09 - 09 - 2026

حين جاءت الصين إلى القاهرة..

حين جاءت الصين إلى القاهرة..

في ذاكرتنا الجمعية نتذكر الصين بمحمد هنيدي في فول الصين العظيم، ورعب كورونا وما جلبة وراءه من خراب على الجميع، لنفاجأ بزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة التي لا تعتبر مجرد زيارة دولة عابرة، ولا مجرد احتفال بسبعين عامًا من العلاقات المصرية الصينية، فبعد عشر سنوات من آخر زيارة له عاد شي إلى القاهرة في أجواء مقلقة، شرق أوسط مشتعل، حرب أمريكية إيرانية تعيد رسم حسابات المنطقة، وتنافس دولي يتجاوز السلاح والسياسة إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة وطرق التجارة.

ولهذا ربما كان السؤال الأهم في هذه الزيارة ليس: ماذا قالت الصين لمصر؟ إنما ماذا تريد الصين من مصر الآن؟

الإجابة ليست بعيدة، مصر ليست مجرد دولة عربية بالنسبة إلى بكين، ولا مجرد سوق لمنتجاتها، فموقعها الجغرافي، وقناة السويس، وصلتها بأفريقيا والعالم العربي، تجعل القاهرة نقطة يصعب تجاهلها في أي حساب صيني طويل المدى للمنطقة كسلاح قوي في مواجهتها للهجوم الأمريكي عليها بقيادة ترامب، وفي المقابل، تحتاج مصر إلى شريك اقتصادي قادر على ضخ الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، ودعم الصناعة والإنتاج، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها المنطقة.

لهذا حملت الزيارة جانبًا اقتصاديًا، انتهى بتوقيع خمس اتفاقيات ومذكرات تفاهم، إلى جانب أكثر من عشرين وثيقة تعاون في مجالات متعددة، من بينها الاقتصاد والتكنولوجيا والاستثمار، كما برزت ملفات مثل الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والطاقة والصناعات المتقدمة.

وبينما تتغير الخريطة الأمنية للشرق الأوسط بصورة متسارعة، نرى الصين، التي نجحت قبل سنوات في رعاية التقارب بين السعودية وإيران، تحاول أن تقدم نفسها باعتبارها قوة تستطيع الحديث مع أطراف مختلفة، لا قوة عسكرية تبحث عن مواجهة مباشرة مع أحد، لذا في القاهرة، طرح شي فكرة بناء "هيكل أمني جديد" للشرق الأوسط، مؤكدًا ضرورة رفض التدخل الخارجي، وتمسكه مع مصر بمركزية القضية الفلسطينية.

لا تأتي الصين إلى مصر فقط بأموال واستثمارات، ومصر لا تستقبل الصين فقط بحثًا عن شريك اقتصادي، هناك عالم يتغير، واشنطن تعيد حساباتها في المنطقة، وبكين توسع حضورها، والطاقة والتجارة والممرات البحرية أصبحت أوراقًا استراتيجية لا تقل أهمية عن حاملات الطائرات.

ومصر، بموقعها وقناة السويس وثقلها العربي والأفريقي، تجد نفسها في قلب هذه الحسابات، في نقطة تعتبر النقطة الأكثر ذكاءً في الموقف المصري: تنويع الشراكات بدل الارتهان لشريك واحد، ففي عالم لم تعد فيه القوة محصورة في قطب واحد، يصبح من مصلحة الدول المتوسطة والكبيرة أن تملك أكثر من باب، وأكثر من حليف، وأكثر من مساحة للمناورة.

لتتحول صورة لرئيسين يتصافحان أمام الكاميرات، إلى رسالة للعالم بأن القاهرة تريد أن تكون حاضرة في النظام الدولي الذي يتشكل الآن، لا مجرد متلقية لنتائجه، ويبقى السؤال الأصعب:

هل تستطيع مصر تحويل هذه الشراكة من اتفاقيات تُوقّع إلى مصانع تُنتج، وتكنولوجيا تُنقل، وفرص عمل تُخلق، واستثمارات تغيّر شكل الاقتصاد فعلًا؟

لأن قيمة أي زيارة تقاس بما يبقى منها في حياة الناس بعد أن تغادر الطائرات.
----------------------------
بقلم: إنچي مطاوع

مقالات اخرى للكاتب

حين جاءت الصين إلى القاهرة..