في مصر، هناك فارق كبير بين أن تكون سياسيًا وأن تكون رجل دولة. الفارق لا تصنعه البدلة الأنيقة، ولا عدد التصريحات، ولا حجم الحضور على الشاشات، ولا حتى القدرة على رفع سقف الخطاب في مواجهة السلطة. رجل الدولة شيء آخر تمامًا، هو ذلك الشخص الذي يفهم أن إدارة وطن ليست مباراة في الهتاف، وأن الدولة أكبر من الحكومة، وأبقى من الأشخاص، وأعقد من الشعارات.
المفارقة المصرية أن كثيرًا ممن يرفعون راية المعارضة يتعاملون مع الحكم وكأنه امتياز شخصي، فإذا انتقدوا السلطة تحدثوا بمنطق الدولة، وإذا اقتربوا من مسؤولية حقيقية عادوا إلى منطق المزايدة. يريدون دولة قوية حين تكون في صفهم، ودولة ضعيفة حين تقف في طريقهم. يطالبون بالمؤسسات، ثم يقفزون فوقها عندما لا تمنحهم النتيجة التي يريدونها.
رجل الدولة الحقيقي يبدأ من الفهم. يفهم مصر كما هي، لا كما يتمنى أن تكون. يعرف أن هذا البلد ليس ورقة بيضاء يمكن أن نكتب عليها أفكارنا، وإنما تاريخ طويل، ومجتمع شديد التنوع، واقتصاد له قيوده، ومؤسسات لها حساباتها، ومصالح إقليمية ودولية لا يمكن تجاهلها. ولذلك فإن أول أدوات رجل الدولة ليست الغضب، وإنما القدرة على الاستيعاب.
ثم تأتي الإدارة. فالدولة لا تُدار بالنيات الحسنة وحدها. القرار العام له تكلفة، والإصلاح له ثمن، والأخطاء لها تبعات، والبدائل ليست دائمًا بين الصواب والخطأ، وإنما كثيرًا ما تكون بين خيار صعب وخيار أشد صعوبة.
وهنا تظهر مفارقة أخرى: من السهل جدًا أن تكون معارضًا. يكفي أن تقول إن كل شيء سيئ، وأن كل قرار خاطئ، وأن الحل بسيط لو أُتيح لك الأمر. لكن الصعوبة تبدأ عندما تصبح مسؤولًا عن القرار، وعندما تكتشف أن الملفات التي كنت تراها من بعيد أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه من الخارج.
ولهذا فإن أغلب من يرتدون ثوب المعارضة في مصر، مهما كان حقهم في النقد، لم يثبتوا بالضرورة أنهم قادرون على ارتداء ثوب الدولة. المعارضة ليست شهادة صلاحية للحكم، كما أن انتقاد الحكومة لا يعني امتلاك القدرة على إدارة دولة بحجم مصر.
رجل الدولة لا يبحث عن التصفيق في كل لحظة. قد يتخذ قرارًا يعرف أنه لن يحظى بشعبية، لكنه يراه ضروريًا. ولا يرى في خصمه عدوًا، ولا في المختلف معه خائنًا، ولا في النقد مؤامرة. هو يستوعب الجميع، حتى أولئك الذين لا يحبونه.
مصر تحتاج إلى معارضة، نعم، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى عقل سياسي يعرف أن الوطن ليس منصة للخطابة. وتحتاج إلى مسؤولين يدركون أن القوة ليست في إسكات المختلف، وإنما في القدرة على إدارة الاختلاف.
أن تكون رجل دولة يعني أن تفهم قبل أن تحكم، وأن تستوعب قبل أن ترفض، وأن تدير قبل أن تتحدث. والأهم أن تعرف أن مصر أكبر من أي مسؤول، وأكبر من أي معارضة، وأكبر من الجميع.
----------------------------
بقلم: إبراهيم خالد






