة إلى ليبيا إلى السودان ــ كورقة مساومة، أما الاتحاد الأوروبي، فقد راهن على مصر كورقة استقرار في منطقة ملتهبة، مطلقاً عليها وصف "محور الاستقرار في الشرق الأوسط" (linchpin of stability in the Middle East)، وهو ما يفسر الحزمة المالية الأوروبية الضخمة، رغم التحفظات على الملف الحقوقي.

شبكة الإقراض الدولية: بين الإغراء والإكراه  

تشكل هذه الديناميكيات الدولية جزءاً من المعادلة التي لا تقع بالكامل ضمن نطاق السيطرة الوطنية، فمصر، في موقعها الجيوبوليتيكي الحساس، ليست حرَّة تماماً في رسم سياساتها المستقلة؛ بل هي مرهونة بتوازنات إقليمية ودولية معقَّدة، تفرض التزامات وقيوداً تؤثر في الخيارات الداخلية، والإغراء بالتمويل الخارجي ــ من صندوق النقد الدولي، أو الاتحاد الأوروبي، أو الصين ــ يأتي دائماً بشروطه وقيوده، فشروط الصندوق والبنك الدولي تفرض سياسات تقشفية تزيد من معاناة المواطنين، بينما تتطلب الشراكات الصينية توجيه جزء من الاستثمارات نحو مشروعات البنية التحتية التي تخدم أجندة بكين الاقتصادية، وفي المقابل، تأتي المساعدات الأمريكية والأوروبية مشروطة بملفات سياسية وحقوقية، وإن تفاوتت درجة التشديد عليها بين واشنطن وبروكسل. وهكذا، فإن الإرادة الوطنية المصرية تمارس في إطار من الفرص والقيود التي تفرضها القوى الكبرى، فمصر لم تكن لتحصل على كل هذا الدعم المالي والسياسي لولا أنها باتت "محور استقرار" لا غنى عنه، لكنها في المقابل لم تكن لتراكم كل هذه الديون لولا أنها اضطرت للرضوخ لشروط الإقراض الدولية، إنها معادلة المكسب السريع مقابل الثمن البطيء.

ومع ذلك، فإن هذا الحضور الدولي لم يترجم بعد إلى تحسن ملموس في حياة المواطن العادي، فالاستقرار الذي تشيد به أوروبا، والنفوذ الذي تراهن عليه الصين، والمساعدات التي تتدفق من واشنطن، كلها تبقى في فضاء "الدولة" قبل أن تصل إلى فضاء "المواطن"، وهنا يكمن التحدي الأكبر لمصر في العقد القادم: كيف تحوِّل قوتها الجيوبوليتيكية إلى رفاهية داخلية، وكيف تخرج من شرك الديون دون أن تفقد أوراقها الإقليمية التي باتت عملتها الصعبة في سوق السياسة الدولية؟

والخلاصة، فمصر دولة نجت من الانهيار.. لكنها راهنت على الاقتراض - فبكل موضوعية، يكشف تقييم أداء الحكومة المصرية منذ 2014 عن حقيقة متشابكة الأبعاد: دولة نجحت في تجنب الانهيار، وعززت استقرارها الأمني والاقتصادي الكلي في منطقة تعج بالفوضى، وحولت أزمات متلاحقة ــ من شح السيولة إلى تداعيات كورونا إلى حرب أوكرانيا إلى حرب إيران ــ إلى فرص لإعادة البناء في بعض المجالات، واستعادت حضورها الإقليمي والدولي كلاعب لا يمكن تجاوزه، لكنها في المقابل رهنَت مستقبلها بمديونية مضطردة، وأسست لنموذج تنموي يعزز هيمنة المؤسسة العسكرية على حساب القطاع الخاص والمشاركة السياسية، وشهدت تراجعاً ملموساً في مؤشرات الحريات والحقوق، مع تآكل مستمر في جودة الخدمات الأساسية للمواطن العادي.

وليس هذا المأزق بجديد على الدول الصاعدة؛ فالبرازيل في ثمانينيات القرن الماضي، وتركيا بعد أزمة 2001، خاضتا معركة مماثلة بين الإقراض الدولي والإصلاح المحلي، لكن نتائجهما اختلفت باختلاف قدرتهما على تحويل القروض إلى استثمارات منتجة، لا إلى استهلاك حكومي فاخر، وكما علمتنا تجارب الأمم وعبر التاريخ: لم تَخلُ نهضة من اقتراض، لكن الخطر الحقيقي حين يصبح الاقتراض بديلاً عن الإصلاح، وحين تُبنى المدن الفخمة على حساب الإنسان الفقير، فالتاريخ يذكرنا أن دولاً كثيرة استعارت طريقها إلى الازدهار، لكنها لم ترهن مستقبلها إلا حين أهملت مؤسساتها وأغلقت أبواب المشاركة، ومصر اليوم ليست الأولى التي تواجه هذا المأزق، ولن تكون الأخيرة، لكن العبرة ليست في تجنب الاقتراض، بل في تحويل كل دولار مقترض إلى قيمة مضافة في حياة المواطن، لا في مشروع يزيد من فخر الدولة ويضاعف ديونها.

وهذا الجدل بين النجاح والفشل ليس وليد قرارات سيادية فحسب، بل هو نتاج تفاعل معقد بين الإرادة الوطنية من جهة، والضغوط الخارجية ــ ممثلة في شروط المؤسسات المالية الدولية، والسياسات الأمريكية والأوروبية، والشراكات الصينية، ومناخ إقليمي مضطرب ــ من جهة أخرى. والمقاربة الموضوعية لا تستلزم فقط فصل الحكم على السياسات عن ظروف إنتاجها، بل تدعو إلى اعتراف صريح بجدلية التأثير المتبادل بين الإرادة الذاتية والمعطيات السياقية، فمصر اليوم ليست الدولة الفاشلة التي توقعها الغرب قبل عقد، لكنها ليست أيضاً النموذج التنموي المنشود، إنها دولة في مفترق طرق، تواجه خيارات مصيرية كالتالي:

أولاً: إعادة هيكلة الديون عبر مفاوضات جادة مع دائني باريس ونادي لندن، لتمديد آجال الاستحقاق وتخفيف أعباء الخدمة السنوية.

ثانياً: تحويل نموذج الإنفاق من المشروعات العملاقة إلى شبكات الأمان الاجتماعي، والاستثمار في التعليم والصحة كأولوية قصوى، لا كبند ثانوي في الموازنة.

ثالثاً: تفعيل المشاركة البرلمانية والمجتمعية في الموازنة العامة، لمنع الإنفاق الأحادي وضمان الشفافية والمساءلة.

رابعاً: إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية في الاقتصاد، بحيث تظل مقتصرة على الأمن القومي، وتُترك الأنشطة الاقتصادية للمنافسة الحرة بين القطاع الخاص المحلي والأجنبي.

وليس الحل في وقف الاقتراض، بل في تحويل كل دولار مقترض إلى استثمار في رأس المال البشري، مع إعادة فتح نوافذ المساءلة البرلمانية والمجتمعية للإنفاق العام، فمصر إن أرادت الخروج من شرك المديونية دون أن تفقد أوراقها الإقليمية، فعليها أن تدرك أن القوة الحقيقية لا تقاس بحجم المشروعات العملاقة، بل بقدرة الدولة على تحويل موقعها الاستراتيجي إلى رفاهية ملموسة في حياة كل المواطنين، فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تسقط بسبب ديونها، بل بسبب غياب العدالة في توزيع ثمن سدادها.
-----------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش

مقالات اخرى للكاتب

الجمهورية الجديدة: إنجازات لا تُنكر وإخفاقات لا تُغتفر