مع تداعي الأزمات، يظل سؤال واحد يطعن التاريخ في خاصرته: متى تنفضح الحقيقة؟ ليس سؤالاً عن التوقيت، بل عن الشرط، وليس استفساراً عن الساعة، بل عن اللحظة التي ينهار فيها جدار الخوف، وتتساقط فيها أقنعة السلطة، ويكتشف الجياع أن جوعهم ليس قدراً، بل قراراً، إنها لحظة انكشاف القناع، تلك اللحظة التي يرى فيها المواطن، فجأة أن ما كان يظنه دولة لم يكن سوى وهم، وأن ما كان يعتبره حماية لم يكن سوى قمع، وأن ما كان يتوقعه من عدالة لم يكن سوى سراب.
وهذه اللحظة، كما يخبرنا علم الاجتماع السياسي، ليست وليدة الصدفة، بل هي تتويج لتراكم صامت، وتفاعل معقد بين شروط موضوعية وعوامل ذاتية، تضافرت لتخلق أرضاً خصبة للثورة، فالثورات كما تؤكد الدراسات، لا تنشب فجأة، بل هي ثمرة لمظالم متراكمة، وآمال مخيبة، ومؤسسات متآكلة، وأنظمة فقدت شرعيتها في أعين مواطنيها.
هذا المقال ليس دعوة لثورة، ولا تأجيجاً لشارع، بل هو نقاش موضوعي حول الأخطاء السياسية التي قد تغفلها الحكومات، وتلك الفجوات التي تتسع بين المؤسسات والمواطنين، فتصنع مناخاً خصباً لانهيار الثقة، فالوعي بالثغرات ليس ضعفاً، بل هو البداية الحقيقية لإصلاحها، وإعادة بناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع، قبل أن تصبح اللحظة التي يخشاها الجميع محتومة لا مفر منها، والمقال هنا يسعى لقراءة هذه الإشارات بعين الناقد، لا بعين المحرض، أملاً في أن تكون الوقاية خيراً من الانفجار، وأن يكون النقد صوتاً للحكمة، لا بوقاً للفتنة.
من هنا تأتي أهمية الدراسة الرائدة التي نشرتها دورية "SAGE Open" عام 2014، حيث حلل الباحث جيزاتشو تيرونيه (Gizachew Tiruneh) أسباب الثورات الاجتماعية، وخلص إلى أن أهم ثلاثة محددات لاندلاع الثورة هي: مستوى التنمية الاقتصادية، ونوع النظام السياسي، وعدم فعالية الدولة، فضعف التنمية الاقتصادية يُؤجج السخط، والأنظمة المستبدة تخلق مناخاً للقمع، وعدم فعالية الدولة يدفع المواطنين إلى فقدان الثقة في مؤسساتها، مما يجعل العنف السياسي احتمالاً قائماً.
وتؤكد دراسات أحدث، كتلك الصادرة في إطار "الجيل الخامس من أبحاث الثورات" (The Fifth Generation of Revolution Studies) ومن أبرز رواد هذه الدراسات الباحثان أندريه كوروتاييف (Andrey Korotayev) وليونيد جرينين (Leonid Grinin)؛ أن التضخم، وخاصة تضخم أسعار الغذاء، يعد مؤشراً قابلاً للقياس على قرب اندلاع العمليات الثورية، وهو ما يضيف بُعداً اقتصادياً كمِّياً للنظريات النفسية والاجتماعية، كما حللت أبحاث كوروتاييف (2023-2024) العلاقة بين التضخم وعدم الاستقرار الثوري، لتؤكد أن الضغوط المعيشية، حين تتراكم، لا تبقى مجرد أرقام في جداول اقتصادية، بل تتحول إلى وقود حقيقي للحراك الشعبي.
ولكن هذه الشروط وحدها لا تكفي، فهناك عامل آخر، لعله الأكثر حسماً: "عتبة التحمل"، تلك النقطة التي يصل عندها الغضب الشعبي إلى درجة الغليان، وتتحول فيها المظالم الفردية إلى حراك جماعي، وكما توضح دراسة نشرتها دورية "Economic Modelling" عام 2023، فإن الثورة تصبح حتمية حين يستمر التذمر في النمو مع مرور الوقت، ويؤدي التغيير الثوري إلى "مكسب صافي في الرفاهية" للفئات المهمشة، بل إن الدراسة تذهب إلى أبعد من ذلك، فتقول إن الثورة يمكن أن تحدث حتى لو فقد الحراك الاجتماعي زخمه، شريطة أن يكون الغضب المتراكم في النفوس قد تجاوز عتبة معينة من الشدة والعمق، بحيث يصبح أشبه ببرميل بارود لا يحتاج إلا إلى شرارة لينفجر، والسخط الكبير لا يقاس بعدد المحتجين في الشوارع، بل بحجم الألم في القلوب، وبعمق الإحساس بالظلم، وبالثقة المفقودة في أن الإصلاح ممكن داخل الإطار القائم.
وهنا تظهر نظرية "منحنى جي" (J-Curve)، التي طوَّرها عالم الاجتماع جيمس ديفيز (James C. Davies) عام 1962، ليجيب عن سؤال محيِّر: لماذا تثور الشعوب في لحظات التحسن النسبي، لا في أوقات القمع الأقصى؟ يرى ديفيز أن الثورات لا تحدث في مجتمعات الفقر المدقع، حيث يصبح الفقر قدراً، بل في المجتمعات التي تمر بفترة من الازدهار النسبي، ثم تتبعها فجأة فترة من التراجع الحاد، حيث تنهار التوقعات المتصاعدة فجأة، إنها لحظة انكشاف القناع: حين يرى الناس أن التحسن الذي كانوا يأملون فيه قد تحول إلى تراجع، وأن المستقبل الذي كانوا يبنونه قد تحول إلى سراب.
تتقاطع هذه الرؤية مع ما ذهب إليه ألكسيس دي توكفيل (Alexis de Tocqueville) في تحليله للثورة الفرنسية، حين لاحظ أن السخط الشعبي بلغ ذروته ليس في سنوات القمع الأقصى، بل في لحظة بدء الإصلاحات، حين أطلقت السلطة آمالاً لم تستطع الوفاء بها، فالإصلاحات الجزئية، في نظر توكفيل، لا تطفئ الثورات، بل تشعلها، لأنها تكسر جدار الصمت، وتُري الناس ما يمكن أن يكون، ثم تحرمهم منه، وكما كتب دي توكفيل: "إن أكثر الأوقات خطورة بالنسبة للحكومة السيئة هي تلك التي تبدأ فيها بالإصلاح".
فالإصلاح يفتح شهية التغيير دون أن يُشبعها، ويزرع الوعي دون أن يُرضي الطموح، وهكذا يتفق ديفيز ودي توكفيل على أن اللحظة الثورية ليست لحظة الفقر المدقع، بل لحظة انهيار الأمل، حين يكتشف الناس أن التحسن الذي وُعدوا به لم يكن سوى سراب، ولعل الثورة الفرنسية تقدم خير مثال على هذه اللحظة: ففي صيف 1789، لم يثر الفرنسيون لأنهم كانوا أفقر مما كانوا عليه، بل لأن وعيهم بالظلم تجاوز عتبة الخوف، واكتشفوا أن جوعهم ليس قدراً، بل ثمن باهظ لنظام لا يؤمنهم، وهكذا يسقط القناع حين يدرك الناس أن خوفهم هو آخر قيد يبقيهم أسرى.
ويضيف تيد روبرت جور (Ted Robert Gurr) في نظريته عن "الحرمان النسبي" (Relative Deprivation)، التي طرحها عام 1970، بُعداً نفسياً لهذه المعادلة، فالثورات، في رأي جور، تحدث حين يدرك الناس وجود فجوة بين "ما يتوقعون الحصول عليه" و "ما يحصلون عليه فعلاً"، وهذه الفجوة، حين تتسع، تخلق شعوراً بالظلم، وهذا الشعور، حين يتضاعف، يتحول إلى وقود للثورة، فليس الفقر هو ما يحرك الشعوب، بل الشعور بأن الفقر غير عادل، وأن الأغنياء لا يستحقون ثرواتهم التي كونوها من سياسات النظام، وأن النظام لا يخدم سوى النخبة على حساب الأغلبية.
كما تشير دراسة تيرونيه إلى أن "عوامل خارجية"، كالهزائم في الحروب وارتفاع الأسعار، تلعب دوراً في تسهيل الثورة، لكن دورها الأساسي يظل "محفزاً"، لا سبباً جوهرياً، فالأزمة المالية قد تكون الشرارة، لكن الوقود الحقيقي للثورة هو تراكم السخط، وفقدان الشرعية، وانهيار الثقة في مؤسسات الدولة، ولذلك يخلص تيرونيه إلى أن الثورة لا تحدث إلا في الدول "غير الفعالة، وغير الديمقراطية، والقمعية، والتي تفقد شرعيتها".
هنا، يبرز "نموذج العتبة" (Threshold Model) الذي صاغه مارك جرانوفيتر (Mark Granovetter)، والتي ترى أن الثورة ليست قراراً جماعياً متزامناً، بل هي عملية تراكمية: كلما زاد عدد المشاركين، انخفضت عتبة الخوف لدى الآخرين، حتى تبلغ المشاركة كتلة حرجة تنقلب عندها الموازين، وتتحول المقاومة من مغامرة فردية إلى ضرورة جماعية، فلكل فرد عتبة خاصة به للمشاركة في حراك ثوري، بعضهم يشارك عند أدنى مستوى من السخط، وآخرون لا يشاركون إلا حين يصبح الحراك آمناً، وحين تتجاوز المشاركة نصف المجتمع، فلحظة انكشاف القناع هي اللحظة التي تبدأ فيها هذه العتبات تتهاوى، ويتجاوز عدد المشاركين النقطة الحرجة، فتصبح الثورة حتمية، وتتحول المشاركة فيها من مغامرة فردية إلى ضرورة جماعية.
في سياق مصر، تكتسب هذه النظريات أبعاداً خاصة، فمصر كما ناقشنا في المقال السابق "متى تصبح الدولة مجرد وهم؟ | مصر بين التبعية الاقتصادية والتفكك السياسي"، ليست دولة هامشية، بل هي دولة "شبه طرفية" (Semi-peripheral)، تقع في منطقة رمادية بين المركز والهامش، تجمع بين خصائص الاستغلال من الأعلى والاستغلال من الأسفل، وهذا الموقع كما يوضح سمير أمين في نظريته عن "التطور غير المتكافئ"، يجعل مؤسساتها الوطنية تُصمم لخدمة منطق التراكم العالمي، لا لتحقيق التنمية الوطنية، فتنهار قدرة الدولة على تلبية احتياجات مواطنيها، وتتحول من أداة للعدالة إلى آلة للهيمنة، ومن حامية للحقوق إلى مصدر للقمع.
ويمكننا هنا تطبيق منحنى جي على مصر: فبعد فترة من الازدهار النسبي في العقد الأول من الألفية، جاء التراجع الحاد، وانهارت التوقعات، لتشهد مصر لحظة انكشاف القناع في 2011، ولكن سرعان ما أعيد إنتاج القناع، وعاد الوهم إلى الظهور، ولكن هذه المرة بشكل أكثر تعقيداً، حيث تزاوجت التبعية الاقتصادية مع التفكك السياسي، وتراكمت المظالم، وتضاعفت الأعباء، وحين يرى المواطن المصري اليوم أن أعباء الديون تلتهم أكثر من نصف الإنفاق الحكومي، وحين يرى أن مؤشرات الحوكمة تتهاوى، وحين يرى أن الفقر يتضاعف، وأن الخدمات تتراجع، وأن العدالة تغيب، يبدأ القناع في السقوط من جديد.
هذا الخراب المؤسسي، المقترن بالتبعية الاقتصادية، يخلق أرضاً خصبة لانكشاف القناع، فالدولة التي تعد بالحماية، ثم تقمع، والتي تعد بالعدالة، ثم تظلم، والتي تعد بالتنمية، ثم تستنزف، تتحول تدريجياً من كيان حقيقي إلى وهم، ومن مؤسسة وطنية إلى أداة للهيمنة الخارجية والنخبوية الداخلية، وفي هذا السياق تصبح لحظة انكشاف القناع هي اللحظة التي يدرك فيها المواطن المصري أن فقره ليس قدراً، بل هو نتيجة لسياسات اقتصادية تخدم مصالح خارجية، وأن جهله ليس عيباً، بل هو أداة لإبقائه خاضعاً، وأن مرضه ليس مصادفة، بل هو نتيجة لتراجع الخدمات الصحية، وأن تعصبه ليس طبعاً، بل هو نتاج لتشتيت إعلامي متعمد، وهكذا تتحول المسببات إلى نتائج، وتصبح الأدوات هي الغايات، ويتحول الانهيار إلى مصير محتوم، ما لم يتم كسر الحلقة.
والتاريخ يعلمنا أن لحظة انكشاف القناع ليست لحظة ثورية فحسب، بل هي لحظة تراجيدية، تحمل في طياتها وعد النهضة وخطر الانتكاسة، فالثورة الفرنسية، التي كانت نموذجاً للتحرر، سرعان ما تحولت إلى إرهاب، لتأتي بعدها "رد فعل ثيرميدوري" (Thermidorian Reaction) - في إشارة إلى الشهر الفرنسي الذي شهد الانقلاب المضاد للثورة - حيث عاد المحافظون إلى السلطة، وألغوا إنجازات الثورة، وأعادوا إنتاج الظلم بوجه جديد، وهذا الدرس التاريخي يذكرنا بأن كسر القناع ليس نهاية المطاف، بل هو بداية لمعركة جديدة: معركة بناء الدولة الحقيقية، دولة العدالة والكرامة.
فالثورات لا تنجح فقط بإسقاط الطغاة، بل بالحفاظ على مقدرات وثروات الشعب، وبناء مؤسسات قادرة على استدامة الحرية، وحماية الكرامة، وتحقيق العدالة، فالثورة الحقيقية ليست في تغيير الوجوه، بل في تغيير الهياكل، وكسر دوائر التبعية، واستعادة السيادة الوطنية، وبدون ذلك تظل الثورات مجرد انقلاب على القناع، لا كسر للقناع، ويعود الوهم في ثوب جديد.
فالأمم تثور حين يسقط القناع، حين يرى المواطنون أن أحوالهم ليست قدراً، بل قراراً، وأن همومهم اليومية ليست حتمية، بل سياسة، وأن جهلهم ليس مصادفة، بل هندسة، وأن تعصبهم ليس طبعاً، بل تغذية، حين يكتشفون أن المرض ليس مجرد حالة بيولوجية، بل إعادة تدوير لنتاج الفقر، وأن التشتيت ليس مجرد فوضى، بل استراتيجية للسيطرة، وأن التبعية الاقتصادية ليست قدراً محتوماً، بل هي نتاج لتفاعل معقد بين الإرث التاريخي، والهيمنة الخارجية، والقرارات السياسية الداخلية التي تظل، في كثير من الأحيان، خاضعة لشروط النظام العالمي غير المتكافئ.
والسؤال الأعمق، الذي يلخص كل ما سبق، هو: متى يدرك المواطنون أن القناع قد سقط؟ متى تتجاوز عتباتهم الفردية النقطة الحرجة، وتتحول المظالم الفردية إلى حراك جماعي؟ متى يصبح الصبر مستحيلاً، والثورة ضرورة؟ الإجابة ليست في الأرقام، ولا في النماذج، بل في الوعي، وعي بأن الدولة التي تفقد قدرتها على أداء وظائفها الجوهرية، تصبح مجرد خيال، وعي بأن الخراب المؤسسي ليس فشلاً إدارياً، بل منظومة متكاملة من الإقصاء والتهميش، وعي بأن النهضة لا تُصنع إلا بفك قيود التبعية، واستعادة السيادة، وعودة الدولة إلى جوهرها: أن تكون للأمة، لا فوق الأمة، ففي لحظة انكشاف القناع، يصنع الوعي ثورته، وفي زمن الخراب المؤسسي، يصنع الصمت سقوطه، ولكن النهضة لا تُصنع إلا بصرخة الشرفاء، وإرادة التغيير، واستعادة الثقة في دولة تليق بمواطنيها، فهل نحن مستعدون لهذه اللحظة؟
--------------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش






