القراءة في نتائج ورسائل زيارة الرئيس الصيني "شي جين بينج" لمصر ومباحثاته مع الرئيس عبدالفتاح السيسي، والتفاصيل المعلنة وغير المعلنة، تؤشر إلى العديد من الرسائل المهمة في القطاع الصناعي، والعسكري، والسياسي، والإقليمي، والدولي، وفتح مجالات عديدة للتعاون بين القاهرة وبكين، بما يضمن التنوع في التعاون المصري والدولي وعبر فتح خطوط توازن بين مجالات التعاون المصري مع الخارج.
جانب مهم من نتائج الزيارة طرح قضية المياه على مائدة المباحثات خاصة في الجانب المتعلق بسد النهضة الإثيوبي، وما يثيره من قلق مصري مستمر، في ظل تجاوز الجانب الإثيوبي لكل الأعراف الدولية، واختيار طريق الانفراد بالقرارات، على مدى أكثر من 15 عاماً في هذا المشروع والإعلان عن مشروعات مكملة تعتزم إثيوبيا تشييدها على النيل الأزرق.
وفي ظل هذا كانت مصر حريصة على طرح هذا الملف صمن مباحثات "شي جين بينج"، في القاهرة، ليؤكد الجانب الصيني على إدراكه للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر بوصفه شريان الحياة الرئيسي، وحقها المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية، من هناك جاءت الدعوة من مصر والصين لكافة دول حوض النيل للالتزام بالقانون الدولي، بما في ذلك عدم التسبب في إحداث ضرر، وهذا يعني دعما صينيا مباشرا لأي إجراءات تعتزم مصر اتخاذها لحماية أمنها الإستراتيجي المائي.
ومن أهم الرسائل التي تؤشر إليها زيارة الرئيس الصيني الناجحة إلى مصر، تتمثل في فتح الطريق أمام تعاون عسكري واسع لتعزيز الرؤية المصرية الخاصة باستراتيجية التنوع في الأسلحة، دون وقوفه عند حدود إنتاج معين، خصوصاً الأمريكي منه بشكل خاصة.
وهنا برز الحديث الواسع حول علاقات مصر والصين في المجال العسكري والدفاعي، فقد سبق زيارة "شي جين بينج"، مناورة (نسور الحضارة) المصرية الصينية، للمرة الثانية، في إطار تعزيز العلاقات لبناء الشراكة الإستراتيجية المشتركة في مختلف المجالات والعسكري منها بصفة خاصة، والعمل على دمج التنوع الدفاعي في المنظومة العسكرية.
ولا شك أن الدولة المصرية تضع الملف الدفاعي على قائمة أولوياتها في كافة المباحثات مع دول العالم المتقدم، وخصوصاً المُنتج للأسلحة الدفاعية وغيرها، وهناك اجماع على رغبة مصر في الاستعانة بكل أنواع الأسلحة العالمية، ولا تضع خياراتها في اتجاه بوصلة واحدة، ومن هنا ظهرت مقاتلات J-16 الصينية في المناورة الجوية التي جرت عشية زيارة "شي" لمصر، وهي الطائرة المنافسة للمقاتلة الأمريكية F-15، والمقاتلة الصينية مؤكد أنها ليست بديلاً للمقاتلة الأمريكية، بل إضافة للقوات الجوية المصرية، مثلما تم مع المقاتلة الفرنسية "رافال".
وتأتي هنا الأهمية النسبية للمباحثات التي جرت خلال زيارة الرئيس الصيني للقاهرة، والتي تطرقت على العديد من الملفات الاقتصادية والتجارية، والصناعية، بما في ذلك المجال العسكري، ويجزم العديد من المراقبين بأن مصر لديها خيارات في اقتناء العديد من المقاتلات الصينية، مثلما لديها الرغبة في استكمال المفاوضات مع الولايات المتحدة لشراء 46 مقاتلة من طراز F-15، وهي صفقة معلّقة منذ سنوات دون موافقة نهائية، في ظل تحفظ من الكونجرس لدعم التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي.
والمؤكد أن لمصر كل الحرية في اقتناء الأسلحة والمقاتلات من أي بلد ولا تلتفت إلى أي انتقادات او تحليلات عكس رغبات الدولة المصرية، ولا يمكن استبعاد الربط بين رغبة مصر في شراء أسلحة صينية، وهو الأمر المثار كل يوم، وما تتحدث عنه تقارير مواقع وصحف دولية، وهو ما يمكن قراءته من خلال مناورات "نسور الحضارات".
ومن المهم قراءة ما بين السطور حول الحديث عن صفقات لشراء مقاتلات J-35 "الشبحية" وهي "مقاتلات من الجيل الخامس"، في ظل الدعم الحصري الأمريكي اقليمياً لإسرائيل بمقاتلة F-35 ، ونفس الشيء حول تقارير عن صفقة لشراء مقاتلات J-10C، وكذلك ما يثار حول صفقات لشراء 10 مسيرات هجومية من طراز WJ-700 Falcon، وحاملة للصواريخ لتنفيذ مهام قتال واستطلاع بعيد المدى، وغواصات صينية من طراز 039A ونظام الدفاع الجوي RAAD 300، إلا أن كل هذا لا ينفي حق الدولة المصرية في اقتناء ما تراه استراتيجية التنوع في السلاح.
التفاعل الكبير مع زيارة الرئيس الصيني، وحجم الاحتفاء به يؤكد حجم العلاقات التاريخية بين القاهرة وبكين، ويؤشر إلى رغبة وسعي مصري لتعزيز العلاقات الإستراتيجية المصرية – الصينية، والدخول بقوة في مجال تنويع مصادر السلاح، واقتناء الأفضل في العالم، بدلاً من الاعتماد على مصدر بعينه، ومنه الإنتاج الصيني، بغض النظر عن قلق طرف إقليمي أو آخر.
والتعاون المصري الصيني في القطاع العسكري قديم، بدأ بمقاتلات من طراز F-6 وF-7 ، قبل ما يزيد عن 55 عاماً، وامتد إلى تعاون في تصنيع مشترك لطائرات التدريب الصينية بشراكة مع الهيئة العربية للتصنيع، وكذلك في المسيرات الهجومية من طراز Wing Loong-1 وWing Loong-2، ومسيرات الاستطلاع ASN-209، بإطلاق مسيرات "حمزة"، والذى تم تعظيمه العام الماضي باتفاقية مصرية صينية لتوطين الإنتاج المحلي للمسيرات (حمزة 2).
وعلى المستوى الإقليمي، كان لمصر والصين في نتائج زيارة "شي جين بينج" للقاهرة موقف واضح في العديد من القضايا، بتوافق حول ضرورة تغليب الوسائل الدبلوماسية للتوصل إلى تسويات شاملة ومستدامة للأزمات والنزاعات، وخفض التصعيد في منطقة الشرق الأوسط، والعمل على اتفاق شامل لوقف الحرب الدائرة بين أمريكا وإيران.
ولم تغب قضايا الدول النامية عن ملف المباحثات، بالعمل المشترك والمستمر بين البلدين للدفاع عن مصالح الدول النامية، وتعزيز إسهامها في صياغة مستقبل النظام الدولي، ولهذا ثمنت القاهرة الإجراءات الصينية لإعفاء الدول الأفريقية من الرسوم الجمركية.
وجاءت القضية الفلسطينية كأولوية في مباحثات (السيسي – شي)، باعتبارها القضية المركزية في المنطقة، بتوافق على تسوية عادلة ودائمة لها على أساس حل الدولتين، بما يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من يونيو ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية. والرفض القاطع كان واضحاً بشأن مخططات تهجير الشعب الفلسطيني من أراضيه تحت أية ذرائع أو مسميات، مع أهمية تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة وتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية بدون قيود، وعودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع في أقرب وقت، ورفض كلي للتصعيد الاسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بما في ذلك عنف المستوطنين ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات، فوحدة الأراضي الفلسطينية، لابد أن يكون واقعا، مع رفض لأي تقليص لدور وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
----------------------------
بقلم: محمود الحضري






