«بحسب تقرير لوكالة رويترز، استخدمت الحكومة الأميركية أداة مالية تُعرف باسم "وارنت السنت الواحد" للحفاظ على حصتها البالغة 35% في شركة North American Blue Energy Partners».
ما يجري اليوم في فنزويلا يقدّم صورة عن شكل جديد من أشكال نفوذ القوى الكبرى والاستعمار الجديد؛ استعمار لم يعد بالضرورة يمر عبر الاحتلال العسكري وتنصيب حكومات تابعة، بل يمكن أن يُمارَس من خلال العقود والأسهم والأدوات المالية والضغوط الاقتصادية.
المسألة لا تتعلق فقط بالحفاظ على حصة تبلغ 35%. فالأهم هو تصميم آلية تضمن عدم إضعاف موقع الطرف الأميركي حتى مع دخول رؤوس أموال جديدة وإصدار أسهم إضافية. وإلى جانب ذلك، فإن حق الأولوية في شراء جزء من إنتاج النفط يشكّل أيضاً أداة مهمة في سلسلة قيمة الطاقة.
وهنا تحديداً ينبغي التمييز بين «الاستثمار الأجنبي» و«التبعية البنيوية». فالاستثمار الأجنبي يكون فرصة عندما يكون في خدمة التنمية الوطنية، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز القوة الاقتصادية للدولة المضيفة؛ لكن عندما تُصمَّم العقود بطريقة تربط الملكية والأرباح والأسواق وصنع القرار الاستراتيجي بالخارج، يمكن أن يتحول رأس المال إلى أداة للنفوذ.
أما العبارة الشهيرة المنسوبة إلى هنري كيسنجر، والتي تقول: «قد يكون عدوّ الولايات المتحدة أمراً خطيراً، لكن صديق الولايات المتحدة أمر قاتل»، فهي مقولة سياسية تعبّر عن كلفة التبعية للقوى الكبرى.
كل دولة تقدّر استقلالها وحريتها، عليها أن تقاوم الاستعمار الجديد، وإن كانت هذه المقاومة لها كلفتها.
لقد أثبتت إيران الإسلامية اليوم، من خلال صمودها واقتدارها، للعالم أنه ليس من الضروري أن تكون القوة العسكرية الأولى أو الاقتصاد الأول في العالم، لكي تتمكن من دفع القوى الكبرى إلى التراجع. وقد تحولت إيران إلى نموذج ناجح للغاية، ولا سيما بالنسبة إلى الشعوب الحرة في العالم.
وبعد أن أصيبت الولايات المتحدة بخيبة أمل في ميدان المعركة، لجأت إلى الضغط الاقتصادي، أملاً في أن يؤدي تصعيد الضغوط إلى خلق حالة من السخط الواسع، وتهيئة الظروف لقيام الشعب الإيراني.
«يسأل صحفي ترامب: متى يمكن للشعب الأميركي أن يتوقع حلاً بشأن إيران؟
- ترامب: ثورة؟
الصحفي: حلاً.
- ترامب: هناك فرق كبير جداً. ظننت أن كلمة ثورة أكثر جاذبية.
يكشف هذا الكلام أن الاستعمار، إذا عجز عن ابتلاع دولة عبر الحرب، فقد يلجأ إلى الفتنة وتحريض الجماعات المعارضة وإحداث الاضطرابات داخلها، وصولاً إلى السيطرة عليها.
وتحمل التجربة التاريخية رسالة واضحة: الاستقلال السياسي من دون استقلال اقتصادي يبقى هشّاً.
كان الاستعمار الكلاسيكي يدخل بجنوده وأعلامه؛ أما الاستعمار الجديد فيمكن أن يدخل عبر مذكرات التفاهم والعقود والأسهم والديون والنظام المالي والسيطرة على الأسواق. الاختلاف يكمن في الأدوات، وليس بالضرورة في منطق القوة.
ومن هذا المنظور، فإن ملف فنزويلا ليس مجرد قصة نفط؛ بل هو تحذير استراتيجي لكل الدول التي تمتلك موارد حيوية، لكنها لا تملك اليد العليا في تصميم العقود الاقتصادية وصون سيادتها الاقتصادية.
إن موارد باطن الأرض لا تصبح ثروة وطنية حقيقية إلا عندما يبقى قرار استثمارها والمنافع المتأتية منها في خدمة المصالح الوطنية.
-----------------------
بقلم: د. جبار سعيداوي
* كاتب سياسي وأكاديمي ـ إيران






