15 - 09 - 2026

العلاقات الصينية المصرية تنطلق من جديد عند محطة السبعين عاما

العلاقات الصينية المصرية تنطلق من جديد عند محطة السبعين عاما

بعد سبعين عاما من مسيرة العلاقات الثنائية، لم يعد ما يستحق التوقف عنده هو طول هذه المسيرة فحسب، بل ما إذا كانت الثقة السياسية المتراكمة على مدى عقود قادرة على التحول بصورة مستمرة إلى قدرة تنموية تتجه نحو المستقبل. وفي الأول والثاني من سبتمبر، أجرى الرئيس الصيني شي جين بينغ زيارة دولة إلى مصر تلبية لدعوة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وجاءت الزيارة بعد عشر سنوات من آخر زيارة للرئيس شي إلى مصر، بالتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وعقد الرئيسان مباحثات رسمية، وأصدرا بيانا مشتركا بشأن مواصلة تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة، كما شهدا توقيع عدد من وثائق التعاون في مجالات البناء المشترك لمبادرة "الحزام والطريق"، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد والتجارة، وسلاسل الصناعة والإمداد. وهكذا ربطت هذه الزيارة بين رصيد سبعين عاما من العلاقات وبين خريطة التعاون في المرحلة المقبلة، لتقف العلاقات الصينية المصرية عند نقطة انطلاق جديدة تصل الماضي بالمستقبل.

 

لماذا حافظت العلاقات الصينية المصرية على تطورها السليم والمستقر رغم التحولات المتكررة في المشهد الدولي؟ يكمن الجواب أساسا في أن الطرفين لم يحددا علاقتهما يوما على أساس مصالح قصيرة الأجل. ففي عام 1956، أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية. وعلى مدى سبعين عاما، تغيرت مراحل التنمية والبيئة الخارجية للبلدين، بينما واصل الأساس السياسي القائم على الاحترام المتبادل والدعم المتبادل ترسخه. وقد لخص الرئيس شي خلال هذه الزيارة السمات البارزة للعلاقات الصينية المصرية في "المساواة والثقة المتبادلة، والصداقة والتعلم المتبادل، والتكاتف في مواجهة التحديات، والتعاون المربح للجانبين". ولا يمثل ذلك تلخيصا للماضي فحسب، بل يكشف أيضا المنطق العميق وراء استقرار العلاقات الثنائية على المدى الطويل: احترام المصالح الجوهرية لكل طرف وخياره المستقل لمسار التنمية، وتوسيع نقاط التلاقي في المصالح من خلال التنمية المشتركة. واستمرارية هذه الثقة السياسية هي التي وفرت توقعات مستقرة للتعاون في مختلف المجالات.

 

ومن أبرز الرسائل التي حملتها هذه الزيارة أن الثقة السياسية تتحول إلى تعاون تنموي أكثر تكاملا ومنهجية. فقد أكد البيان المشترك دعم توسيع التعاون في مجالات الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والتصنيع المحلي، إلى جانب التوسع نحو مجالات السيارات الكهربائية، وبناء السفن، وتحلية المياه، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، وتطبيقات الفضاء. وبينما يواصل التعاون التقليدي في البنية التحتية والنقل والطاقة ترسيخ الأساس، تفتح الصناعات الخضراء والتقنيات الرقمية مساحات جديدة للنمو. ومع ذلك تتغير أيضا معايير قياس عمق التعاون الصيني المصري: فلم يعد السؤال في المستقبل يقتصر على عدد المشروعات التي تنفذ أو حجم التجارة الذي يتحقق، بل يمتد إلى قدرة التعاون على بناء صناعات وتكنولوجيا وكفاءات بشرية وقدرة مستدامة على خلق القيمة.

 

ويتجلى هذا التحول أولا على المستوى الصناعي. ففي عام 2025، بلغ حجم التجارة الثنائية بين الصين ومصر 20.79 مليار دولار، مسجلا رقما قياسيا جديدا، فيما حافظت الصين على مكانتها كأكبر شريك تجاري لمصر للعام الرابع عشر على التوالي. لكن بالنسبة إلى مصر التي تمضي في تنويع اقتصادها والارتقاء بقاعدتها الصناعية، فإن نمو التجارة ليس الغاية الوحيدة. فقد أكد الرئيس السيسي خلال المباحثات أن توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا يمثلان أولوية في تعاون البلدين، كما أعلن إطلاق المرحلة الثالثة من توسعة المنطقة الصناعية الصينية المصرية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يوسع التعاون في صناعات الطاقة المتجددة والسيارات والمنسوجات والألياف الكيميائية. ويعكس هذا التوجه المصري الواضح سؤالا أعمق بات في صميم التعاون بين البلدين: كيف يمكن تحويل الاستثمارات والمشروعات إلى قدرة صناعية وطنية مستدامة على المدى الطويل؟

 

وتقدم منطقة تيدا السويس للتعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر نموذجا ملموسا لهذا التحول. فحتى نهاية يونيو الماضي، استقطبت المنطقة أكثر من 200 شركة، بإجمالي استثمارات تجاوز 4.7 مليارات دولار، ووفرت بصورة مباشرة أكثر من عشرة آلاف فرصة عمل، فيما تجاوزت نسبة العمالة المحلية 90 في المئة. فالمشروع الواحد قد يلبي حاجة واقعية محددة، أما التجمع الصناعي فيخلق تراكما مستمرا في المعدات وسلاسل الإمداد والتدريب التقني والخبرات الإدارية وفرص العمل المحلية. ومن انتقال "المشروعات إلى أرض الواقع" إلى "ترسيخ القدرات داخل الاقتصاد المحلي"، تتبلور إحدى أهم التحولات التي تستحق المتابعة في مستقبل التعاون الصناعي بين الصين ومصر.

 

وعلى مستوى أعمق، ينتقل التعاون بين البلدين من الربط بين المشروعات إلى المواءمة المنهجية بين استراتيجيات التنمية. فقد دعا البيان المشترك إلى تعميق المواءمة بين البناء المشترك لمبادرة "الحزام والطريق" و"رؤية مصر 2030"، ودعم مصر في أن تصبح مركزا إقليميا للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي، يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا. وتمتلك مصر قناة السويس، أحد أهم الممرات الملاحية العالمية، إلى جانب موقع جغرافي قادر على الإشعاع نحو آسيا وأفريقيا وأوروبا، بينما تمتلك الصين منظومة صناعية متكاملة، وقدرات تصنيعية ناضجة، وتجهيزات تكنولوجية متقدمة، وسوقا ضخمة. وإذا تعمق التكامل بين مزايا الجانبين عبر توطين الصناعة والتعاون في سلاسل الإمداد وتنمية الكفاءات البشرية، فقد تتحول مكانة مصر كمحور جغرافي بصورة أكبر إلى ميزة صناعية وموقع متقدم في سلاسل القيمة، لينتقل التعاون الصيني المصري من مجرد الترابط إلى تحقيق النجاح المشترك.

 

ويشكل انفتاح الأسواق ركيزة أخرى لبناء هذه القدرات. فقد أكد الجانبان خلال الزيارة دعمهما لتجارة ثنائية أكثر توازنا، وتشجيع دخول مزيد من المنتجات المصرية عالية الجودة إلى السوق الصينية، إلى جانب توسيع استخدام العملتين المحليتين في التجارة والاستثمار. وكانت البرتقال المصري من بين أولى المنتجات الأفريقية التي دخلت السوق الصينية بعد تطبيق الصين سياسة الإعفاء الجمركي على الدول الأفريقية التي تربطها بها علاقات دبلوماسية. ولا تكمن قيمة السوق الكبيرة في زيادة الصادرات وحدها، بل في قدرة الطلب المستقر على دفع تحسين معايير المنتجات، ورفع قدرات التصنيع والمعالجة، وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد. وحين تتصل حلقات الاستثمار والتصنيع والتصدير تدريجيا، تصبح التجارة جزءا أعمق من عملية التنمية الوطنية نفسها.

 

ولا يمكن فهم المرحلة الجديدة من العلاقات الصينية المصرية من الزاوية الاقتصادية وحدها. فمصر تقع عند ملتقى الشرق الأوسط وأفريقيا والبحر المتوسط، ولذلك يرتبط السلام الإقليمي مباشرة بتنميتها الوطنية، كما يؤثر في الملاحة بالبحر الأحمر واستقرار سلاسل الإمداد العالمية. وخلال المباحثات، طرح الرئيس شي بناء هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط، مؤكدا أن تحقيق الأمن والاستقرار الدائمين في المنطقة يعتمد في جوهره على التنمية. ومن جانبه، أكد الرئيس السيسي التزام مصر بتسوية الأزمات عبر السبل الدبلوماسية وتحقيق الأمن والتنمية في المنطقة، واستعدادها لمواصلة تعزيز التنسيق مع الصين. وهكذا أعاد التوافق بين الرئيسين الربط بين الأمن والتنمية: فالسلام يحتاج إلى حلول سياسية، لكنه يحتاج أيضا إلى فرص العمل والصناعة والتنمية كدعائم طويلة الأجل. ومن هذا المنظور، يسهم تعميق التعاون التنموي بين الصين ومصر في بناء أسس أكثر صلابة لبيئة إقليمية مستقرة.

 

كما تمنح الأدوار المتعددة لمصر هذه العلاقات دلالات تتجاوز الإطار الثنائي. فمصر دولة محورية في العالم العربي وأفريقيا، وعضو في آلية تعاون بريكس، وقوة مهمة في الجنوب العالمي، وهي بذلك تشكل حلقة وصل بين التعاون الصيني العربي والتعاون الصيني الأفريقي والتعاون الأوسع بين دول الجنوب. وقد أكد البيان المشترك أن الجانبين سيعززان التنسيق في إطار الأمم المتحدة وبريكس، وكذلك ضمن آليات التعاون الصيني العربي والصيني الأفريقي. ويمكن للممارسات التي تتبلور بين الصين ومصر في مجالات توطين الصناعة والتحول الأخضر وبناء القدرات الرقمية أن تمتد عبر أطر تعاون أوسع، كما أن المواقف المشتركة للبلدين بشأن الحق في التنمية والاستقلال الاستراتيجي والتعددية تسهم في إيصال مطالب الدول النامية بصورة أكثر فاعلية إلى أجندة الحوكمة العالمية.

 

قبل سبعين عاما، فتح إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر بابا مهما أمام علاقات الصين الجديدة مع الدول العربية والأفريقية. وبعد سبعين عاما، انتقلت العلاقات بين البلدين من رصيد الصداقة التاريخية إلى تعاون شامل أكثر نضجا وأعمق مضمونا من الناحية الاستراتيجية. وقد رسمت زيارة الرئيس شي إلى مصر، وما لقيته من استجابة إيجابية من الرئيس السيسي، اتجاها واضحا للمرحلة المقبلة: ثقة متبادلة على المستوى السياسي، وتمكين متبادل في مسيرة التنمية، وتنسيق أوثق في الشؤون الإقليمية، وعمل مشترك لحماية الحقوق والمصالح المشروعة للدول النامية في الحوكمة العالمية. وفي عالم تتزايد فيه الاضطرابات والانقسامات، تجاوزت قيمة العلاقات الصينية المصرية حدودها الثنائية. وعند نقطة البداية الجديدة للذكرى السبعين، تنطلق الصين ومصر مجددا يدا بيد، ليس فقط لمواصلة كتابة تاريخ الصداقة والتعاون بينهما، بل أيضا لتقديم إجابة عملية، من خلال التنمية المشتركة، عن قضية مشتركة يطرحها عصرنا: تجاوز منطق المحصلة الصفرية، والسير نحو التحديث من خلال النجاح المتبادل، وبناء مستقبل أكثر سلاما وعدالة وازدهارا عبر التضامن والتعاون.

…………………………………….

بقلم / نور يانغ إعلامي صيني

 

مقالات اخرى للكاتب

عشرون عاما من بريكس: الجنوب العالمي ينتقل من المشاركة في القواعد إلى صياغتها