كان صاحبانا قد اعتادا - في مثل هذا التوقيت من كل عام - أن يلتقيا في أحد الأندية الواقعة على أطراف المدينة، تجنبًا لصخب وزحام شوارع المحروسة. حتى إذا بلغا محلهما هانئين بفرحة اللقاء، اتخذا مجلسيهما في رُكنٍ منزوٍ، إمعانًا في طلب العزلة، ولم لا وقد كانت لقاءاتهما بعيدة بُعد المناسبات السعيدة في الحياة.
أيضًا ارتبط صاحبانا بتلك الزهرة متنوعة الألوان، والتي كانا يحبان منها ذات اللون الأصفر، الأقرب عند تمام تفتحها إلى عصفور كناريا يُبهج من حوله، فجعلا منها رمزًا لحبهما، يترقبان تفتح زهورها في نهايات الشتاء، ويتسابقان – أينما وجداها - في إرسال صورها لبعضهما البعض. وكم كانت تغمرهما السعادة حين يمران على أحواض الزهر والخريف على الأعتاب وتقع أعينهما على إحداها وقد خالفت المواعيد وتفتحت في خجل، عندها كانا يوقنان أنهما أمام إحدى رسائل القدر، فيخاطبها مبتسمًا مُداعبًا "الكناريا زَهَرْ!"، فتجيبه غامزةً بعينها "من بدري!".
ومع ولع الأيام بإثبات أن لا دوام لحال، وجد صاحبنا نفسه وحيدًا هذا العام، وإذا الذكريات كقبضة من خيال تتداعى أمام ناظريه كشريط سينمائي، تلسع القلب بنصل حار مسنون.
(رَمْلُ هَلْ تَذْكُرِينَ يَوْمَ غَزَالِ/ إِذْ قَطَعْنَا مَسِيرَنَا بِالتَّمَنِّي.. إذ تقولين لعمرك الله/ هل شيءٌ وإن جَلَّ سوف يُبعدُك عني)، كان صاحبنا كثيرًا ما يُردد على مسامعها بيت الشريف الرضي، الذي كتبه في محبوبته رملُ، فتبادره معقبةً وعيناها في عينيه: "أبدًا".
كانت الساعة دون السابعة مساءً بقليل، موعد لقائهما، حيث كان يطالع الساعة بين لحظة وأخرى ويراجع كل التفاصيل الصغيرة، ويتعجب لسرعة تسرب الوقت، ولا تطمئن نفسه إلا وقد وصل إلى غايته في الموعد المحدد.
على النقيض، بدت الليلة كئيبة ثقيلة، فتمنى لو استطاع زحزحة الزمن. ثم سأل نفسه، "فيما جلوسك وحيدًا؟ لم لا تذهب إلى ذلك النادي النائي وتجلس إلى تلك الطاولة التي كثيرًا ما كانت محلاً لجلوسكما؟"، فدب فيه شيءٌ من أمل وَهَمَ بالوقوف، وهو يوشك أن ينهدم انهدامًا، ثم مضى يجر في بطء شديد ساقين رُبطتا بجبلين، فأيقن أن شعوره هذا من فعل الأحزان في النفوس والأجسام، من ثم فقد كان موقنًا أن سماع صوتها – ولو على الجانب الآخر من الهاتف - كفيل بتبديل حاله إلى النقيض، ولوجد كل ما يشعر به الآن محض أوهام.
قاوم صاحبنا هواجسه وأوهامه وألقى بجسده - كومة من نفايات - إلى جوار سائق التاكسي، وظل يقاوم شعورًا داخليًا يحثه أن يعود من حيث جاء، وسخرت به الأوهام، تخيل أنها قد سبقته إلى محل جلوسهما، وأنه هَلَّ عليها شارعًا ذراعيه، فأسرعت بدورها نحوه واستقرت في صدره، تعاتبه بصوت ملغوم بالحب، وهو منشغل بتقبيل وجهها، ثم سرعان ما لعبت به الظنون ورسمت له صورًا سوداوية.
صارت رأسه طاحونة كبيرة تتعارك فيه الأماني والإحباطات، إلى أن أوقف السائق السيارة إلى جوار المدخل وقال بصوت آلي يخلو من مشاعر "حمدا لله ع السلامة"، فهز رأسه ونقده أجره، ومضى إلى مقصده متمسكًا بالأمل في سذاجة، متوجسًا كأنه على موعد مع مفاجأة كُبرى، تمنى لو وجدها قد سبقته إلى تلك الزاوية، لكنه ما أن بلغ الطاولة الشاغرة، حتى انهدم على الكرسي وألقى هاتفه أمامه، وشرد بعينيه بعيدًا إلى أن أعاده صوت النادل إلى الواقع.
"ليه ما بتعجبك القهوة اللي بطلبها؟"، رن صوتها وضحكها المخلوط بغنجها كلما طلبت ذلك النوع شديد التركيز قليل المقدار من القهوة، فيجاريها في معابثتها، بغية أن يُشرق وجهها بالضحك أكثر فأكثر، وكم كان يبالغ من جانبه في الإنكار ويرفض تذوق فنجانها، على سبيل التجربة، فيما هي تُلح عليه وتقرب الفنجان من شفتيه في حب ومرح.
طالت وقفة النادل فألقى صاحبنا عليه طلبه، ويا للعجب مما طلب! ليكتشف أن طلبه لم يكن سوى نداءٍ خفيٍ لحضورها هي، لا حُبًا في قهوة كان ينفر منها. تحولت القهوة في لحظة إلى وعاء للذاكرة، تعيده رائحتها ونكهتها إلى ما كان يقاسيه من فقد، وما يفتقده من حضور.
وبينما هو غارق في أفكاره، انتبه إلى صوت يعرفه ويميز إيقاعه ونبراته من بين آلاف الأصوات، وهمس في نفسه "إنه صوتها.. هي.. هي"، والتفت بجذعه إلى مصدره، وكم هاله تطابق الصوت واختلاف الصورة، ثم أمعن قليلاً، فأيقن أنها محض خيالات، فما أن عاودت جارته الحديث، حتى أنكر صوتها، كما أنكر صورتها.
وضع النادل فنجان القهوة أمامه فعبق محيط الطاولة برائحة زكية مميزة لم تتغير عما عهدها في حضور صاحبته، واسترعى انتباهه تصميم القاعة فاكتشف أنه لم يكن مدركًا لكل تلك التفاصيل من زخارف وألوان، وأنه كان متى جلس إليها انشغل بحضورها وبهائها عما سواها، "إزاي تكون قاعد معايا وتبص على حاجة ثانية؟"، قالت له ذات مرة وهو يتطلع إلى لوحة معلقة على حائط مجاور لطاولتهما، ابتسم يومها، وعابثها قائلاً "حاضر أبلة الناظرة"، فجارته في عبثه وتمتمت مفتعلة أمارات امتعاض وقالت "أبلة الناظرة؟ أبلة الناظرة؟ .. طيب .. افتح إيدك يا شاطر!"، فما كان منه إلا أن طاوعها مبتسمًا، فتناولت كفه ولثمت باطنها في امتنان، فرفع رأسها في امتنان وطبع قُبلة حب وعرفان على جبينها.
مضى الوقت ثقيلاً، ولولا أنه راح يتصفح ذكرياتهما ورسائلها على هاتفه، لنفر من جلسته هذه أشد ما يكون النفور، حتى إذا ما دقت العاشرة نَقَدَ النادل حسابه وانصرف ووقف على الرصيف ينتظر السيارة ومن أمامه امتد حوض الزهور الذي طالما تفقداه سويًا بحثًا عن زهرة خالفت المواعيد في مثل ذلك الوقت من العام، وأمعن النظر عساه يجد بينها ما يطمئنه برسالة من رسائل القدر، فلم يجد شيئًا.
زم شفتيه وهمس لنفسه بشطر بيت الشريف الرضي: "هل شيءٌ وإن جَلَّ سوف يُبعدُك عني؟"، ثم أردف بصوت لا يكاد يُسمع، وكأنه يجيب ذلك السؤال القديم؛ "نعم يا رملُ.. ألف شيء وشيء"، ثم مضى صوب السيارة بثقل لا يختلف عن ذلك الذي صحبه في غدوه، وكأن غياب الزهرة أضاف إلى أحزانه أحزانًا جديدة.
------------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط







