أنا بخاف من الأتوبيسات، قد تبدو جملة عابرة، أو ربما مبالغة من شخص سمع وشاهد حوادث كثيرة، لديه خوف دفين من سقوط الميكروباص أو الأتوبيس والموت غريقاً داخله، كابوس تكرر كثيراً في طفولتي حتى صار الطريق والسفر بالنسبة لي مصدر رعب أكثر من كونه وسيلة للوصول، كلما استقلِت أتوبيسًا، يراودني السؤال نفسه: هل سنصل؟ ولن أذكر رعب القطارات فلا استخدمها منذ أكثر من عشرين عاماً.
في كل مرة يظهر خبر عن انقلاب أتوبيس، أشعر أن خوفي ليس بلا سبب، آخرها حادث طريق دهب – نويبع، انقلب أتوبيس في منطقة "الصعدة"، أسفر عن 22 وفاة و28 مصابًا، أرقام قاسية لدرجة أن العقل يعجز عن استيعابها، أتذكر أن وراء كل رقم من هذه الأرقام إنساناً له بيت وأهل، هناك من ينتظره ليستقبل خبر وفاته على الطريق ويفجع فيه.
أعلن المسؤولون عن تشكيل لجنة تبحث في أسباب الحادث، بما في ذلك الحالة الفنية للأتوبيس، والسائق، وساعات العمل والراحة وغيرها من التفاصيل، لكن السؤال الذي يؤرقنا جميعا كمواطنين:
لماذا ينتظرون دائمًا حتى يقع الحادث؟
لماذا لا يكون السؤال قبل تحرك الأتوبيس:
هل الإطارات صالحة؟ هل الفرامل بحالة جيدة؟ هل المركبة اجتازت فحصًا حقيقيًا؟ هل السائق أخذ حقه من الراحة؟ وهل الطريق نفسه، خصوصًا في المناطق الجبلية والمنحدرات، مؤمَّن بالقدر الكافي؟
نحن لا نتحدث عن سيارة ملاكي تحمل شخصين أو ثلاثة وإن كانت قلوبنا تنفطر على مثل هذه الحوادث أيضاً، لكننا في هذا الحادث نتحدث عن أتوبيس يحمل عشرات الأرواح، عائلات تتحطم مع دماء ذويهم المهرقة على الطريق.
نحتاج لتحول الرقابة من مجرد إجراء ورقي إلى منظومة أمان حقيقية، أن تصبح صيانة المركبات وفحصها ومراقبة السائقين والسرعات وساعات القيادة مسؤولية مستمرة، لا حملة تفتيش تبدأ بعد الكارثة، وإلى الإسعاف السريع، نريد إنسانيتنا وحقنا في أن نصل أصلًا إلى وجهتنا، وقبل كل ذلك، من حقنا أن نسأل: هل ما يتفق على الطرق يُنفق فعلًا حيث يحتاجه المواطن؟
في طريقي للعمل يتم تجديد سلم علوي على الطريق الدائري، نعاني الأمرين في صعوده والنزول في الاتجاه الأخر، جدد منذ شهور ليعاد تكسيره من جديد، ونسير فوق صفيح يتراقص أسفل أقدامنا، إذا كنا نطالب بطريق آمن لأتوبيس يحمل عشرات الأرواح، فمن حقنا أيضًا أن نسأل عن كفاءة ما يُنفَق على الطرق التي نسير عليها كل يوم، أليس من الأولى أن تذهب أموال الإصلاح إلى ما يحتاج فعلًا إلى تمهيد وصيانة، بدلًا من أن نُعيد إصلاح ما لا يحتاج إلى إصلاح كل عدة أشهر؟
لا أريد أن أتغلب على خوفي من الأتوبيسات، أريد أن تعطيني الطرق والأتوبيسات والرقابة الحكومية سببًا حقيقيًا يجعلني أشعر بالأمان، فليس طبيعيًا أن يصبح السؤال قبل كل رحلة:
يا ترى هنرجع؟
بدلًا من أن يكون:
امتي هنوصل؟
--------------------------
بقلم: إنچي مطاوع






