06 - 09 - 2026

"التجريبي 33" يفتح نوافذ المسرح العالمي بين العروض والبحث والتدريب

- العطار وغايات يستعرضان تجربة العمل خارج مصر.. و«الجيو-مسرحي» يعيد تعريف علاقة المكان والمتفرج بالأداء

شهدت فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، أمس الجمعة 4 سبتمبر، يومًا حافلًا بالعروض الدولية واللقاءات الفكرية وورش التدريب، اتسعت خلاله خريطة المهرجان لتشمل أسئلة المسرح المعاصر، وعلاقة الفنان المصري بالمشهد الدولي، ودور المكان والجسد والمتفرج في إنتاج المعنى، إلى جانب الاحتفاء بحركة ترجمة المسرح العالمي إلى العربية.

وتوزعت فعاليات اليوم بين عدد من مسارح القاهرة، ضمن دورة يقودها الدكتور سامح مهران، وتقام خلال الفترة من 1 إلى 8 سبتمبر، وتضم عروضًا من مصر ومختلف دول العالم، إلى جانب برنامج فكري وورش تدريبية وفعاليات موازية وإصدارات متخصصة في قضايا المسرح والتجريب.

وكان من أبرز محاور اليوم عرض «سلمى حبي أنا» ضمن برنامج «من القاهرة إلى مسارح العالم»، إلى جانب العرضين الدوليين «لياوتشاي: الذيل الأرجواني» من الصين و«Zhenya + Tanya = Love» من بيلاروسيا، فضلًا عن مجموعة من الندوات والورش التي طرحت أسئلة تتجاوز حدود العرض المسرحي إلى بنية الإنتاج والتلقي وعلاقة الفن بالمجتمع.

"سلمى حبي أنا".. الجيل الجديد في مواجهة عالم مضطرب

استضاف مسرح الفلكي، أمس، عرض «سلمى حبي أنا»، في إطار برنامج «من القاهرة إلى مسارح العالم»، وهو عمل من تأليف وإخراج أحمد العطار، وجاء ضمن تجربة إنتاجية وفنية تجمع عناصر مصرية ودولية، وتعكس امتداد تجربة المخرج المصري خارج الحدود، وما تتيحه الشراكات الدولية من تبادل للخبرات والرؤى والأساليب الفنية والإنتاجية.

وينطلق العرض من اهتمام أحمد العطار بالعائلة باعتبارها نموذجًا مصغرًا للمجتمع، يمكن من خلاله قراءة علاقات القوة والسلطة والقهر والطبقة. وفي «سلمى حبي أنا» انتقل هذا التصور إلى أسئلة الجيل الجديد، وتحديدًا جيل «زد»، وكيف يتعامل مع عالم مضطرب والأحداث التي يشهدها، وانعكاس ذلك على نظرته إلى المستقبل، خاصة في ظل ما يحدث في غزة.

وتدور الأحداث حول عائلة رجل الأعمال محمود النجار، التي تضم زوجته ناهد، وابنه كريم، وابنته الصغرى سلمى، إلى جانب الخادم صلاح والخادمة لولو أو لبنى. وتظهر العائلة بوصفها نموذجًا لطبقة فائقة الثراء، تكشف العلاقات داخلها عن تفاوتات واضحة في السلطة والنفوذ.

ويقدم الأب محمود النجار صورة رجل الأعمال الذي يدير شركاته من المنزل، بينما يظل خادمه صلاح ملازمًا له، منفذًا أوامره بصورة شبه آلية. أما الأم ناهد فتعيش علاقة متوترة مع زوجها، بينما يجسد الابن كريم جانبًا من الاستعراض المرتبط بالثروة والسلطة، وصولًا إلى تباهيه بمسدس مصنوع من الذهب كان في حوزة عدي صدام حسين ومحفورًا عليه اسمه.

وفي قلب هذه العائلة تظهر سلمى، ابنة الجيل الجديد، المنشغلة بصناعة المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال الأغاني، لتصبح الشخصية المحورية التي يقترب من خلالها العرض من أسئلة جيل «زد». وفي المقابل، تمثل لولو أو لبنى الطبقة الفقيرة التي تعمل لدى الأثرياء الجدد، لكنها تحمل أحلامًا تتجاوز موقعها الاجتماعي، بينما تنشأ بينها وبين كريم علاقة عاطفية.

ويعتمد العرض على إعادة صياغة مونولوجات سلمى من مقتطفات مستمدة من «هيكوبا» و«هرقل» و«إلكترا» ليوربيديس، إلى جانب «أنتيغون» لسوفوكليس، في محاولة لفتح حوار بين المأساة اليونانية وأسئلة الجيل المعاصر. كما توظف الموسيقى مقتطفات من «Cupid» لفرقة Fifty Fifty، و«المبدأ» لمروان بابلو، و«Anti-Hero» لتايلور سويفت، في مزج بين المرجع الكلاسيكي والثقافة الموسيقية المعاصرة.

ويشارك في بطولة العرض ليلة مجدي، ورمزي لينر، ومصطفى شاكر، وصلاح مراد، وكوثر محسن، وناندا محمد، فيما تولى حسن خان الموسيقى، وحسين بيضون تصميم الديكور، وتشارلي أستروم تصميم الإضاءة، وحسين بيضون ومحمد سبخاوي تصميم الملابس.

"لياوتشاي: الذيل الأرجواني" .. حكاية بين عالم البشر وأرواح الثعالب

وضمن عروض المسابقة الرسمية، شهد مسرح السلام عرض «لياوتشاي: الذيل الأرجواني» الصيني، في تجربة تنتمي إلى مسرح شيجو، وتمزج بين عالم البشر وعالم الخوارق، وتستند إلى عناصر من التراث الحكائي الصيني، في عرض تبلغ مدته 85 دقيقة.

وتدور الحكاية بين عالمين؛ ففي عالم البشر يقع تشياو شنغ في حب باي يو، ابنة أحد كبار المسؤولين، بينما تعيش الثعلبة آزي ورفيقها جيوشوانغ في عزلة داخل عالم أرواح الثعالب.

وعندما تتعرض آزي لعاصفة رعدية سماوية، ينقذها تشياو شنغ، فتقرر أن تهديه ذيلًا أرجوانيًا سحريًا قادرًا على تحقيق الأمنيات، تعبيرًا عن امتنانها له. ويحمل تشياو شنغ الذيل إلى عالم البشر، فيحقق بفضله نجاحًا كبيرًا ويتفوق في الامتحانات الإمبراطورية، قبل أن يرتب الإمبراطور زواجه من باي يو.

لكن ليلة الزفاف تكشف التعقيد الكامن خلف الحكاية؛ فعندما تشعر باي يو بوجود أمر غير طبيعي، يهرب تشياو شنغ، ليجد نفسه وحيدًا أمام الذيل الأرجواني، ممزقًا بين الحب والامتنان والرابطة الخارقة التي أصبحت جزءًا من مصيره.

ويستفيد العرض من تقاليد شيجو ومن المزج بين الشخصيات البشرية والشخصيات المنتمية إلى عالم الأرواح، فيما يتحول الذيل الأرجواني من مجرد عنصر سحري إلى رابط بين عالمين، ووسيلة لوضع البطل أمام نتائج اختياراته وما تفرضه الرغبات والروابط الإنسانية.

ويقدم العرض مسرح ووشي شيجو، الذي تأسس عام 1951، ويمتلك تاريخًا يمتد لأكثر من سبعة عقود، وارتبط بعدد من المدارس والأساليب المميزة في أداء شيجو. كما يضم رصيده أعمالًا مثل «معبد اللؤلؤ» و«مينغ ليجون» و«اليعسوب اليشمي» و«أغنية الزهرة الحمراء»، إلى جانب «لياوتشاي: الذيل الأرجواني». وتولى يو سيهان كتابة المسرحية، بينما أشرف لوه تشو على النص، وضم فريق العرض 15 مشاركًا، من بينهم هوي هايفنغ، ولي مينغهنغ، وتشّو يان، وفينغ جياو.

بيلاروسيا تعيد اكتشاف بوشكين في «Zhenya + Tanya = Love»

وعلى مسرح الأوبرا الصغير، قدمت بيلاروسيا ضمن المسابقة الرسمية عرض «Zhenya + Tanya = Love»، الذي أعاد تقديم عالم «يوجين أونجين» لألكسندر بوشكين من منظور مسرحي معاصر.

واعتمد العرض على معالجة تجمع بين التمثيل والحركة والكوميديا والرقص، ساعيًا إلى إعادة اكتشاف الشخصيات الأساسية في رواية بوشكين، وعلى رأسها تاتيانا لارينا ويوجين أونجين، باعتبار أن الحكاية لا تزال قادرة على التعبير عن مشاعر وتجارب إنسانية تتجاوز زمن كتابتها.

وتولت تاتيانا سامبوك الإخراج المسرحي، وصممت داريا فولكوفا المناظر والأزياء، فيما تولى كيريل بالتركوف الكوريغرافيا، وداريا غاربوزنياك التأليف الموسيقي. وشارك في البطولة غينادي غارانسكي في دور أونيغين، وإيكاترينا كريلوفا في دور تاتيانا، وأليسيا شتشور في دور أولغا، إلى جانب عدد من أعضاء فريق التمثيل.

"الجيو-مسرحي" .. المكان والجسد والمتفرج في قلب التجربة

وفي البرنامج الفكري، ناقشت ندوة «الجيو-مسرحي: المتفرج، السرد، المؤدي» العلاقة بين الفضاء المسرحي والمتفرج وفنون السرد والأداء، وكيف يمكن للمكان والجسد والبيئة أن تتحول إلى عناصر فاعلة في صناعة التجربة المسرحية.

وأدارت الندوة الدكتورة دينا أمين، بمشاركة المخرج والباحث الأكاديمي عبد الباري سعد من مصر، والباحث جورج هولندا من البرازيل، والباحث جون ناماي من كينيا، وكانت الجلسة من أوائل ندوات وأوراق البحث الدولية المقدمة باللغة الإنجليزية ضمن فعاليات المهرجان.

وأكد عبد الباري سعد أن القيود الإنتاجية لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها عائقًا أمام الإبداع، بل يمكن تحويلها إلى قوة دافعة للتجريب الجيو-مسرحي وإعادة التفكير في موقع المتفرج.

واستعرض تجربته في إخراج «Merrily We Roll Along» لستيفن سوندهايم وجورج فورث، والتي واجه فيها تحديًا يتمثل في وجود 26 شخصية إلى جانب ضيوف الحفلات والجمهور، مقابل تسعة ممثلين فقط من طلاب الجامعة ينتمون إلى أكثر من عشرين جنسية وثقافة. وبدلًا من محاولة خلق وهم بوجود أعداد كبيرة، أعاد التفكير في الوظيفة الدراماتورجية للجمهور، وجعله جزءًا حيًا من الحفلة.

أما جورج هولندا، فتوقف عند مفهوم المسرح بوصفه «فن اللحظة والحضور»، معتبرًا أن التجريب الحقيقي لا يقدم إجابات جاهزة، بل يترك المتلقي أمام الأسئلة والتأمل. وربط ذلك بحالة الإرهاق الناتجة عن فيضان المعلومات والانشغال الدائم بالمستقبل، مؤكدًا أن المسرح يمكن أن يعيد الإنسان إلى الحاضر، وإلى الجسد والحضور والانفتاح على الغموض.

وقدم جون ناماي بحثًا حول أسلوب «سيغانا» المستوحى من ممارسات شعب اللوا في كينيا، والذي يعتمد على الحركة والإيماءات والإيقاع الصوتي والنداء والاستجابة، بما يدمج الجمهور في عملية السرد.

ورأى ناماي أن نقل هذا الأسلوب إلى المساحات المفتوحة يصنع ما سماه «الأرض المشتركة»، حيث يصبح الراوي والجمهور والطبيعة جزءًا من الظروف نفسها، وتتحول الشمس والرياح والمياه والتضاريس إلى عناصر فاعلة في تشكيل العرض. كما استعرض مشروع «Two Lands, One Voice» الذي يبحث العلاقة بين الذاكرة البيئية والتاريخ الثقافي والأرض والماء.

الجغرافيا والجسد والعدالة الاجتماعية

واستكمل البرنامج الفكري أسئلته حول «الجيو-مسرحي» من خلال ندوة «الجيو-مسرحي بين العدالة الاجتماعية وجماليات الأداء»، التي ناقشت تحولات العلاقة بين الجغرافيا والجسد والمتفرج، بمشاركة تجارب بحثية من نيجيريا وألمانيا وبلغاريا.

وتناول الباحث النيجيري وفوندا إلهونغو مفهوم «العنف النفطي» وآثاره البيئية والسياسية والاجتماعية في دلتا النيجر، موضحًا أن التلوث وتدمير مصادر الصيد والزراعة وعسكرة المجتمعات والصراعات على الموارد تشكل جميعها وجوهًا للعنف.

وأكد أن جغرافيا دلتا النيجر لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد خلفية أو ديكور، وإنما بوصفها «مؤديًا مشاركًا» يؤثر في حركة الشخصيات وتكوين الصراع وإنتاج المعنى.

ومن برلين، قدمت نورا أمين بحثًا حول التجريب في الفنون الأدائية، مشيرة إلى أن التنوع الثقافي والهجرة والشتات أسهمت في إعادة تعريف مفهوم المتفرج والمشاهدة. ورأت أن التجريب الأدائي يمكن أن يحول المسرح إلى مساحة للعدالة الاجتماعية، بحيث يصبح الفنان والجمهور شريكين في إنتاج التجربة.

أما ويلي براجر من بلغاريا، فتناول مفهوم «الجسد كعملة» في الفنون الأدائية والرقص المعاصر، موضحًا أن الجسد أصبح حاملًا لقيم اقتصادية وثقافية وسياسية واجتماعية، وأن انتقاله بين المهرجانات والإقامات والإنتاجات المشتركة يجعله جزءًا من عملية إنتاج القيمة الفنية.

العطار وغايات.. المسرح المصري في مواجهة العالم

وفي إطار برنامج «الاحتفاء بالمخرج المصري»، عقد المهرجان أمس ندوة جمعت المخرجين أحمد العطار وعمر غايات، وأدارها المخرج هاني عفيفي، لمناقشة تجاربهما في العمل المسرحي داخل مصر وخارجها.

استعاد العطار بدايته مع الفن، موضحًا أنه كان محبًا للسينما منذ طفولته، وأنه التحق بالجامعة الأمريكية لدراسة علوم الكمبيوتر بعد أن لم يجد دعمًا لفكرة احتراف الفن، قبل أن تقوده المصادفة إلى العمل مساعدًا لمدير خشبة في عرض طلابي، ليكتشف أنه يريد أن يعمل في المسرح. وانتقل لاحقًا من علوم الكمبيوتر إلى دراسة المسرح.

وتحدث عن اختياره العمل المستقل في وقت كان المسرح التجاري يمر بأزمة، بينما كان مسرح الدولة يعاني من تراجع الإقبال، مؤكدًا أن علاقته بالمشهد الدولي لم تبدأ بخطة تستهدف الجمهور الأوروبي، وإنما تشكلت تدريجيًا من خلال العمل والترجمة والعلاقات مع فنانين ومؤسسات من خارج مصر.

ورأى العطار أن المسرح «مهنة ترحالية»، وأن قيمة العرض لا تتحدد فقط بالجوائز التي يحصل عليها، وإنما بقدرته على الوصول إلى جمهور وثقافات مختلفة. كما أكد أن التجوال لا ينبغي أن يكون دوليًا فقط، بل يجب أن يشمل المدن المصرية، لأن الانتقال من القاهرة إلى الإسكندرية أو المنيا أو أسيوط يضع العرض أمام جماهير مختلفة أيضًا.

أما عمر غايات، فتحدث عن خلفيته في الفنون التشكيلية، وكيف وجد في المسرح مساحة لتجسيد لغة تعتمد على الصورة والأداء. واستعاد مشاركته في مهرجان أفينيون، واللحظة التي اكتشف فيها أن اللغة الفنية التي كان يبحث عنها موجودة بالفعل في المسرح العالمي.

كما تحدث عن انتقال تجربته إلى سويسرا، وعن العمل الذي استمر 11 عامًا، مؤكدًا أن وصوله إلى الخارج لم يكن نتيجة خطة مسبقة، وإنما جاء نتيجة تتابع الظروف والفرص.

وتوقف غايات عند رفضه تقديم ما وصفه بـ«مسرح حديقة الحيوان» الذي يحول الثقافة العربية إلى صورة نمطية أو «إكزوتيك» أمام الجمهور الغربي، مؤكدًا أنه رفض أن يقدم أعمالًا عن مصر لمجرد أن المؤسسات الخارجية تتوقع ذلك من مخرج عربي.

وفي المقابل، أكد العطار أن رفض سلطة المنظومة المسرحية المصرية لا يعني الانتقال إلى الخارج للخضوع لسلطة أخرى، مشددًا على استقلال المخرج في اختيار موضوعاته وطريقة عمله.

كما ناقش المخرجان اختلاف التلقي من ثقافة إلى أخرى، حيث أشار غايات إلى أن العرض نفسه قد يلقى ردود فعل مختلفة بين مدن أوروبية مختلفة أو بين مصر وأوروبا، بينما رأى العطار أن المخرج لا يستطيع التحكم في الجمهور أو توقع رد فعله، وأن العرض الجيد هو الذي يترك مساحة لتعدد الآراء.

الترجمة.. جسر بين المسرح العربي والعالم

وشهدت الجامعة الأمريكية بالقاهرة فعالية للاحتفاء بإطلاق مجموعة من النصوص المسرحية الأمريكية المترجمة إلى العربية، ضمن مشروع ثقافي وفني أطلقته «المشرق للإنتاج» ويسعى إلى إتاحة التجارب المسرحية العالمية أمام القارئ والمسرحي العربي.

وضمت المجموعة «يوريديس» لسارة رول، و«الإلياذة» لدينيس أوهير وليزا بيترسون، و«ذا فليك» لآني بيكر. وأوضح أحمد العطار أن المشروع بدأ منذ عام 2015، انطلاقًا من إيمانه بأهمية قراءة ما يكتب في المسرح العالمي المعاصر، وليس الاكتفاء بالنصوص التي تنتمي إلى عقود سابقة.

وأكد أن حركة الترجمة لعبت دورًا مهمًا في تشكيل المسرح العربي، وأن قراءة المسرح العالمي المعاصر تمثل ضرورة لتطوير الكتابة العربية. كما اعتبر الترجمة وسيلة للتواصل بين الثقافات ومواجهة خطاب الصراع، لأنها تكشف أن البشر، رغم اختلاف بلدانهم وثقافاتهم، يشتركون في كثير من المخاوف والأسئلة والمشكلات.

من جانبها، أكدت الدكتورة دينا أمين أهمية المبادرة، مشيرة إلى أن المسرح العربي يمتلك الكثير ليقدمه للعالم، وأن الترجمة يجب أن تتحرك في الاتجاهين، بحيث تصل الأعمال العربية إلى اللغات الأخرى كما تصل الأعمال العالمية إلى القارئ العربي.

ورشتان تضعان التدريب في قلب التجريب

ولم يقتصر برنامج أمس على العروض والندوات، إذ تواصلت ورشة «بداية التعلم والتطور» للفنان ومدرب التمثيل أحمد كمال، والموجهة إلى الشباب من 16 إلى 19 عامًا.

وأكد كمال أن السنوات الأولى من حياة الممثل مرحلة تأسيسية تحتاج إلى تدريب يضع قاعدة لمراحل التطور اللاحقة، موضحًا أن البرنامج يتناول الوعي بالجسد، والسيطرة العصبية والنفسية، والتركيز، والتواصل مع الذات، والارتجال وبناء الشخصية.

كما شدد على أنه يفضل استخدام مفهوم «الاستعداد» بدلًا من «الموهبة»، لأن مستقبل الممثل، في رأيه، يرتبط بقدرته على التطور أكثر من ارتباطه بما يبدو عليه في لحظة البداية.

وفي السياق نفسه، انطلقت ورشة «التنقيب في الماضي: الذاكرة والجسد» التي قدمتها الكاتبة والمدربة المسرحية الأمريكية تامي رايان، وركزت على الكتابة المسرحية من خلال الذاكرة الحسية والخيال البصري والكتابة الحدسية.

وشهدت الورشة تدريبات عملية دفعت المشاركين إلى العودة إلى ذكرياتهم وإحساسهم الداخلي، ثم تحويل هذه المواد إلى مشاهد وأفكار يمكن البناء عليها في كتابة نص مسرحي. ولم تستهدف الورشة التدريب النظري فقط، وإنما سعى المشاركون إلى إنتاج نصوص ومشاهد فعلية، وصولًا إلى كتابة مسرحية مكونة من سبعة مشاهد، ثم قراءة الأعمال ومناقشتها وتبادل الملاحظات حولها.

وهكذا جمع يوم أمس في «التجريبي 33» بين المسرح بوصفه عرضًا حيًا، والمسرح بوصفه مجالًا للبحث والتفكير والتدريب؛ فمن حكايات الثعالب والأرواح في المسرح الصيني، إلى إعادة قراءة بوشكين، وأسئلة جيل «زد» في «سلمى حبي أنا»، مرورًا بمفهوم الجغرافيا والجسد والمتفرج، ووصولًا إلى تجارب المخرجين المصريين في الخارج وحركة ترجمة النصوص العالمية، بدا المهرجان وكأنه يختبر حدود المسرح من أكثر من اتجاه.

وفي الوقت نفسه، أكدت فعاليات اليوم أن التجريب لا يرتبط بالشكل وحده، وإنما يمتد إلى طرق الإنتاج والتلقي، وإلى علاقة الفنان بالمكان والجمهور، وإلى قدرة المسرح على خلق مساحات جديدة للمعرفة والحوار والتواصل بين الثقافات. وبينما تستمر الدورة الثالثة والثلاثون حتى 8 سبتمبر، يواصل المهرجان تقديم عروض وتجارب دولية وبرنامج فكري وورشًا تدريبية تضع القاهرة في قلب حوار مسرحي مفتوح مع العالم.
-------------------------------
كتبت - أمنية طلعت المصري