اليوم في ظل الطفرة الشاملة يقف العقل برهة من الزمن ليتحدث مع نفسه ويطرح عليها سؤالا: لماذا نعاني؟ وهناك سؤال يراود فكري هل يمكن أن يصبح الألم سؤالًا فلسفيًا؟ ومن هنا يبدأ حديث المقال
أحيانًا لا يكون أكثر ما يؤلم الإنسان هو الألم نفسه، بل عجزه عن فهمه.
نقف أمام بعض لحظات حياتنا ونسأل: لماذا حدث هذا؟ لماذا فقدت هذا؟ لماذا فشلت؟ لماذا أشعر بهذا الفراغ رغم أن كل شيء يبدو على ما يرام؟
ومن هنا يبدأ السؤال الفلسفي الحقيقي لماذا نعاني؟
هذا السؤال لم يكن بعيدًا عن الفكر الفلسفي والنفسي فقد حاول كل من فرويد ونيتشه وسارتر أن ينظر إلى معاناة الإنسان من زاوية مختلفة، وكأن كل واحد منهم يضع يده على جزء من هذا الألم من وجهة نظره.
ونبدأ في رحلة عابرة الي كل فيلسوف ونري الاختلاف في الآراء، ونبدا به فرويد الذي يري أن الإنسان ليس دائمًا سيد نفسه كما يتخيل.
فهناك عالم خفي داخلنا، مليء بالرغبات المكبوتة والذكريات والصراعات التي قد لا ندركها بوعي كامل.
وربما يكون بعض ما نعانيه اليوم امتدادًا لأشياء دفنناها بالأمس، ظنا منا أننا تخلصنا منها.
لكن ما يدفن في النفس لا يختفي بالضرورة، بل قد يعود في صورة قلق أو خوف أو اضطراب أو صراع داخلي.
أما نيتشه، فيتعامل مع المعاناة بطريقة مختلفة. فهو لا ينظر إليها باعتبارها مجرد شر يجب التخلص منه، بل يرى أن الألم قد يكون جزءًا من عملية تشكل الإنسان.
فالإنسان لا يصبح أقوى لأنه عاش حياة خالية من الصعوبات، وإنما لأنه واجه صعوباته وحاول أن يمنحها معنى.
ولذلك فإن السؤال ليس دائمًا: كيف أتخلص من الألم؟ بل ربما يكون السؤال الأعمق: ماذا يمكن أن أصنع من هذا الألم؟
وهنا نصل إلى سارتر، الذي يضع الإنسان أمام مسؤولية أكثر قسوة الحرية.
فالإنسان عند سارتر محكوم بأن يختار، وحتى عدم الاختيار هو اختيار في حد ذاته.
وهذه الحرية قد تبدو في البداية شيئًا جميلًا، لكنها قد تتحول إلى عبء لأنك مسؤول عن قراراتك، وعن الطريق الذي تسلكه، وعن المعنى الذي تمنحه لحياتك.
ومن هنا يمكن أن ينشأ القلق: ماذا لو اخترت الطريق الخطأ؟ ماذا لو لم تكن حياتي كما أردتها؟
لكن ربما المشكلة الحقيقية أننا نريد حياة بلا معاناة، في الوقت الذي لا توجد فيه حياة إنسانية خالية تمامًا من الألم.
نحن نعاني لأننا نحب، ونفقد لأننا امتلكنا أشياء نخشى فقدانها، ونحزن لأننا منحنا الأشياء والأشخاص معنى داخل حياتنا.
بل إن جزءًا من معاناتنا يأتي من المقارنة المستمرة بين ما نحن عليه وما نعتقد أننا يجب أن نكون عليه.
وفي عصرنا الحالي، أصبحت المعاناة أكثر تعقيدًا فنحن لا نعاني فقط من واقعنا، بل نقارن واقعنا يوميًا بواقع الآخرين المعروض على شاشات الهواتف.
نرى نجاحاتهم، سفرهم، علاقاتهم، لحظاتهم السعيدة، ثم نعود إلى حياتنا فنشعر أننا متأخرون عن الجميع، رغم أننا لا نرى إلا جزءًا صغيرًا من الحقيقة.
لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم: لماذا نعاني؟
بل: كيف نفهم معاناتنا؟ وكيف نحولها من شيء يكسرنا إلى شيء يجعلنا أكثر وعيًا بأنفسنا؟
فالألم قد يترك جرحًا، نعم، لكنه قد يترك أيضًا معرفة لم نكن لنصل إليها بدونه.
وربما كانت الفلسفة في جوهرها محاولة الإنسان لأن ينظر إلى ألمه في عينيه، بدلًا من أن يهرب منه.
فليس المهم أن نعيش بلا ألم، وإنما أن نعيش حياة نستطيع أن نفهم فيها لماذا نتألم، وماذا نفعل بهذا الألم.
-------------------------
بقلم: أسامة محمد






