لا يكتب أحد مقالاً إلا وقصته فيه بشكل أو بآخر. فشخص الكاتب يتسرب إلى المقال ويمتزج بسطوره سواء وهو يختار موضوعه، أو وهو يتناول أبعاده بالتفصيل، أو وهو يعرض وجهة نظره الشخصية في مادته. كل كاتب لديه قناعات يبدأ منها وعواطف لا يستطيع أن يخفيها يجد نفسه ينقلها إلى الناس بعفوية عندما يحذرهم من مخاطر أو ينبههم إلى عواقب.
وكم قرأت لغيري مقالات وكم كتبت بدوري مقالات بالتحديد عن القوة السياسية بكافة أشكالها. قوة الأفراد والدول والمنظمات. لسنوات أنا وكثيرون غيري من المشتغلين بالعلوم السياسية نهتم بحكم المهنة بالعلاقات الدولية والحروب والصراعات وموازين القوى وبناء التحالفات. اعتدت أن أتفحص علاقات القوة وقوانين القوة. لكن العجيب في أمري أني تأخرت، برغم الانشغال بملاحظة القوة وهي تعمل بين الدول، عن تدبر قوانينها وهي تعمل في جسدي.
فقد عدت إلى المنزل قبل فترة قريبة منهكاً بعد يوم عمل شاق انصرف معظمه في حضور ندوة طويلة دارت حول علاقات القوة في منطقتنا والعالم. دخلت غرفتي متبعاً روتيناً اعتدت عليه كل يوم. لكني توقفت أمام المرآة متكاسلاً. قمت بنزع رابطة العنق ملتمساً الحرية لرقبتي مشتاقا لبعض نسمات حنت إليها رئتي. ثم خلعت سترة بذلتي لأحرر كتفي من ثقلها ومددت يدي داخل خزانة الملابس لأتناول شماعة أضع السترة عليها. لكن الأمر ثقل علي فأرخيت يدي مضطراً تاركاً سترة البذلة تسقط على الأرض. توقفت لبرهة مندهشاً من نفسي ومن هذا الضعف الذي لم أعتد عليه، ثم سرت متثاقلاً فجلست على أقرب مقعد مؤجلاً عملاً بسيطاً كنت أقوم به كل يوم لم أفكر أبداً أنه سيحتاج مني في يوم إلى بذل أي مجهود.
دارت أفكار كثيرة برأسي ولف عقلي لفاً. ثم تبسمت وقلت لنفسي: "خلاص يا أبو خليل عَجِزْت فتقدمت في السن، وعَجَزْت ففقدت قدرتك على التصرف. يبدو أنك لم تكن تحمد الله كما ينبغي طيلة سنوات وأنت تضع سترة بذلتك بسهولة كل يوم على الشماعة. تصورت أيها الغافل أنه أمر تافه ليس فيه عناء. خانتك الحسابات. لم تتخيل وأنت في تمام عافيتك أن ما كنت تقوم به بيسر لسنوات بات يمثل لك اليوم مجاهدة تحتاج منك أن توظف فيها كل ما تبقى من قوتك."
هكذا تكلمت نفسي مع نفسي. واليوم وبعد أن تكررت المعاناة مع أنشطة بسيطة أخرى كنت أقوم بها في لمح البصر، أدركت أن الوقت قد حان لأراجع قانون القوة وكيف يعمل في جسدي ونفسي فوجدت أنه يشتغل تماماً كما يشتغل في قصص السياسة التي لطالما انشغلت بها وكتبت عنها.
فالقوة تتجمع وتتراكم وتتعاظم ثم تنكسر وتذبل وتضيع. هذا هو جوهر القانون. نعم تضيع. كلها وليس بعضها. ولذلك فأعظم الأقوياء هو من لا يغتر بقوته ويرفض أن يسيء استعمالها بل ويحجم عن عمد عن استعمال كل ما في يده من قوة. فالقوة عز اليوم وذل في الغد. لكن المصيبة أن النفس البشرية أمّارة بالسوء. عندما تُرزق بالقوة عادةً ما تسيء استعمالها إما لمكابرة أو لجهالة.
المكابرة يزينها غرور يولد المرء باستعداد له يشعره، إن لم تحجمه قيود الأخلاق، بأنه فوق غيره وأن "مفيش حد زيه." أما الجهالة فيفاقمها قصور العقل عن استيعاب حقيقة القوة التي تُكتب أجمل تفاصيلها في صدر كتاب الحياة بأمتع ما يكون في حين تخفي أخر صفحاته قبل أن نغلق دفتي الكتاب ونرحل حقائق مؤلمة. فالقوي في عزه غالباً لا يفكر في الضعف الذي ينتظره، وإنما في الاستحواذ على مزيد من القوة.
لكن قانون القوة صارم لا يلين ولا يجامل ولا يستثني ولا ينزل على أماني أحد. فلم يطوعه يوماً مكابر ولم يُستثنى منه يوماً جاهل، فردا كان أو جماعة. قانون لا يفرق بين الراعي والرعية أو بين الزعماء والدهماء. قانون تلخصه الآية الكريمة التي تقول:
"اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ."
أخذتني فكرة تلو فكرة وأنا مستلق على المقعد شاهداً على فشلي في إتمام عمل بدا لي لسنوات طويلة أنه بسيط ثم تبين على النقيض أنه شاق. سرحت في ضعفي متأملاً قانون القوة كما رسمته تلك الآية الكريمة. وطافت بخيالي صور لأقرباء وأحباء وأصدقاء بالغوا في الزهو بأنفسهم فتصوروا أن قوتهم مطلقة لا تزول. وطافت معها كذلك قصص لإمبراطوريات عظمى اكتنزت القوة ثم أصبحت أثراً بعد عين، وحكايات عن زعماء خرجوا صفراً من التاريخ بعد أن توهموا أنهم التاريخ.
نحن البشر يبدو هكذا. عندما نتكلم أو نكتب لبعضنا عن مشكلات الدنيا وهموم السياسة أو نتناول بالتحليل قضايا منطقتنا والعالم ننسى أننا مثلها وأننا ننتهي كما تنتهي وأن قوة أي فرد منا كقوة أي دولة أو حزب أو زعيم إلا ولها يوم لتصل عنده إلى نهايتها. فكل المشاغل والهموم والمشكلات التي نفني وقتنا لفهمها إنما يحركها تدافع وتناحر لا يتوقفان من أجل القوة سواء كان التناحر عليها بين مرشحين في انتخابات أو أمم في حروب أو شركات على صفقات أو دول على حدود. والطبيعي أن ينتهي التناحر إلى نتيجة ليعلو بعده من يعلو. لكن من يعلو إلا وحتماً يعود ليهوي. وإذا كنت وغيري من كتاب الرأي يتفحصون قانون القوة وكيف يعمل في حالة الدول والحضارات والإمبراطوريات، فالأولى بنا أن نتدبر حقائقه في أنفسنا. فلو عرف كل واحد منا نفسه وأنه حتماً سيضعف ربما لن يطغى لو صادفته الأقدار فحمّلته أمانة القوة.
-----------------------------------
بقلم: د. إبراهيم عرفات






