واصل مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، برئاسة الدكتور سامح مهران، فعاليات دورته الثالثة والثلاثين، التي تقام خلال الفترة من 1 إلى 8 سبتمبر الجاري، بيوم ثانٍ اتسم بكثافة الفعاليات وتنوع مساراتها، جامعًا بين الفكر والتدريب والعروض المسرحية والاحتفاء بحركة الترجمة المسرحية.
وحمل اليوم الثاني، الخميس 3 سبتمبر، عنوانًا غير معلن بقدر ما كشفت عنه تفاصيل برنامجه: إعادة النظر في علاقة المسرح بالمتفرج. فمنذ الصباح، انشغلت الجلسات الفكرية بالسؤال عن موقع المتلقي، وكيف يمكن أن ينتقل من مجرد مشاهد إلى شريك في إنتاج المعنى، بينما حملت الورش التدريبية المسرحيين المشاركين من النص إلى الخشبة، ومن الذاكرة إلى الكتابة، ومن الحركة إلى السرد، ومن المكان إلى احتمالات جديدة للفرجة.
وفي المساء، اتسعت خريطة العرض لتشمل تسع تجارب مسرحية على مسارح القاهرة، قدمت نماذج من مصر وتونس وإسبانيا وفرنسا والأردن وألمانيا وبريطانيا وروسيا، بما يعكس أحد أبرز ملامح المهرجان في دورته الحالية، وهو فتح مساحة للتفاعل بين التجارب المصرية والعربية والدولية، وإتاحة المسرح التجريبي باعتباره مجالًا لاختبار الأشكال والأفكار والعلاقات الجديدة بين العرض وجمهوره.

الفكر في مواجهة السؤال الأكبر: من هو المتفرج؟
بدأ البرنامج الفكري في العاشرة والنصف صباحًا بجلسة «التجريب واستراتيجيات بناء المتفرج المتحرر»، التي أدارها الكاتب والمخرج المسرحي الفلسطيني غنام غنام، وعقب عليها يوسف الحمدان من البحرين، بمشاركة الدكتورة أمنة الربيع من سلطنة عمان، والدكتور حمادي الوهايبي من تونس، والباحثة والناقدة المصرية جهاد الديناري، والمخرج والكاتب المسرحي السعودي فهد ردة الحارثي.
لم تكن الجلسة تبحث في المتفرج باعتباره عنصرًا خارج العرض، وإنما حاولت الاقتراب من السؤال الأكثر تعقيدًا: كيف يصنع العرض شروط تلقيه؟ وكيف يمكن للاستراتيجيات الإخراجية والدراماتورجية والفضائية والحسية أن تعيد تشكيل علاقة الجمهور بما يحدث على الخشبة؟
وانطلقت المناقشات من التحولات التي شهدها المسرح المعاصر، والتي نقلت المتلقي تدريجيًا من موقع المشاهدة السلبية إلى موقع أكثر فاعلية داخل العملية المسرحية، بحيث لا يعود المعنى جاهزًا ينتقل من المخرج أو المؤدي إلى الجمهور، وإنما يتشكل في المسافة الواقعة بين العرض والمتلقي، وفي الاستجابة التي ينتجها كل منهما تجاه الآخر.
وفي هذا السياق، قدم فهد ردة الحارثي قراءة لتجارب مسرح الصواري في البحرين ومسرح الطائف في السعودية، متوقفًا عند فكرة المكان بوصفه عنصرًا فاعلًا في صناعة التلقي. فالمسرح، وفق هذا التصور، لا يبدأ وينتهي داخل المبنى التقليدي، بل يمكن أن ينتقل إلى الملاعب، والصالات المفتوحة، والأندية، والبحر، والمقاهي، والبيوت الشعبية، والمعارض الفنية.
وفي تجربة مسرح الصواري، يصبح كل عنصر في المكان قابلًا للتحول إلى جزء من الفعل المسرحي، حتى السلم أو عجلة السيارة أو الشجرة أو النافذة. وهنا لا يعود المكان مجرد خلفية للأحداث، وإنما يصبح جزءًا من اللغة التي يخاطب بها العرض جمهوره.
أما تجربة مسرح الطائف، فقد قدمت بدورها نماذج من تغيير جغرافيا العرض، بحيث يمكن أن ينتقل العرض من الخشبة الإيطالية إلى صالة أخرى أو بيت شعبي، أو أن يصعد الجمهور إلى الخشبة ويجلس في أماكن الممثلين. وكان الهدف من هذه التحولات اختبار استجابة الجمهور للفضاء الجديد، ودراسة أثر اختلاف المكان وأجوائه في عملية التلقي.
«Sleep No More» حين يصنع المتفرج نصه بنفسه
ومن أبرز النماذج التي حضرت في الجلسة تجربة «Sleep No More»، التي تناولتها جهاد الديناري بوصفها نموذجًا متقدمًا لتحويل المتفرج إلى مشارك في صناعة تجربته المسرحية.
العرض، الذي بدأ في إنجلترا ثم انتقل إلى نيويورك عام 2011، ينقل الجمهور من صالة المسرح التقليدية إلى فندق مكون من خمسة طوابق، تجري داخله أحداث متعددة في الوقت نفسه. ويصبح على المتلقي أن يختار المكان الذي يريد أن يتابعه، والشخصية التي يريد أن يلاحق مسارها، وهو ما يجعل كل متفرج أمام نسخة مختلفة من التجربة.
ويستند العرض إلى «ماكبث» لشكسبير، لكنه يتخلى بصورة شبه كاملة عن الحوار، ويستبدل به الحركة والفضاء والتفاعل. وتقدم الأحداث في دورة مدتها ساعة تتكرر ثلاث مرات، بحيث يمكن للمتفرج أن يغير مساره في كل مرة، ويعيد بناء علاقته بالحكاية.
وبذلك يتحول المتلقي إلى ما يشبه المونتير؛ فهو الذي يقرر ما يراه وما لا يراه، ومن خلال اختياراته يصنع نصه الخاص. ولا تتوقف التجربة عند البصر والسمع، وإنما تمتد إلى الشم والتذوق، بما يجعل الجمهور يعيش داخل العرض بدلًا من أن يقف خارجه.

آمنة الربيع.. العرض لا يستقبل المتفرج فقط بل يبني شروطه
قدمت الدكتورة آمنة الربيع دراسة تطبيقية للعروض العمانية، انطلقت فيها من سؤال كيفية بناء العرض المسرحي التجريبي لمتفرجه.
واستندت الدراسة إلى ثلاثة عروض عمانية تجريبية شاركت في مهرجان الشغف التجريبي الأول في يناير 2026، وحددت ثلاث استراتيجيات رئيسية لبناء المتفرج: الفضاء المسرحي، وتوجيه الرؤية، وكسر أفق التوقع.
وفي عرض «أكبر»، درست الربيع كيف يبدأ العرض قبل دخول الجمهور إلى الصالة، حين يستقبل اللاعبون المتفرجين أمام دار المسرح، في محاولة لإلغاء الحد الفاصل بين زمن الاستقبال وزمن الأداء. وهكذا ينتقل المتفرج تدريجيًا من مجرد شخص وصل إلى مكان العرض، إلى متفرج مستدرج، ثم معاد التموقع، فمشارك، وصولًا إلى منتج للمعنى.
وفي «وجوه»، ركزت على توجيه الرؤية من خلال الأقنعة والعلامات البصرية والسمعية والحركية، وصولًا إلى المشهد الأخير الذي تستخدم فيه الدرون، فتنتقل بؤرة النظر من الخشبة إلى الفضاء الذي يجمع العرض والصالة، ويتحول المتفرج رمزيًا من شخص يراقب إلى شخص يقع داخل مجال المراقبة.
أما «رماد»، فمثل بالنسبة إليها نموذجًا لاستراتيجية كسر أفق التوقع، عبر إجراءات تبدو بسيطة في البداية لكنها تسهم في تشكيل شروط التلقي وإعادة ترتيب توقعات الجمهور.

سامح مهران: التحول طال الجسد والمتلقي معًا
وفي تعقيبه على الجلسة، وسع الدكتور سامح مهران دائرة النقاش، رابطًا تحولات المتلقي بالتحولات التي طرأت على مفهوم الجسد المسرحي نفسه.
وأشار إلى أن مفهوم «البرادايم» يتيح قراءة الفروق بين الأشكال المسرحية المختلفة، موضحًا أن التصور الذي تشكل منذ المسرح اليوناني واستمر حتى بدايات القرن العشرين كان يقوم على مجموعة من القواعد التي تنظم طبيعة العرض وعلاقته بالممثل والمتفرج.
لكن هذه البنية تغيرت مع ظهور اتجاهات وممارسات جديدة، ومن بينها تجارب ريتشارد شيكنر، التي أعادت التفكير في طبيعة الحدث المسرحي وفي الحدود الفاصلة بين مساحة الأداء ومساحة التلقي.
وتوقف مهران عند التحول الذي أصاب مفهوم الجسد، موضحًا انتقاله من جسد سيميولوجي يمكن قراءته باعتباره مجموعة من العلامات إلى جسد فيزيائي متعدد الهويات، يمكن أن يظهر بأشكال مركبة ومتغيرة. وبالموازاة مع ذلك، تغير موقع المتفرج، فلم يعد بالضرورة متفرجًا تحليليًا يقف خارج الحدث، وإنما أصبح في تجارب عديدة طرفًا في إنتاج المعنى.
كما ميز مهران بين النص «الشفاف» والنص «الكثيف»، موضحًا أن الأول يمنح المتلقي ما يتوقعه، بينما يعمل الثاني على اختراق توقعاته، وقد يقوده ذلك إلى الصدمة، لكنها صدمة يمكن أن تفتح أمامه فرصة لإعادة التفكير في علاقته بالعرض.
ومن هنا يعود السؤال إلى جوهر التجريب: ليس فقط كيف يستقبل الجمهور العرض، بل كيف يقوم العرض نفسه بتهيئة شروط هذا الاستقبال وإعادة تشكيل موقع المتلقي داخله.

"إقليم التجريب" ... المتفرج يصبح جغرافيا
وفي الواحدة ظهرًا انتقل المحور الفكري إلى جلسة «إقليم التجريب.. منعطفات وتحولات المشاهدة»، التي أدارها هزاع البراري من الأردن، وعقب عليها الدكتور هشام زين الدين من لبنان، بمشاركة محمد الروبي من مصر، والدكتور كمال خلادي من المغرب، ونورس عادل من العراق، ويوسف أمفزع من المغرب.
وجاءت الجلسة امتدادًا طبيعيًا للنقاش السابق؛ فإذا كانت الجلسة الأولى قد طرحت سؤال كيفية بناء المتفرج، فإن الثانية انتقلت إلى سؤال أوسع يتعلق بالجغرافيا التي يتحرك داخلها التجريب.
لم يعد «الإقليم» هنا مجرد بلد أو مدينة أو مسرح، وإنما أصبح مفهومًا يمتد إلى جغرافيا المتفرج نفسه، بما يحمله من ثقافة وقيم وعادات ومعتقدات وتجارب وذاكرة وخبرات سابقة تؤثر في طريقة استقباله للعرض.
وطرح هزاع البراري في افتتاح الجلسة سؤالًا مهمًا حول حضور المتفرج عربيًا في الدراسات التي تتناول التجريب، متسائلًا عن اللحظة التي يستطيع فيها المتفرج نفسه أن يحكم بأن ما يراه ينتمي إلى التجريب أو لا ينتمي إليه.

أما محمد الروبي، فذهب أبعد في تعريف الجغرافيا المسرحية، مقترحًا النظر إليها عبر ثلاث دوائر متداخلة: جغرافيا المكان، وجغرافيا العلاقة، وجغرافيا التلقي.
فالمكان يغير مواقع الأجساد والمسافات وزوايا النظر وحركة الممثل وموقع المتفرج، لكن جغرافيا التلقي تظل مرتبطة بالمتفرج الذي يدخل إلى المسرح محملًا بذاكرته وثقافته وخبراته السابقة وتوقعاته عن المسرح والممثل ودوره في عملية المشاهدة.
واستعاد الروبي في هذا السياق نماذج من المسرح التجريبي، من بيتر بروك ومفهوم «المساحة الخالية»، إلى جروتوفسكي وريتشارد شيكنر وأوجستو بوال، مؤكدًا أن مجرد نقل المتفرج من مقعده أو إدخاله إلى فضاء الأداء لا يعني بالضرورة تحريره.
فالسؤال الأهم ليس فقط: أين يوجد المتفرج؟ وإنما: ماذا يغير وجوده في العرض؟
وهنا يصبح الحضور نفسه فعلًا دراماتورجيًا، لأن العرض الحي لا يتكرر بالطريقة نفسها، إذ يتغير الجمهور والزمن والانتباه والطاقة داخل المكان، وحتى الصمت يمكن أن يحمل معنى مختلفًا من ليلة إلى أخرى.

خمس ورش.. التجريب ينتقل من النقاش إلى الممارسة
وبالتوازي مع البرنامج الفكري، شهد اليوم الثاني خمس ورش تدريبية في مواقع ثقافية وفنية مختلفة، لتؤكد الدورة أن التجريب ليس مفهومًا نظريًا فحسب، وإنما ممارسة واختبارا مستمرا.
واستضافت مدرسة الرقص ورشة «من الكاتب/المخرج من النص للممثل» بقيادة المخرج والكاتب المسرحي الكويتي سليمان البسام، بينما أقيمت ورشة «البداية» للفنان أحمد كمال في مركز الإبداع الفني، واستضاف المجلس الأعلى للثقافة ورشة «الكتابة المسرحية» للكاتبة الأمريكية تامي رايان.
كما استضاف مسرح العرائس ورشة «السرد القصصي عبر الحركة» التي تقدمها فنانة الأداء الأمريكية جيليان رودس، بينما أقيمت ورشة «الفضاءات» في بيت السناري، ويقدمها الكاتب والمخرج الإسباني باكو جاميث.
وفي ورشة سليمان البسام، التقى الجانب النظري بالتطبيق العملي؛ إذ يعمل المشاركون على مشهد من أحد النصوص الكلاسيكية، ثم يعيدون إعداده وكتابته قبل الانتقال إلى تمثيله بأنفسهم.
وأكد البسام أن الهدف ليس تقديم معرفة نظرية حول النصوص الكلاسيكية فحسب، وإنما منح المشاركين فرصة لاختبار ما تعلموه وتحويل المادة المكتوبة إلى فعل مسرحي، بما يفتح مساحة للتجريب في الإعداد والكتابة والأداء.
وتكتسب مشاركة البسام خصوصية إضافية، باعتبارها أول ورشة يقدمها في مصر، فيما تعود علاقته بالمهرجان إلى عام 2002، وسبق له أن حصل على أكثر من جائزة خلال مشاركاته السابقة. كما يحظى بالتكريم في الدورة الحالية.
أما ورشة تامي رايان، فاعتمدت على الذاكرة الحسية والخيال البصري والكتابة الحدسية، بهدف مساعدة المشاركين على تجاوز التفكير النمطي والوصول إلى مواد مسرحية أصلية.
وتطلب رايان من المشاركين العودة إلى إحساسهم وذاكرتهم والكتابة بصورة تلقائية، قبل الانتقال إلى بناء مسرحية مكونة من سبعة مشاهد. والغاية ليست مجرد التدريب، وإنما إنتاج نصوص فعلية يمكن قراءتها ومناقشتها والحصول على تغذية راجعة بشأنها.

من المسرح الأمريكي إلى العربية.. الترجمة بوابة أخرى للتجريب
وشهد اليوم الثاني كذلك احتفالية خاصة بمشروع «المسرح المُترجم.. المسرح المعاصر بالعربية»، بالتعاون مع مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، في الجامعة الأمريكية بالقاهرة – فرع التحرير، بحضور الفنان والممثل الأمريكي دينيس باتريك أوهير وعدد من المسرحيين المصريين والدوليين.
وتضمنت الاحتفالية توقيع ثلاثة كتب مترجمة تتضمن نصوصًا من المسرح المعاصر الأمريكي، في محاولة لفتح مساحة للتواصل بين الكتابة المسرحية الأمريكية والعربية، وإتاحة النصوص المعاصرة أمام دائرة أوسع من المسرحيين والقراء والمهتمين بالمسرح.
ويأتي المشروع الذي أطلقته «المشرق للإنتاج» ومؤسسها المخرج والمدير الثقافي المصري أحمد العطار ضمن رؤية تستهدف إتاحة نماذج من الكتابة المسرحية الدولية باللغة العربية.
ويولي المشروع اهتمامًا بالنصوص المكتوبة منذ عام 2010 وما بعده، بشرط أن تكون قد نشرت في بلدانها الأصلية أو قدمت على خشبة المسرح، مع مراعاة أن تكون قابلة للإنتاج في ظروف المسرح العربي وبعدد محدود من الممثلين.
كما تترجم النصوص إلى العربية الفصحى، مع ترك مساحة للفنانين العرب لإعدادها وتقديمها باللهجات المحلية عندما تقتضي طبيعة العرض ذلك، بما يجعل الترجمة هنا وسيلة للتبادل الثقافي، وليس مجرد نقل لغوي.

تسع تجارب على مسارح القاهرة
ومع حلول المساء، انتقل التجريب من قاعات النقاش والورش إلى الخشبات، حيث قدم اليوم الثاني تسعة عروض مسرحية على مسارح القاهرة.
بدأت العروض في السادسة مساءً، مع العرض الإسباني «TRÍPTICO» على مسرح متروبول، والعرض التونسي «لاموضى Show Off» على مسرح الهناجر، إلى جانب العرض المصري/الفرنسي «سلمى حبي أنا» على مسرح الفلكي.
وفي الثامنة مساءً، قدم مسرح ميامي العرض الأردني «أنت منذ الأمس»، بينما استضاف أوبرا ملك العرض المصري «سابع سما»، وقدم مسرح الغد العرض الألماني «The Children of Today».
وفي العاشرة مساءً، شهد مسرح السامر عرض «كتاب الموتى» المصري، إلى جانب العرض البريطاني «A Night’s Game»، بينما استضاف الأوبرا الصغير العرض الروسي «Zhenya + Tanya = Love».
ولم تكن الخريطة الجغرافية للعروض مجرد تنوع في الجنسيات، بل جاءت انعكاسًا للتعدد الذي يميز التجريب نفسه، بين عروض تستكشف العلاقة بين الموضة والاستهلاك، وأخرى تشتبك مع الرأسمالية والتاريخ، وتجارب تجعل الجسد وسيلة أساسية للسرد، وأعمالا مصرية تطرح أسئلة عن النجاح والطموح والموت.

"لاموضى Show Off" .. خلف بريق الموضة منظومة للسيطرة
ومن أبرز عروض المسابقة الرسمية في اليوم الثاني، العرض التونسي "لاموضى Show Off"، الذي قدم على مسرح الهناجر، وهو من تأليف وإخراج وسينوغرافيا الطاهر عيسى بن العربي.
ينفتح العرض على عالم الموضة والتسويق الرقمي، لكنه لا يتعامل معهما باعتبارهما مجرد موضوع جمالي، بل يضعهما تحت المجهر بوصفهما جزءًا من منظومة اقتصادية تعيد تشكيل الرغبات والسلوك، وتحوّل الإنسان وصورته وحضوره واختياراته إلى سلع قابلة للاستهلاك والتسويق.
ويجمع العرض بين المسرح والأداء الحركي والموسيقى والسينوغرافيا والصورة، وينطلق في أجواء سريالية تجمع السخرية بالقلق. وتظهر الشخصيات وكأنها قطع شطرنج تحركها قوة خفية، بينما تكشف الأحداث تدريجيًا الوجه الآخر لعالم يبدو في ظاهره عالمًا للجمال والاستعراض.
وتزداد التجربة اتساعًا حين تتجاوز الموضة إلى أسئلة إنسانية وسياسية، عبر رموز مرتبطة بشعوب منكوبة، من بينها الثوب الفلسطيني، وصولًا إلى نهاية تكسر الجدار الرابع وينتقل فيها المؤدون إلى مساحة الجمهور ويقدمون أغصان الزيتون للمتلقين.
هنا يتجسد أحد الأسئلة التي هيمنت على اليوم الثاني كله: هل المتفرج مجرد متلقٍ لما يحدث أمامه، أم يمكن أن يصبح جزءًا من الحدث وأن تتغير علاقته به لحظة بلحظة؟
وبالنسبة للطاهر عيسى بن العربي، فإن التجريبي يمثل فرصة لاختبار التجربة إلى جوار تجارب أخرى تقود مشهد المسرح المعاصر، مؤكدًا أن التجريب لا يعني مجرد اختلاف شكلي أو استعراض بصري، وإنما البحث عن لغة تذوب فيها الفنون، ويصبح فيها الجسد والموسيقى والسينوغرافيا والتكنولوجيا عناصر متكاملة.

"أطفال اليوم".. الفن في مواجهة الرأسمالية والتاريخ
وعلى مسرح الغد، قدمت ألمانيا عرض «The Children of Today» في عرضه الأول بالمنطقة العربية، ضمن المسابقة الرسمية.
ويبلغ العرض 60 دقيقة، وهو الإنتاج الثالث لفرقة Pinkmetalpetal Productions، ويستكشف إمكانات التعبير الفني وجماليات الأداء في سياق غير رأسمالي، مستخدمًا مفهومي «المجهول» و«المستحيل» باعتبارهما استعارة للأفكار والأيديولوجيات غير الرأسمالية.
ويجمع العرض بين شخصيتين تاريخيتين تنتميان إلى عالمين مختلفين: الراقص ومصمم الرقصات فاسلاف نيجينسكي والملكة المصرية كليوباترا السادسة، إلى جانب شخصية مفاهيمية مستوحاة من الراقص ومصمم الرقصات جيروم بيل.
ومن خلال هذا التركيب، تتجاور أزمنة مختلفة، ويتقاطع الفن مع التاريخ والسياسة والاقتصاد، فيما يستعين العرض بالكوريغرافيا والموسيقى والفيديو والتقنيات البصرية لطرح أسئلة حول علاقة الفن بالسلطة وإمكانات إنتاجه خارج المنظومات الرأسمالية.

"A Night’s Game" .. الجسد في مواجهة فقدان الحرية
وفي العاشرة مساءً، شهد مسرح السامر العرض البريطاني «A Night’s Game»، ضمن المسابقة الرسمية، في تجربة تستكشف صراع الإنسان من أجل الحرية.
ويستند العرض إلى قصص واقعية عن السجن والهروب والنضال من أجل التحرر، ويطرح سؤالًا حول الحالة النفسية والجسدية للإنسان حين يفقد حريته، وما إذا كان فقدان الحرية يتحول إلى دافع للمقاومة والصمود.
وتقدم الشقيقتان التوأم كريستينا ألين وسادي ألين أداءً جسديًا وحركيًا، يجعل من الجسد مركزًا للحكاية، ويحول الخوف والمقاومة والرغبة في التحرر إلى حالات محسوسة على الخشبة. وهكذا يواصل العرض أحد مسارات التجريب التي ظهرت بوضوح خلال اليوم الثاني: الاستغناء عن بعض أدوات السرد التقليدية لصالح الحركة والجسد والصورة.

"سابع سما" .. ماذا نخسر ونحن نصعد؟
وعلى هامش فعاليات المهرجان، قدم العرض المصري «سابع سما» على مسرح أوبرا ملك، وهو عرض شبابي يطرح سؤالًا مختلفًا لكنه يتقاطع مع الأسئلة التي حملتها عروض اليوم: ماذا يعني النجاح؟ وإلى أي مدى يمكن أن يتحول الطموح إلى قيد؟
العرض من تأليف عمر رضا وإخراج محمد الحضري، ويضع أمام الجمهور شخصية تسعى إلى صعود السلم بأي طريقة، حتى يتحول الصعود من وسيلة لتحقيق الذات إلى غاية تبتلع الحياة.
ويرى المخرج محمد الحضري أن الرأسمالية تخلق داخل الإنسان شعورًا دائمًا بعدم الاكتفاء، بحيث لا يبدو ما يحققه كافيًا مهما كان حجمه، فيظل عالقًا في سباق مستمر مع نفسه ومع الآخرين.
أما المؤلف عمر رضا، فيتعامل مع العرض باعتباره سؤالًا أكثر منه إجابة: لماذا نركض؟ وهل اخترنا نحن فعلًا الأهداف التي نطاردها، أم أن المجتمع والعمل والآخرين أقنعونا بأن علينا الوصول إليها؟
ويذهب العرض إلى سؤال أكثر قسوة: ماذا لو وصل الإنسان بالفعل، ثم اكتشف أنه خسر نفسه في الطريق؟

يوم كامل من التجريب.. من النص إلى المتلقي
يكشف برنامج اليوم الثاني من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عن تصور واسع لمعنى التجريب؛ فهو لا يضعه في حدود الشكل المسرحي المختلف، ولا يحصره في التكنولوجيا أو السينوغرافيا أو الأداء الحركي، وإنما يتعامل معه بوصفه سؤالًا مستمرًا حول كل عناصر العملية المسرحية.
في الصباح، كان السؤال عن بناء المتفرج: كيف يمكن أن يتحول من مشاهد إلى شريك؟
وفي الظهيرة، اتسع السؤال إلى جغرافيا المتفرج: هل يأتي الجمهور إلى العرض من مكان واحد، أم يحمل معه جغرافيته الخاصة وثقافته وذاكرته وخبراته؟
وفي الورش، انتقل التجريب إلى الممارسة: كيف يتحول النص إلى خشبة؟ وكيف تتحول الذاكرة إلى مادة للكتابة؟ وكيف يمكن للحركة أن تصنع سردًا؟ وكيف يمكن للمكان أن يصبح عنصرًا في بناء العرض؟
أما في المساء، فقدمت الخشبات إجابات متعددة، بعضها جاء من عالم الموضة والاستهلاك، وبعضها من التاريخ والرأسمالية، وبعضها من صراع الإنسان مع الحرية، فيما عادت العروض المصرية إلى أسئلة أكثر قربًا من الحياة اليومية، مثل الطموح والنجاح والخوف من أن يتحول السعي إلى غاية في ذاته.
وبهذا المعنى، بدا اليوم الثاني وكأنه حلقة متصلة لا مجموعة فعاليات منفصلة. فالندوات تبحث في المتفرج، والورش تدرب الفنان على إعادة التفكير في أدواته، والعروض تختبر هذه الأفكار أمام الجمهور.
وهنا تحديدًا تظهر خصوصية المهرجان في دورته الثالثة والثلاثين: التجريب لا يحدث فقط على الخشبة، وإنما يبدأ قبلها؛ في طريقة كتابة النص، وتكوين الممثل، واختيار المكان، وتحديد علاقة المؤدي بالمتلقي، وحتى في الطريقة التي يدخل بها الجمهور إلى العرض ويغادره.


القاهرة مساحة للقاء التجارب
وبينما تستمر الدورة الثالثة والثلاثون حتى 8 سبتمبر، يرسخ اليوم الثاني صورة المهرجان باعتباره مساحة للقاء المسرحيين من مصر والعالم العربي ودول مختلفة، ليس من خلال العروض فقط، وإنما عبر الحوار والتدريب والترجمة وتبادل الخبرات.
وقد بدا واضحًا أن التنوع الدولي في برنامج اليوم لم يكن هدفه تقديم أكبر عدد ممكن من التجارب فحسب، بل خلق احتكاك بين طرق مختلفة في التفكير وصناعة العرض.
ومن «لاموضى Show Off» التونسي، الذي يحول الموضة إلى سؤال عن السيطرة والاستهلاك، إلى «The Children of Today» الألماني الذي يضع الفن في مواجهة الرأسمالية والتاريخ، و«A Night’s Game» البريطاني الذي يجعل الجسد ساحة للصراع من أجل الحرية، وصولًا إلى «سابع سما» المصري الذي يعيد النظر في مفهوم النجاح؛ تتعدد الموضوعات والأشكال، بينما يبقى السؤال المشترك هو قدرة المسرح على دفع المتلقي إلى النظر مرة أخرى فيما يظنه مألوفًا.
وهكذا لم يكن اليوم الثاني مجرد يوم مزدحم بالفعاليات، رغم أنه بالفعل جمع جلستين فكريتين، وخمس ورش تدريبية، وتسعة عروض مسرحية، واحتفالية للترجمة المسرحية، وإنما كان يومًا اختبر فيه المهرجان معنى التجريب في أكثر من مستوى.
فالتجريب، كما عكسته فعاليات اليوم، يبدأ من سؤال بسيط لكنه عميق: ماذا يحدث عندما نعيد النظر في العلاقة بين من يصنع المسرح ومن يشاهده؟
والإجابة لم تأتِ في شكل واحد. جاءت مرة من جسد الممثل، ومرة من حركة المتفرج، ومرة من المكان، ومرة من النص، ومرة من التكنولوجيا، ومرة من الذاكرة، ومرة من كسر الجدار الرابع.
وفي كل هذه الحالات، ظل المتفرج حاضرًا بوصفه أكثر من مجرد عين ترى؛ حاضرًا باعتباره طرفًا في التجربة، وصاحب ذاكرة وثقافة وتوقعات، وربما شريكًا في إنتاج المعنى نفسه.
ومن هنا، يواصل مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي رحلته في دورته الثالثة والثلاثين، واضعًا التجريب في قلب برنامج يجمع المسرح والفكر والتدريب والترجمة، ومؤكدًا أن المسرح التجريبي لا يكتفي بالبحث عن شكل جديد، بل يسعى قبل ذلك إلى إعادة اكتشاف ما يمكن أن يكون عليه المسرح، وما يمكن أن يصبح عليه المتفرج داخله.
-------------------------------------
كتبت - أمنية طلعت المصري






