- عروض دولية وندوات فكرية وورش تدريبية في يوم حافل
شهدت فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، برئاسة الدكتور سامح مهران، أمس السبت 5 سبتمبر 2026، يومًا حافلًا بالعروض المسرحية والندوات الفكرية والورش التدريبية، تداخلت خلاله الاحتفاءات بالمسرح المصري مع التجارب العربية والدولية، بينما فرضت أسئلة الهوية والمكان والذاكرة والجسد والموت والحياة نفسها على جانب كبير من البرنامج.
وجاء اليوم الخامس من المهرجان، الذي تستمر فعالياته حتى 8 سبتمبر، ليؤكد اتساع مساحة التجريب التي يتيحها المهرجان أمام تجارب مسرحية تنتمي إلى ثقافات واتجاهات جمالية متعددة، بداية من العرض البيلاروسي «Zhenya + Tanya = Love»، مرورًا بالعرض السعودي "الناعشون"، والمشروع الإسباني المغربي "حديقة الهيسبيريديس"، وصولًا إلى التجربة المصرية الفرنسية «سلمى حبي أنا" .
وفي الجانب الفكري، ناقش المهرجان علاقة التجريب بالأقاليم الثقافية، وما يرتبط بها من هوية وطقوس وذاكرة للمكان ومسرح مجتمعي، إلى جانب ندوة "التجريب المسرحي بوصفه أقاليم جمالية"، بينما انطلقت ورشة "السرد القصصي عبر الحركة" التي قدمتها الفنانة والمؤدية الأمريكية جيليان رودس.
احتفاء خاص بيوم المسرح المصري وتكريم خمسة مخرجين
ومن أبرز محطات اليوم، أقام المهرجان احتفالية خاصة بمناسبة «يوم المسرح المصري»، بالتعاون مع المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، برئاسة المخرج عادل حسان، وقطاع المسرح برئاسة الدكتور أيمن الشيوي، وذلك في التاسعة مساءً بمعهد الموسيقى العربية بوسط القاهرة.
وجاءت الاحتفالية تقديرًا لرموز المسرح المصري وإسهاماتهم في إثراء الحركة المسرحية، وشهدت تكريم خمسة من كبار المخرجين الذين تركوا بصمات واضحة في مسيرة المسرح المصري، وهم حسام الدين صلاح، وهشام جمعة، وحمدي أبو العلا، وعبير علي، ومحمد جبر.
كما شهدت الأمسية تقديم كلمة «يوم المسرح المصري»، التي كتبها الكاتب الكبير محمد سلماوي وألقاها الدكتور محمد سمير الخطيب، واستعادت الكلمة الدور التاريخي للمسرح المصري بوصفه منبرًا للتنوير وصوتًا للوعي ومرآة للمجتمع، ودوره في الدفاع عن الحرية والمعرفة والجمال.
وجاءت الاحتفالية لتربط بين تاريخ المسرح المصري وأسئلته الراهنة، وتؤكد أن الاحتفاء بالمسرح لم يكن مجرد استعادة لأسماء وتجارب سابقة، وإنما محاولة لتأكيد الدور الثقافي والفكري الذي لعبته الخشبة المصرية على امتداد تاريخها.
وقدمت الفنانة القديرة وفاء الحكيم الحفل، بينما تضمن البرنامج عرضًا فنيًا بعنوان «عودة.. طرح الأرض»، جمع بين الحكي والغناء، من تأليف الكاتب مسعود شومان وإخراج سامح مجاهد.
كلمة محمد سلماوي.. المسرح منبر للعقل ونافذة على المستقبل
وشهدت ندوة «التجريب المسرحي وعلاقته بالأقاليم الثقافية» الوقوف دقيقة حداد على أرواح شهداء حادث مسرح بني سويف، قبل إلقاء الدكتور محمد سمير الخطيب كلمة محمد سلماوي بمناسبة يوم المسرح المصري.
واستعادت الكلمة مسيرة المسرح المصري الحديث منذ القرن التاسع عشر، مؤكدة أن المسرح لم يكن مجرد مكان تُروى فوقه الحكايات، وإنما تحول إلى منبر للعقل ونافذة على المستقبل، وساحة تتصارع فيها الأسئلة الكبرى مع ظلام التخلف.
وتوقفت الكلمة عند تجربة يعقوب صنوع ورواد المسرح الأوائل، الذين أدركوا أن وظيفة المسرح تتجاوز إمتاع الجمهور إلى تحريك الوعي، وأن الضحك والكلمة يمكن أن يتحولا إلى فعل مقاومة وإلى طريق للحرية والمعرفة.
كما تناولت مرحلة الستينيات باعتبارها مرحلة شهدت انطلاقة حقيقية للمسرح المصري، عندما أصبح أداة لتشكيل الوعي الجماهيري ومناقشة قضايا العدالة الاجتماعية والحرية.
وتطرقت الكلمة كذلك إلى التحولات التي صاحبت فترة الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات، والتي انعكست على موضوعات المسرح، فانتقل من التبشير بالحلم القومي إلى نقد الواقع الجديد والتحذير من التحولات الاجتماعية والنفعية.
ومع تصاعد موجات التطرف الديني والإرهاب في مطلع الثمانينيات، أشارت الكلمة إلى أن المسرح عاد إلى طليعة المواجهة، باعتباره قادرًا على زرع القدرة على التفكير وشجاعة السؤال والإحساس بالجمال والحق.
واختتمت الكلمة بالتأكيد على استمرار رسالة المسرح بوصفها رسالة تنوير، وعلى قدرته على جعل الوعي بداية للتغيير.

"حديقة الهيسبيريديس" .. المرأة تبحث عن حديقتها الداخلية
وعلى خشبة مسرح الهناجر، شهدت فعاليات المسابقة الرسمية تقديم العرض الراقص «حديقة الهيسبيريديس» (The Garden of the Hesperides)، وهو مشروع إسباني مغربي استلهم أسطورة حديقة الهيسبيريديس من الميثولوجيا اليونانية، وحولها إلى استعارة عن العالم الداخلي للنساء باختلاف ثقافاتهن وأديانهن وأماكنهن وأزمنتهن.
واستند العرض، الذي بلغت مدته 75 دقيقة، إلى أسطورة الحوريات اللواتي أوكلت إليهن الإلهة هيرا حراسة حديقة التفاح الذهبي، لتتحول الحديقة داخل العرض من مكان أسطوري إلى فضاء داخلي تصنعه كل امرأة لنفسها؛ مساحة تستطيع فيها أن تحلم وتستريح وتلتقط أنفاسها وتستعيد قدرتها على الاستمرار.
واعتمد العرض على الصور الحالمة واللغة الشعرية والحركة، ليقدم تجربة لا تقوم على السرد المباشر بقدر ما تعتمد على الإيحاء والجسد والصورة والموسيقى والإضاءة.
وأصبح «التفاح الذهبي»، الذي كان في الأسطورة رمزًا للخلود، صورة لما تبحث عنه المرأة في عالمها الداخلي؛ لحظة أمان أو راحة أو قدرة على مواصلة الحياة.
وأخرجت العرض أليسيا سوتو، وشارك في كتابة نصه أليسيا سوتو وخوليو مارتين دا فونسيكا وكارمن ساموديو كوستينا، إلى جانب نصوص لعدد من الكاتبات، بينما شارك في الأداء لورينزا دي كالوجيرو، وبالوما كالديرون، وسناء عسيف، وإستر لوزانو، وأليسيا سوتو.

الناعشون.. عرض سعودي واجه سؤال الموت بالحياة
وعلى مسرح ميامي، قدمت فرقة مسرح الطائف العرض السعودي «الناعشون»، من تأليف فهد ردة الحارثي وإخراج أحمد الأحمري، في تجربة تناولت علاقة الإنسان المعاصر بالموت وسط عالم تحاصره الحروب والأوبئة والأمراض والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
واستخدم العرض عنوان "الناعشون" بوصفه دلالة مجازية، فلم يشر فقط إلى الأشخاص الذين يحملون نعوش الموتى، وإنما إلى الأحياء الذين تحولوا إلى "نعوش" متحركة بعدما استقر الموت داخل طموحاتهم وأجسادهم، وأصبحوا يعيشون حاضرًا قلقًا ومعلقًا بلا أهداف واضحة.
وتناول العمل حضور الموت الطاغي في الحياة الحديثة، إلى الحد الذي جعل الإنسان يألفه ويحتفي به أحيانًا بصورة أكبر من احتفائه بالحياة.
وقال المخرج أحمد الأحمري إن عودته إلى مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي كانت تمثل بالنسبة إليه عودة إلى مساحة حقيقية للبحث والمغامرة وكسر المألوف، مؤكدًا أن العرض لم يسع إلى تقديم إجابات جاهزة، وإنما حاول فتح الأسئلة أمام الجمهور.
وتمحور أحد أسئلة العرض حول سبب منح الموت كل هذا الحضور، وما إذا كان الاحتفاء به يمكن أن يكون انعكاسًا لعجز الإنسان عن الاحتفاء بالحياة نفسها.
أما المؤلف فهد ردة الحارثي، فأكد أن المهرجان يمثل جزءًا أصيلًا من ذاكرته وتكوينه المسرحي، ووصفه بأنه أشبه بـ«صديق عمر»، موضحًا أن نص «الناعشون» انطلق من أسئلة الإنسان ووجوده ونهايته.
ورأى الحارثي أن الموت في العرض لم يكن مجرد غياب للجسد، وإنما حضورًا كثيفًا يختبر علاقة الإنسان بالوجود، مشيرًا إلى أن الإنسان ربما لا يخاف الموت بقدر ما يخاف أن يعيش حياة بلا معنى.

"سلمى حبي أنا" .. الأسرة بوصفها مرآة للسلطة والمجتمع
وحظي العرض المصري الفرنسي "سلمى حبي أنا" باحتفاء جماهيري وتفاعل كبير، حيث امتلأ مسرح الفلكي عن آخره خلال تقديم العمل ضمن برنامج «من القاهرة إلى مسارح العالم».
وقدم العرض، من تأليف وإخراج المخرج المصري أحمد العطار، قراءة لعلاقات السلطة والقهر داخل الأسرة، وربطها بالديناميكيات السلطوية في المجتمع.
ودار العمل حول عائلة رجل الأعمال محمود النجار، التي ضمت زوجته ناهد، وابنه كريم، وابنته سلمى، إلى جانب الخادم صلاح والخادمة لولو أو لبنى. وقدمت الأسرة باعتبارها نموذجًا لطبقة فائقة الثراء، تتحرك داخل شبكة من العلاقات التي تكشف طبيعة القوة والسلطة والتفاوت الطبقي.
وتناول العرض أيضًا الصراع بين الأجيال، ولا سيما الجيل الجديد وجيل «زد»، في ظل الأحداث العالمية وما يحدث في غزة، وانعكاس ذلك على رؤية الشباب للمستقبل.
ورأى العطار أن العائلة كانت واحدة من المفردات الأساسية في عدد من أعماله، باعتبارها نموذجًا مصغرًا للمجتمع، وأن علاقات القوة داخل الأسرة يمكن أن تكون انعكاسًا لعلاقات السلطة الموجودة في المجتمع.
كما مزج العمل بين التراث المسرحي اليوناني والأسئلة المعاصرة، حيث أعيدت صياغة مونولوجات شخصية سلمى انطلاقًا من مقتطفات من أعمال «هيكوبا» و«هرقل» و«إلكترا» ليوربيديس، إلى جانب «أنتيغون» لسوفوكليس.
وفي المقابل، استعان العرض بمراجع موسيقية معاصرة، من بينها مقتطفات من «Cupid» لفرقة Fifty Fifty، و«المبدأ» لمروان بابلو، و«Anti-Hero» لتايلور سويفت، ليجمع بين المأساة القديمة وعالم الشباب المعاصر.
وجاء الإنتاج في إطار شراكة مصرية فرنسية، بمشاركة عدد من المؤسسات والمهرجانات والمسارح الدولية، وهو ما عكس امتداد التجارب المسرحية المصرية إلى خارج الحدود، وما تتيحه الشراكات الدولية من تبادل للخبرات وفتح مساحات جديدة للتجريب.

«Zhenya + Tanya = Love» ... بوشكين على الخشبة بلغة جديدة
وفي المسابقة الرسمية، رفع العرض البيلاروسي «Zhenya + Tanya = Love» شعار «كامل العدد» خلال تقديمه على خشبة مسرح الأوبرا الصغيرة، وسط تفاعل لافت من الجمهور وإشادة نقدية عربية ودولية بالمعالجة التي قدمتها المخرجة تاتيانا سامبوك لرواية «يوجين أونجين» الشعرية لألكسندر بوشكين.
وقدم العرض قراءة معاصرة للكلاسيكية الروسية، فلم يكتف بإعادة سرد الحكاية، وإنما أعاد بناء عالمها باستخدام مجموعة من الأدوات المسرحية التي جمعت بين السرد والمسرح الموسيقي والتمثيل والحركة والكوميديا والرقص، إلى جانب التحليل النفسي والسيكودراما.
ووضعت المعالجة المشاعر الداخلية للشخصيات في قلب البناء المسرحي، مع التركيز بصورة خاصة على شخصية تاتيانا، ولا سيما في مشهد حلمها، الذي تحول إلى تجسيد بصري لمخاوفها اللاشعورية وصراعها بين حبها القديم ليوجين ووفائها لزوجها الجنرال.
وأشاد الناقد بلال الجمل بالعرض، معتبرًا أنه قدم عملًا جميلًا وممتعًا ومحكمًا، وأن تفاصيله لم تكن مجرد تشكيل جمالي، وإنما حملت دلالات داخل البناء العام.
كما عبّر الدكتور هشام زين الدين عن تأثره بالعرض، مشيدًا بتكامله الفني والجمالي والتمثيلي والإيقاعي، وربط تجربته أثناء المشاهدة بذاكرة شخصية وثقافية أعادتها إليه اللغة الروسية وأداء الممثلين وأجواء العمل.
وأخرجت تاتيانا سامبوك العرض، بينما تولت داريا فولكوفا تصميم المناظر والأزياء، ووضع كيريل بالتركوف الكوريغرافيا، فيما تولت داريا غاربوزنياك التأليف الموسيقي.

"التجريب المسرحي وعلاقته بالأقاليم الثقافية" ... الهوية والمكان والذاكرة
وعلى المستوى الفكري، ناقشت الجلسة الخامسة من المحور الفكري للمهرجان، التي حملت عنوان «التجريب المسرحي وعلاقته بالأقاليم الثقافية»، علاقة التجريب بالخصوصيات الثقافية وذاكرة المكان والطقوس والفرجة والهوية، إلى جانب تجربة المسرح المجتمعي.
وأدار الجلسة أ.د. محمد عبد الله حسين، وعقب عليها أ.د. أبو الحسن سلام، بمشاركة أ.د. عبد الواحد بن ياسر من المغرب، ود. صالح زمانان من السعودية، ود. لمياء أنور محمد من مصر.
وتناول المتحدثون مفهوم «الإقليم الثقافي» باعتباره أوسع من الحدود الجغرافية، لارتباطه بالرموز والطقوس واللغات والذاكرة والممارسات الاجتماعية.
وأكد محمد عبد الله حسين أن هذا التصور يعيد التجريب المسرحي إلى أطره الاجتماعية والثقافية، مشيرًا إلى أن التجريب استطاع في تجارب عديدة أن يتكيف مع الخصوصيات المحلية من خلال دمج الطقوس واللغات والرموز الاجتماعية.
كما تناول عبد الواحد بن ياسر الطقوس الفرجوية التي تمتد عبر أكثر من جغرافيا، مؤكدًا أن الإقليم الثقافي يتجاوز الانتماء المكاني إلى أبعاد نظرية وجمالية وثقافية وسياسية.
أما صالح زمانان، فقدم ورقة بعنوان «الإقليم كحدث فرجوي: الهوية وذاكرة المكان في أفق التجريب»، تناول فيها الهوية باعتبارها خبرة حية تتشكل من خلال التفاعل بين المكان والجسد والصوت والصورة والجمهور.
واستشهد زمانان بنموذجين عربيين، هما «نوستالجيا» لأمين ناسور، و«ملحمة صهيل» في حي الطريف بالدرعية، معتبرًا أن التجربتين كشفتا قدرة المسرح التجريبي على جعل المكان شريكًا في إنتاج المعنى.
وتناولت لمياء أنور تجربة فرقة «كاتالينياس سور» في الأرجنتين، موضحة كيف تحول سكان حي «لا بوكا» إلى «جسد مسرحي جماعي» يمارس المقاومة من خلال المسرح والذاكرة الجماعية.
وخلص النقاش إلى أن التجريب يمكن أن يخرج من المؤسسة المسرحية المغلقة إلى المجتمع، وأن يستمد أدواته من المكان والجماعة والذاكرة، بما يعيد تعريف العلاقة بين المسرح والجمهور وبين الفن والحياة اليومية.

"التجريب المسرحي بوصفه أقاليم جمالية" ..... المسرح الذي يشبه بيئته
كما أقيمت ندوة «التجريب المسرحي بوصفه أقاليم جمالية»، وأدارها الدكتور سامي الجمعان من السعودية، بمشاركة الأستاذ الدكتور رياض السكران من العراق، والدكتور محمود سعيد من مصر، والدكتور سليمان أرتي من الكويت، بينما عقب عليها الأستاذ الدكتور سعيد كريمي من المغرب.
وأكد سامي الجمعان أن الجدل حول مفهوم التجريب لم يكن هدفه حسم النقاش، وإنما تفعيله، داعيًا إلى استمرار الحوار المسرحي وتفكيك تراكم المصطلحات.
ومن جانبه، استعاد رياض السكران تجربة المخرج العراقي الراحل صلاح القصب، واصفًا إياه بـ«حارس التجريب وعرّاب مسرح الصورة»، قبل أن يؤكد أن المسرح الذي يريده الجمهور هو المسرح الذي يشبه بيئته وثقافته.
وتناول محمود سعيد علاقة «الملك لير» بالزمن والفضاء وجسد الممثل، معتبرًا أن النص يظل مفتوحًا وقلقًا ولا يكتمل إلا بإعادة كتابته على الخشبة في كل مرة.
أما سليمان أرتي، فناقش إشكالية انفتاح المسرح العربي على الحداثة دون أن يفقد هويته، مستشهدًا بثلاثة نماذج هي «قهوة سادة» المصري، و«صمت» الكويتي، و«هاربات» التونسي.
وأكد سعيد كريمي في تعقيبه أن التجريب لا يعني استيراد نماذج جاهزة، وإنما ينطلق من الخصوصية المحلية ويؤسس لتجريب قادر على إنتاج لغته الخاصة، معتبرًا أن التجريب الحقيقي يقوم على الاحتواء والتجاوز والاستفادة من المنجز الإنساني مع الانطلاق إلى آفاق جديدة.

ورشة «السرد القصصي عبر الحركة».. الجسد يتحول إلى لغة
وفي البرنامج التدريبي، انطلقت ورشة «السرد القصصي عبر الحركة»، التي قدمتها الفنانة والمؤدية الأمريكية جيليان رودس، واستمرت على مدار أربعة أيام، وصولًا إلى تقديم عروض أدائية قصيرة تعتمد على الحركة.
وركزت الورشة على فهم لغة الجسد وتوظيفها بوصفها أداة للتواصل والتعبير عن المشاعر والمفاهيم والحكايات.
وانطلقت رودس من مفهوم «التفكير المتجسد»، الذي يتيح للمشاركين الاقتراب من الأفكار والمشاعر والسرديات عبر الجسد، بدل التعامل معها باعتبارها أفكارًا لغوية فقط.
وأكدت أن الهدف كان تنمية قدرة المشاركين على استخدام الجسد للتواصل مع الجمهور بصورة واضحة وعميقة، وردم الفجوة بين التفكير اللغوي والوعي الجسدي.
وتضمنت الورشة تمارين عملية وتطبيقات تعتمد على الحركة، وصولًا إلى إنتاج عروض قصيرة، بما أتاح للمشاركين اختبار التقنية من خلال ممارسة فعلية.
وجاءت خبرة رودس الدولية لتدعم طبيعة الورشة، إذ تمتد تجربتها لأكثر من 14 عامًا في الفنون الأدائية والحركة وفن السرد القصصي، وعملت في مجالات الأداء وتصميم الرقصات والتمثيل والإخراج في عدد من الدول.

يوم مكثف أكد اتساع مفهوم التجريب
وهكذا عكس برنامج أمس السبت اتساع مفهوم التجريب داخل الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، فلم يقتصر التجريب على البحث عن شكل مسرحي جديد، وإنما ظهر بوصفه بحثًا عن أسئلة جديدة وعن طرق مختلفة لفهم الإنسان والمجتمع والمكان والذاكرة.
ففي «حديقة الهيسبيريديس» تحول الجسد والحركة إلى لغة لاستكشاف العالم الداخلي للمرأة، بينما واجه «الناعشون» سؤال الموت من أجل البحث في معنى الحياة، وقدم «سلمى حبي أنا» الأسرة باعتبارها نموذجًا مصغرًا لعلاقات السلطة والطبقة، في حين أعاد «Zhenya + Tanya = Love» قراءة كلاسيكية بوشكين من خلال الحركة والموسيقى والتحليل النفسي.
وعلى المستوى الفكري، اتسع النقاش إلى علاقة التجريب بالهوية والإقليم الثقافي والطقوس والمكان والجسد والذاكرة، بينما قدمت ورشة جيليان رودس تطبيقًا عمليًا لفكرة أن الجسد يمكن أن يتحول إلى أداة للسرد.
كما حمل الاحتفاء بيوم المسرح المصري دلالة خاصة، إذ أعاد التذكير بتاريخ المسرح المصري ودوره في تشكيل الوعي ومواجهة الجمود والتطرف والدفاع عن الحرية والمعرفة والجمال، بالتوازي مع تكريم خمسة من المخرجين الذين أسهموا في مسيرته.
وبذلك بدا اليوم الخامس من «التجريبي 33» مساحة التقت فيها ذاكرة المسرح المصري بتجارب عربية ودولية معاصرة، والتقت الخشبة بالبحث الأكاديمي والتدريب العملي، لتتأكد مكانة المهرجان بوصفه مساحة للحوار والتجريب والتبادل بين التجارب المسرحية المصرية والعربية والدولية.
وتواصلت فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، التي انطلقت في الأول من سبتمبر وتستمر حتى 8 سبتمبر 2026، من خلال عروض المسابقة الرسمية، والبرنامج الفكري، والورش التدريبية، والفعاليات الموازية والإصدارات المتخصصة في قضايا المسرح والتجريب.
---------------------------
أمنية طلعت المصري









