07 - 09 - 2026

ديوان "أنثى السحَّر".. برائحة الحُبِّ وعبقِ الصيف

ديوان

تتميَّز قصائد الحب عند "سحر الهنيدي بالمر" الكاتبة والشاعرة البريطانية الفلسطينيَّة.. بلغة وجدانية شفافة تجمع بين عمق المشاعر والتأمل الفلسفي، وتتجلىٰ هذه التجربة بوضوح في ديوانها الشعري العربي الأول «أُنثىٰ السَّحَر» الصادر عام 2026.

تبدو ملامح تجربة الحُب في شِعرها كلقاءات فارقة مصحوبة بصور الماضي وعمق الأثر، حيث لا تنظر الشاعرة إلىٰ الحُب كحدث عابر؛ بل كتجربة تخترق الوجدان وتترك أثرًا أبديًّا..

تعبر عن ذلك في مقتطفات من ديوانها قائلةً:

«بعض اللقاءات تمرُّ في حياتنا، وبعضها يخترق القلب ويترك أثرًا لا يزول».

نلاحظ في بعض القصائد التأرجح بين الرغبة والذكرىٰ، إذ يمتزج الحُب في قصائدها بجدلية الحضور والغياب، حيث تصبح اللحظات العاطفية محمَّلة بأسئلة الوجود والتحوّل، وما إذا كان الحُب سيحمل الإنسان بعيدًا أم يذيب هويته القديمة.

وتتجلَّىٰ مهارتها في التعبير الهادئ وعبر الاقتصاد اللغوي الملفت، إذ تبتعد قصائدها عن المبالغات الإنشائية، وتعتمد علىٰ بناء هادئ وصور شعرية دقيقة تحمل طبقات دلالية عميقة دون حشو، مما يمنح نصوصها صبغة النثر التأملي تارة والشعر الوجداني تارة أخرى.

تبرز في نصوصها ملامح الحرية العاطفية والمشاعر المعجونة بالأنوثة، إذ تمثل الكتابة عن الحُب والاشتياق مساحة من التحرر الرُّوحي، حيث تعيد الشاعرة من خلالها صياغة مفهوم القرب والاتصال الإنساني بناءً علىٰ وعي عميق، وليس مجرَّد اندفاع عاطفي محض.

يتجلَّى الحنين في ديوان "أنثىٰ السحر" كقيمة وطنية وإنسانية عميقة تندمج فيها الذات بالوطن، فلا يقتصر الحنين في قصائدها علىٰ البكاء علىٰ الماضي، بل يتحوَّل إلىٰ أداة للتأمل الفكري والتمسك بالهوية.

ومن أهمِّ مظاهر وأبعاد الحنين في تجربتها الأدبية يستوقفنا الحنين الممضُّ إلىٰ الوطن والمدن المقدسة والأماكن المسكونة بخيالات الماضي ونوستالجيا الحُبِّ الأوَّل.. فالقدس في وجدان الشاعرة مدينةٌ مصنوعةٌ من حرير الأحلامِ وغيمها، ويمثل الحنين إليها محورًا أساسيًّا في شعرها.

تسير في "درب الحنين" نحو المدينة، مستحضرةً تاريخها وقداستها ومياهها لتخفيف وجع الفراق عبر التوحد الصوفي بالمدينة، وربط ذكرياتها برباط وثيق، حيث يمتزج كيان الشاعرة بالوطن فيصبحا كيانًا واحدًا.

يظهر الحنين في هذا الديوان ممزوجًا أيضًا بمرارة الوجع، إذ تصفه الشاعرة بأنه ألمٌ خفيف يداعب الرُّوح، لكنه يبعث علىٰ الأمل والإنشاد من أجل البقاء.

وتميل فيه إلىٰ صياغة الحنين ببراءة وعفوية لغوية بعيدة عن التعقيد، مما يجعل مشاعر الشوق إلىٰ الوطن تنساب بسلاسة إلىٰ القارئ.

عصفور من بلدي

ينقر الوقت بأنغامٍ أعرفها

يغرد علىٰ صخرةِ نسيان

يحملُ غُصن زيتون

وصوت أمي الحنون

ودفء بيتي القديم

كما افتعلته ذاكرتي

تبعتُهُ، كما يتبعُ الظمآن

سرابًا في الأمل،

استوقفتني حدود تجاهلتها،

تجاهلتها لأني لا أعرفها

لم يكن علىٰ خريطة الترحال

أدركتُ لحظتها أنها

ليستُ رحلة العودة.

يمتزج عنصر الحنين في قصائد الشاعرة بسراب العودة؛ إذ ركّزت في بعض قصائد الديوان علىٰ الألم الوجودي، مفسِّرةً كيف يعيش الفلسطيني حالة شوق دائم للأرض.

حصادُ الراحلين

نزرعُ الأشجار أينما نذهب

كرمةُ العنبِ تتسلق

لتُظلل سُفرة طعام

تجمعُنا جيلا بعد جيل

في ذاكرتِنا

نصنعُ أوعية فخارية،

تحمل زينتها هويتنا

مزخرفُةٌ برموزِ نعمةِ الحصاد

في تلك الأطباق

يبرقُ زيتُ الزيتون،

نغمسُ فيه خبز الطابون،

نحمدُ الله علىٰ بركة التينِ والبرتقال

ونتلذذُ بحصادِ هذا العام

رحلت أمي العام الماضي

ورحل كثيرون هذا العام

وكلَّ عامٍ، يرحلون

كان الحصادُ معدوما

احتجاجا على الراحلين

فشجرةُ الزيتونِ التي زرعتها أمي

لم تُثمر

وشجرةُ التينِ التي غرسها أبي

لم تُثمر

وشجرةُ النخيلِ التي غرستُها في حديقةِ جدتي

لم تُثمر

سنواصلُ عصر الزيتون

لنمسح به آلامنا

ونزخرفُ بأوراق الليمونِ

رؤوس أطفالنا

ونتطلع إلىٰ الحصادِ القادم

يتجلَّىٰ البعد الصوفي عند الشاعرة والكاتبة الفلسطينية "سحر الهنيدي بالمر" بشكلٍ أساسي في حالة الاندماج الكلي والتوحد الرُّوحي بين الشاعرة والوطن، وخاصة في عشقها لمدنٍ كالقدس وحيفا واللِّد والمدن المقدسة.

فالصوفية عندها ليست انعزالًا عن الواقع، بل هي وسيلة لتعميق الالتزام بالقضايا الإنسانية وتحويلها إلىٰ تجربة روحيَّة مقدسة.

ومن أبعاد هذه التجربة الصوفية في نتاجها الأدبي التوحُّد الصوفي بين الشاعرة والوطن، حيث يتجلَّى الوطن في ذات الشاعرة، وتصبح المعاناة الفردية جزءًا من وجدان الجماعة. ويضحي "العشق الصوفي" للمدن المقدسة شغف الروح، حيث تصف القدس بأنها "الأيقونة" التي تضيء القصيدة.

يظهر هذا بوضوح في أشعارها، وتمتزج قدسية المكان الديني بالهوية الوطنية والحُب، وهنا تنحني الكلمات للمقدسات في حالة أقرب إلىٰ المناجاة الصوفية.

تبحث الشاعرة في مفاهيم "الصوفية الكبرىٰ"، كالفناء في المحبوب والبقاء به عبر الكلمات، من خلال حزن القصيدة بوصفه طهارة روحية؛ فالحزن في شعرها يمثل انعكاسًا للألم الجماعي للشعب، حيث يتحوَّل جرح الوطن إلىٰ دافع للكتابة الروحية الملتزمة، ويوظِّف هذا الحزن لتطهير الذات بالحُب واللهفة والارتقاء بالحس الإنساني.

إلىٰ رَجُل

لا تَكُنْ مغرورًا

فالمسألة مجرَّد إعجابْ

وليسَت كما تظنُّ

بحثًا عن فتىٰ الاحلامِ في الضبابْ

فإن صَبَغتُ شَغفي، بلِونِ الهيامْ

لَسْتُ كطِفْلةً تَحُومُ حَوْلَ أستاذَ المدرسة

لتُقَّدمَ لهُ تفَّاحةً حمراءْ

فالحقيقة أنَّ بكَ غُموضًا ما يناديني

فتَغويني عيناكَ لأقْرَبُها

ولِأتَلَّمّس بِخَدّي، رُوَيْدًا – سِحْرُ كلامها

وأبحثُ بين رَجْفةِ صَوْتكَ

وشَعرِ ذقنِكَ.. عن ثَغركِ

لأضُّمَّهُ بِشَفَتيَ

وأُطلق العنان لِيديّْ

لِتَتَزَلَّجَ أصابعي

علىٰ تَضاريسِ جَسَدكَ

ومن يدري؟ إن كنتَ – محظوظًا

فقد أَنْصُبُ خَيْمَتي

علىٰ رُبوعِ أرضِكَ

افهَمْ أيُّها اللَّبيبُ

(قبلَ أن تَفرّ كالوليد):

أنَّ المسألة، مسألة جغرافيا

وليستْ في التاريخْ !

في كتابات الشاعرة لا تقتصر "لغة الحُب" علىٰ مفهومها الرومانسي التقليدي بين شخصين، بل تتحوَّل إلىٰ لغة حُب وطنية وإنسانية مقدسة عالية باذخة الجَمال، تمتزج فيها عاطفة العشق بالانتماء للأرض والهوية والتاريخ.

وتتجلَّىٰ لغة الحُب في قصائدها من خلال عدة أبعاد أساسية، منها حُب الأرض والمدن الفلسطينية؛ فهي حالمة وعاشقة من الطراز الرفيع تعبِّر في قصائدها عن عشق عميق للجَمال والوطن، حيث ترىٰ في التاريخ والبطولات ملامح الحبيب.

ويمتزج الغزل بالوطن، فتبدأ بعض قصائدها بأسلوب غزلي دافئ ورقيق، لكنه سرعان ما يتّحد مع نوستالجيا الطفولة وذكريات الوطن.

وتتجلَّى اللغة الوجدانية العميقة في الديوان، إذ تستخدم الشاعرة ألفاظًا فنية ورمزية تنقل القارئ من المعاني المادية البسيطة إلىٰ مستوى وجداني يحمل قضية إنسانية.

وحين نسأل الشاعرة عن سبب اختيارها بالعنوان «أنثىٰ» لا «امرأة» ؟.. تجيب بقولها: أردت كلمة تتجاوز الهوية الاجتماعية، وتلامس الأنوثة نفسها بما تحمله من غريزة وحضور وحسّية وهشاشة ورغبة وقوة.

وعن رحلتها مع القصيدة تقول:

بعضُ النّصوصِ لا تُكتب.. إنَّها تتجلّىٰ.. بالنسبة لي يبدأ الشِّعر في تلك اللّحظات الهادئة حين يتوقَّف العقل عن محاولة تفسير كلِّ شيء، ويصبح شيءٌ في الدَّاخل واضحًا فجأة.. تظهر هذه النصوص في تلك الساعات السَّاكنة حين يتعرَّف الوعي إلىٰ نفسه في نظرةٍ؛ أو ذكرىٰ؛ أو إحساسٍ أُسيءَ فهمه يومًا.

كتبتُ هذه المجموعة بالعربيَّة -رغم جنسيتي وإجادتي للإنجليزية- لأنّ العربيَّة تحمل صمتًا مختلفًا، وفي ذلك الصّمت تجد بعضُ الإدراكات شكلًا آخر.

هذا الديوان الجميل بحثٌ عن الدهشة والجَمال والحُب والفرح؛ فهنا قصائد حقيقية طازجة تضيء الحياة بلهفتها وصدقها ونضجها، باحثة عن عناقات أبدية وأحلام وردية.. هنا مزامير للحُب وللعشق، ورغبة بيضاء شفافة مطرَّزة بالشوق والحنين.
________________
بقلم: نمر سعدي
* شاعر وناقد فلسطيني مقيم في الجليل.