06 - 09 - 2026

هدي الرسول ﷺ في معالجة المشكلات الأسرية

هدي الرسول ﷺ في معالجة المشكلات الأسرية

على ضفاف البحيرات وشواطئ البرك، تتدلى من سعف النخيل أعشاش طيور الحباك، تنسجها الذكور والإناث في براعة فنية بديعة، مدفوعة بغريزة التكاثر، فتغدو تلك الأعشاش المعلقة تتهادى في مهب الريح، وكأنها لوحات حية نسجتها أنامل الطبيعة.

وكذلك الرجل والمرأة، يلتقيان في ربيع الشباب، ويقترن أحدهما بالآخر ليؤسسا معا عش السكينة، وموطن الطمأنينة، وواحة الأنس التي تسمى الأسرة. ومن رحاب الأسرة توضع اللبنة الأولى في صرح الحضارة الإنسانية. وقد صور القرآن الكريم هذه المرحلة العذبة من حياة الإنسان تصويرا بديعا، تتعانق فيه روعة البيان مع عمق المعنى، فقال تعالى:

﴿وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الروم: ٢١]

وفي ضوء هذه الآية الكريمة، يقوم بناء الأسرة، ومن ورائها بناء الحضارة الإنسانية على ركنين أصيلين: المودة والرحمة.

ففي عنفوان الشباب وذروة حيويته، ينجذب الرجل والمرأة أحدهما إلى الآخر، ويكون الحب والمودة الكامنان وراء الغريزة الجنسية من أبرز بواعث هذا الانجذاب. فإذا أقبل المرض، أو امتدت بهما رحلة العمر إلى الشيخوخة خفت بواعث الجسد، وبقيت الرحمة والرأفة والعطف رباطا وثيقا يصل بين القلبين، ويشد أحد الزوجين إلى الآخر. في الإسلام، حين يعقد الرجل والمرأة ميثاق الزواج، ويشهدان الله على عهدهما تتنزل على حياتهما هبة من السماء، قوامها المودة والرحمة. ومن رحاب هذه الهبة الربانية يولد دفء الأسرة، وينشأ البيت الجميل، وتوضع اللبنات الأولى في بناء المجتمع وصرح الحضارة الإنسانية. غير أن لعنة واحدة قد تتسلل إلى هذا البنيان المتناسق، فتعصف به، وتهدم أركانه، وتزلزل الأسرة التي تمثل القاعدة الأولى للعمران الإنساني، فتغدو الآمال أحلاما محطمة، وتتبدد تطلعات المستقبل، وتكتنف حياة الأبناء سحب قاتمة من الضياع.

وبفعل هذه اللعنة، باتت أسر كثيرة اليوم على الرغم من البريق الخلاب للحضارة الحديثة وزخرفها الآسر، تكتوي بنيران الشقاء الأسري، وتتجرع مرارة العذاب في صمت. فقد ينشأ الطفل وهو لا يدري من أبوه، بل قد لا يعرف إلى أي رجل ينتسب، فلا يبقى له من هوية النسب إلا أمه، ولا يجد اسم الأب سبيله إلى أوراق هويته. ولمواساة الأبناء الذين نشأوا محرومين من الأبوة، تقام مناسبات يوم الأب. ثم يكبر الطفل، وقد يترسخ في ذهنه تصور مؤلم للحياة: أن رجلا وامرأة التقيا طلبا للمتعة، فكان مجيئي، أو مجيئنا إلى هذه الدنيا ثمرة لذلك اللقاء. فإذا كانت الحياة متعة ينبغي اقتناصها، فلماذا لا نسلك نحن أيضا الطريق ذاته؟

يروي أحد الصحفيين، واصفا مشهدا مسائيا في إحدى حدائق الترفيه ببلد أوروبي، فيقول: ما إن تخفت وطأة الشمس، ويميل النهار نحو الغروب، حتى يتوافد إلى الحديقة مئات الشيوخ والمسنين، وفي يد كل واحد منهم حبل يمتد طرفه الآخر إلى كلب أليف، اتخذه صاحبا يؤنس وحشة أيامه، ورفيقا وحيدا في حياة أثقلتها العزلة.

فإذا أدرك الموت أحدهم يوما وهو وحيد في شقته الفاخرة الموحشة، كان له من ذلك الكلب ما يحول دون أن تظل جثته مهملة حتى تتعفن وتفوح رائحتها، إذ يخرج الكلب إلى الخارج وينبح، فتأتي الشرطة، وتعثر على الجثمان، وتتولى أمر دفنه. وهكذا يصبح الكلب آخر رفيق في رحلة العمر، وآخر ما يعول عليه الإنسان في خريف حياته. ولعلنا لا ندرك حق الإدراك ما ينعم به شيوخنا وعجائزنا في مدننا وقرانا من سكينة وهناء، وهم يعيشون بين أبنائهم وبناتهم وأحفادهم، تحف بهم وجوه الأهل وتغمرهم أجواء الأسرة، حتى نسمع تلك الحكايات الموجعة والآهات الحرى التي تتصاعد من صدور مسنين أهملهم أبناؤهم وبناتهم من ذوي التعليم الحديث في الأحياء الراقية بالعاصمة ممن نشأوا في ظلال الحضارة الغربية، فانتهت بهم رحلة العمر إلى الاحتماء بجدران دور المسنين. أما اللعنة التي نعنيها، فهي اهتزاز الثقة بين الزوجين، واستبداد الشك والريبة بقلب كل منهما تجاه الآخر. وهذه الآفة إنما تنشأ من العلاقات المحرمة خارج ميثاق الزواج، ومن تعلق الرجل بامرأة أجنبية، أو تعلق المرأة برجل أجنبي، ومن رحم هذا الانحراف يولد الشك، وتتصدع جسور الثقة، وتطل تلك اللعنة برأسها لتغدو أصلا للمشكلات التي تنغص صفو الحياة، وتعكر سكينة البيت والأسرة. ومن هنا جاء هدي النبي ﷺ حازما في سد الطرق المفضية إلى هذه الآفة، فعد كل علاقة جنسية خارج إطار الزواج زنا وفاحشة، وجعل لها من العقوبة ما يردع عنها ويحول دون استفحالها. وقد جاء خطاب القرآن الكريم في التحذير من هذا الطريق مؤثرا بالغ الدلالة، فقال تعالى:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [سورة الإسراء : ٣٢]

وإنما يدرك حقيقة المودة والرحمة اللتين أودعهما الله في الحياة الزوجية، ويتذوق حلاوتهما، أولئك الذين صانوا حياتهم من دنس العلاقات المحرمة وإثم الزنا. وليس غريبا أن تعترض الحياة الزوجية سحابة عابرة من خلاف، أو سوء تفاهم، أو عتاب وجفاء، فذلك مما يجري في طبائع البشر. وقد يبدو للزوج في بعض الأحوال، عيب من عيوب زوجته أو تقصير من تقصيرها عظيما في عينه حتى يضيق به صدره، وتلقي تلك النظرة على حياته الزوجية ظلالا من الكدر والأسى.

وفي مثل هذه اللحظات، يفتح الله تعالى أمام الزوج نافذة أخرى للنظر، ويوسع له أفق التأمل، حتى لا يحبس نظره في موضع النقص وحده، ولا يجعل من عيب واحد ستارا يحجب عنه سائر المحاسن. وفي ذلك يقول الله تعالى في كتابه الكريم:

وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ) [سورة النساء: ١٩]

وقد جاء في الحديث الشريف تفسير هذا المعنى على النحو الآتي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ:

لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ. رواه مسلم.

وإذا اشتد نشوز الزوجة وعصيانها، فقد رسم النبي ﷺ طريق معالجة الأمر في إطار العتاب والهجر، فأرشد إلى إظهار الغضب منها، وهجر فراشها عند الحاجة على ألا يخرج الزوج من البيت فيبيت خارجه. وإذا بلغ عصيانها حدا يستدعي التأديب، فليؤدبها غير أنه لم يؤذن له أن يضربها على وجهها.

فإذا تفاقم الخلاف، وأوشكت العلاقة الزوجية أن تنقطع كان سبيل الإصلاح أن يتولى أمر الصلح رجلان عاقلان من الطرفين، يسعيان إلى التوفيق بين الزوجين وإزالة أسباب الشقاق. وليكن معلوما أن الطلاق طريق بديل شديد الكراهة عند الله تعالى. وقد تنشأ في الحياة الزوجية مشكلة أخرى حول مقدار أهمية الزوج أو الزوجة ومكانة كل منهما في حياة الآخر. وقد وضع الله تعالى لهذه المشكلة حلا حين بين منزلة كل واحد منهما ودوره، فقال سبحانه:

﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [سورة البقرة: ١٨٧]

فاللباس يحمي الإنسان من برد الشتاء وحر الصيف وتأثيرات المناخ، ويصون خصوصيته، ويبرز جمال جسده، كما يظهر أمام المجتمع شخصيته ومكانته. وهكذا يبين الله تعالى أن الزوج والزوجة يؤدي كل منهما في حياة الآخر دورا بالغ الأهمية كأهمية اللباس للإنسان.

وقد عبر الحديث الشريف عن هذه الأهمية بأسلوب آخر:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال رسول الله ﷺ:

كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْأَمِيرُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. [متفق عليه].

ولإدراك دور الزوج والزوجة في الأسرة في ضوء القرآن والسنة، نستعين بمثال يقرب الصورة إلى الأذهان. فإذا شبهنا الأسرة بشركة لها مصنع، كان الزوج بمنزلة رئيس مجلس إدارتها، يتولى السعي في شؤونها الخارجية، وتوسيع أعمالها التجارية، وتسويق منتجاتها. أما الزوجة فتتولى الإدارة الداخلية للمصنع، والإشراف على الإنتاج، وإدارة العمال وسير العمل. وبعبارة موجزة: الزوج رئيس الأسرة، والزوجة مديرتها.

وما هي إلا أيام حتى يصدح عش طائر الحباك، المتهادي مع نسمات الريح بزقزقات صغيرة تنبض بالحياة. وكذلك عش الأسرة الإنسانية، المتهادي بين أغصان الأذرع، لا يلبث أن يشرق فيه قمر من السماء، قمر يتهادى في حضن أمه، ويغمر بنوره أرجاء البيت، فيملؤه إشراقا وحياة. وقد بين الحبيب المصطفى محمد ﷺ كيف يستقبل هذا الضيف السماوي، فيحلق شعر المولود، ويتصدق بوزنه فضة أو ذهبا، أو بقيمته، ويختار له اسما جميلا ينسجم مع الإيمان بالله ورسوله والتراث الإسلامي. ولهذا الضيف الجديد حفاوة استقبال واحتفاء، تقام له مناسبة يقدم فيها الطعام، ويجتمع الأقارب وذوو الأرحام ليتقاسموا فرحة قدومه، وتلك هي العقيقة. وبعد انقضاء هذه المراسم، تبدأ مسؤولية الوالدين في صياغة مستقبل الطفل، فعليهما أن يتعهدا سلوكه وأخلاقه وشخصيته بالبناء والتقويم، وأن ينميا حياته على هدي الفطرة، حتى يغدو في مستقبل أيامه أهلا لتحقيق إرادة الخالق العظيم ومشيئته في هذه الأرض. وقد قال النبي الكريم ﷺ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ. [متفق عليه ]

والفطرة هي الدين الذي فطر الله الإنسان عليه دين الإسلام. فإذا أتيح للطفل أن ينشأ نشأة طبيعية بعيدا عن تأثيرات البيئة المحيطة نما وفي أعماقه معرفة خالقه والاستعداد لطاعته، ونشأ مؤمنا بوحدانية الله، موحدا مسلما. وتلك هي الدلالة التي يحملها هذا الحديث. وفي هذا الحديث يحث النبي ﷺ الوالدين على أن يحسنا تعليم أبنائهما وتربيتهم، وأن يعرفاهم بخالقهم، ويصوغا أخلاقهم وشخصياتهم صياغة حسنة، ويهيئا لهم سبيل النشأة ليشبوا مؤمنين مسلمين صادقين، يبنون حياتهم على مكانة خليفة الله في الأرض ويضطلعون بدوره.

الأبناء نعمة جليلة من نعم الله تعالى غير أن بعض الناس قد يتوهم أن الابن وحده نعمة، وأن البنت عبء يثقل كاهل الأسرة. وقد بين النبي ﷺ في غير حديث فضل البنات، وأنهن سبيل إلى الجنة، وحذر من تفضيل البنين على البنات في المحبة والعطايا.

وليس كل من يعيش في كنف الأسرة قادرا على الكسب، ولا يتأتى ذلك للجميع، فقد يكون فيها أرملة، أو عاجز، أو ذو إعاقة، فلا ينبغي أن ينظر إلى هؤلاء على أنهم أعباء تثقل كاهل الأسرة. عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

ابْغُونِي الضُّعَفَاءَ، فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ. [رواه الترمذي] .

ولعل من أعظم ما تواجهه الحياة الأسرية من مشكلات ما يطرق أبوابها عند الشيخوخة حين يغدو الشباب ذكرى بعيدة من ذكريات الماضي، وتنقطع موارد الكسب، وتتوالى الأسقام والأوجاع حتى يثقل الإنسان على نفسه، ويضيق مزاجه ويشتد طبعه، فلا يجد مناصا من أن يعتمد على غيره، ويغدو عبئا عليه. ولهذه المرحلة لا تقدم الحضارة الغربية إلا حلا واحدا: دار المسنين حيث يقضي المرء ما تبقى من أيامه، ويمضي شيئا فشيئا نحو الموت. إن الحل الذي قدمه الإسلام لهذه المشكلة يظل، حتى يومنا هذا مما يحق للمسلمين أن يفخروا به أمام العالم. وتأملوا صورة المجتمع في بنغلاديش، قد لا نملك وفرة في المال، ولكننا نملك رحابة في القلوب. فالأجداد والجدات من جهة الأب ومن جهة الأم، يعيشون بين الأبناء وزوجاتهم والأحفاد والحفيدات في مشهد يكاد يكون مجلسا من مجالس الجنة. وهذه الأسرة التي تظللها أفياء حنان الوالدين وعطفهما، وذلك البيت الدافئ بأواصر القربى هما في العالم الغربي أشبه بحلم بعيد المنال.

وقد استمد مجتمعنا هذه النعمة من تعاليم الله ورسوله ﷺ. فقد بين النبي ﷺ أن الوالدين باب إلى الجنة أو النار، فإذا رضيا عن ولدهما كان رضاهما سبيلا إلى الجنة، وإن كان الأمر على خلاف ذلك كانت النار في انتظاره. كما ورد أن الجنة تحت أقدام الأمهات. وقد رسم الله تعالى للإنسان في وضوح ودقة منهج التعامل مع الوالدين في كل لحظة من لحظات الحياة، ولا سيما حين يدركهما الكبر، فقال سبحانه:

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ۝ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. [سورة الإسراء: ٢٣- ٢٤]

فلنعمل ابتغاء أن نصوغ حياتنا الأسرية في أجواء ترفرف عليها نسمات الجنة على إحياء هذه التوجيهات الربانية والنبوية في المساجد والمحافل، وإدراجها في مناهج التعليم ومقرراته وكتبه الدراسية.
-------------------------------
بقلم: د. عيسى الشاهدي
ترجمة: أحمد شوقي عفيفي


مقالات اخرى للكاتب

هدي الرسول ﷺ في معالجة المشكلات الأسرية