يُلفت الأنظار دائماً العلاقة المعقدة في تركيبة السكان في قريتنا، فقد لاحظنا عند وفاة زوجة عمي - على غير المعتاد - أن في قريتنا أكثر من تسعين أرملة في سنٍ يسمح لهن بالزواج، كان الأمرُ في بدايته هزلياً، فقد ماتت زوجة عمي في مدينة الإسكندرية حيث كانا يسكنان، فلما ماتت عاد إلى القرية؛ لقضاء الفترة المتبقية من عمره، والجميع يعلم أنها لن تطول.
فاقترح بعضهم أن يتزوج؛ ليجد منْ تقوم عليه وترعاه، فالرجل وإن بلغ السبعين لا يقوى على إعالة نفسه، فقال لهم: لقد تغربت عن البلد منذ خمسين سنة ولا أعرف سيدات القرية، فرشحوا لي زوجة.
فسألوه: هل تريدها بكراً؟
أجاب: لا أقوى على ملاعبة البكر.
فقالوا: أرملة أم مطلقة؟
قال: الأرملة أفضل.
كان يظن أن بقريتنا عدة أرامل لا يتخطين أصابع اليد، فانطلق أحدهم يُحصي عدد النسوة الأرامل، والحضور يسجلن معه، ويتناقشون في سنها وجمالها وحضورها الأنثوي، ومشاهدات من علاقتها بزوجها قبل وفاته، وحال أولادها، وغير ذلك، معمل بحث جنائي مكتمل الأركان يبحث تلك القضية الخطيرة، أرملة تناسب عمي في السبعين من عمره، فيها شروط كثيرة وضعها لهم: أن تكون جميلة، ورشيقة، وذات دلال وغنج، تصغره بعقدين على الأقل.
حين انتهوا من الإحصاء كنت أراقب العدد، لقد قارب المائة بعد التدقيق الشديد، فتدخلت في الحوار وألقيت حجراً قائلاً: وكم عدد الرجال الأرامل في القرية؟
تفكروا قليلاً، ثم عددوا لي الرجال الأرامل، لم يتجاوزوا العشرة.
فكل أرمل أمامه عشرة أرامل، الحياة للنساء إذن، فهن الأطول أعماراً، والأكثر بقاءً.
وحين زرت صديقي الطبيب المشهور في حي الزمالك بالقاهرة، حدثني عن كثرة المطالب بزيارات أسرية للجيران من حي الزمالك، وقال لي: الأبناء والأحفاد يريدون السفر للمصيف في الساحل الشمالي، ويريدون الاطمئنان على الأمهات والجدات قبل السفر، بتوقيع الكشف عليهن.
ثم أضاف: الزمالك حي ملئ بالأرامل الكبيرات في السن، جاوزن التسعين من أعمارهن وبعضهن بصحة جيدة وذاكرة قوية.
فقلت له: وقريتنا كذلك، لدينا سيدة عجوز مات زوجها منذ نصف قرن ومات ولدها منذ عقدين، وما تزال تجلس وتضع الأرز الأبيض أمامها وتنقيه من الشوائب، وقد جاوزت سنوات عمرها القرن الكامل بأربعة أعوام، وتلحق بها عشرات العجائز في التسعين من أعمارهن وهن جميعاً يذهبن لتأدية واجب العزاء ويشاركن في الأفراح، وبعضهن لديها أحفاد للأحفاد.
فسألني الطبيب الفيلسوف: وهل يقبضن معاشات من الحكومة؟
قلت له: بالقطع، فبعض الرجال حين يقبلون على الموت ولا وريث لديهم للمعاش يعقد على سيدة من أقاربه؛ لئلا يضيع المعاش، فإن لم يكن للمرأة معاشاً فيسهل اختلاق معاش لها.
لما عدت إلى قريتي بحثت على جوجل عن عدد سكان الزمالك فكان حوالي العشرين ألفاً، وكذلك سكان قريتي، فزرتُ عمي الأرمل، ولما خلوت به قلت له: لا تتزوج من أرامل القرية، إنهن لسن ذوات غنج ودلال، وتعال معي إلى حي الزمالك في القاهرة تتزوج من جميلات العهد الماضي، فساكنات الحي العتيق يروين لك قصصاً غنية، ولديهن سجل حافل عن الأناقة والشياكة والجمال.
ضحك عمي من كلامي وقال: الزمالك منطقة راقية لا تشبهنا إلا في خلود نسائها، وهل تظن أن عمك لديه قدرة على الاقتراب من امرأة ولو بلغت المائة عام؟ إنَّ للنساء قدرات خارقة، والرجل ضعيف، وبقائي بعد زوجتي يعدُّ معجزة، وهل تتكرر المعجزات، لقد نجَّا اللهُ إبراهيمَ من الحريقِ مرة ًواحدةً، ولم نسمع أن موسى خاض بحراً آخر، فلماذا تطالبني أنا بتكرار المعجزات، إن أرامل الزمالك وأرامل قريتنا نساءٌ، وكلهن في إهلاك الرجال سواء.
------------------------------------------
بقلم: د. علاء الدين سعد جاويش






