06 - 09 - 2026

في اليوم الثاني من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.. «رد الجميل» يستعيد تجربتي عايدابي وكرومي

في اليوم الثاني من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.. «رد الجميل» يستعيد تجربتي عايدابي وكرومي

- عروض من إسبانيا والأردن ومصر وإيطاليا تفتح نوافذ جديدة للتجريب

بدأ مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي فعاليات دورته الثالثة والثلاثين بعد حفل الافتتاح المميز، برئاسة الدكتور سامح مهران، في أجواء مسرحية وفكرية اتسعت لتشمل عددًا من التجارب العربية والأجنبية، بالتوازي مع برنامج تدريبي يضع الممارسة المسرحية في قلب التجربة، وفعاليات فكرية تستعيد أسماء مؤثرة في تاريخ المسرح العربي، في تأكيد على أن التجريب لا ينفصل عن الذاكرة، وأن البحث عن الجديد يبدأ أحيانًا من إعادة قراءة ما تركه الرواد من أسئلة وتجارب.

وتقام الدورة الثالثة والثلاثون من المهرجان خلال الفترة من 1 إلى 8 سبتمبر 2026، بمشاركة عروض مسرحية من مصر وعدد من الدول العربية والأجنبية، إلى جانب برنامج فكري وورش تدريبية وفعاليات موازية وإصدارات متخصصة في قضايا المسرح والتجريب.

وفي اليوم الثاني، بدا المشهد أكثر ثراءً وتنوعًا، إذ تداخلت الندوات الاحتفائية مع عروض تنتمي إلى اتجاهات وأساليب مختلفة، من إعادة قراءة الكلاسيكيات الإسبانية عبر العرائس، إلى استعادة رواية أردنية من ستينيات القرن الماضي ووضع أسئلتها في مواجهة الحاضر، وصولًا إلى محاولة استدعاء الموروث المصري القديم من خلال المسرح والرقص والموسيقى والفيديو والذكاء الاصطناعي، فضلًا عن تجربة مصرية إيطالية خرجت من ورشة تدريبية لتتحول إلى عرض مسرحي مكتمل.

"رد الجميل" .. ذاكرة المسرح العربي في قلب المهرجان

احتل المحور الفكري «رد الجميل» مساحة بارزة من فعاليات المهرجان، من خلال الاحتفاء بتجربتين تركتا أثرًا واضحًا في المسرح والثقافة العربية؛ الأولى للمسرحي والباحث والمفكر السوداني الدكتور يوسف عايدابي، والثانية للمخرج والباحث والأكاديمي العراقي الراحل عوني كرومي.

وفي الاحتفاء بيوسف عايدابي، اجتمع عدد من المسرحيين والباحثين حول تجربة امتدت بين الإبداع والأكاديميا والتوثيق والعمل الثقافي، في محاولة لإعادة قراءة أثره في الحركة المسرحية السودانية والعربية، وليس فقط استعادة سيرته باعتباره اسمًا من أسماء الماضي.

وأدار الندوة السفير والفنان علي المهدي، بمشاركة الدكتور عادل حربي، والدكتور شمس الدين يونس، والمخرج حاتم محمد علي، حيث تناول المشاركون محطات مختلفة من تجربة عايدابي، ودوره في توثيق ودعم الحركة المسرحية السودانية والعربية، فضلًا عن إسهاماته الفكرية والأكاديمية والإبداعية.

وأكد علي المهدي أن اختيار عنوان «رد الجميل» يعكس رغبة في تقدير مسيرة عايدابي، الذي أسهم من خلال اختياراته ورؤيته الفكرية في التعريف بفنون الأداء وفتح آفاق جديدة أمامها، فيما وصفه الدكتور عادل حربي بأنه قامة بارزة في الحركة الثقافية السودانية والعربية، استطاع أن يتجاوز حدود الشعر والنقد والمسرح نحو مشروع ثقافي متكامل.

وتوقف حربي عند تعدد مجالات تجربة عايدابي، إذ جمع بين الشعر والفكر والنقد والبحث المسرحي والسينمائي، كما شغل عددًا من المواقع الثقافية والأكاديمية، من بينها عمادة المعهد العالي للموسيقى والدراما وإدارة مركز دراسة الفلكلور والتراث الثقافي، إلى جانب مشاركته في إدارة المعارض والمؤتمرات والتخطيط الثقافي.

وكان من أبرز ما طرح خلال الندوة النظر إلى التنوع الثقافي السوداني بوصفه مصدرًا للإثراء والاستقرار والتعايش، وهو ما ارتبط بتجربة عايدابي في تيار «الغابة والصحراء»، الذي سعى إلى صياغة رؤية سودانية تجمع بين المكونين العربي والأفريقي، وتؤكد خصوصية الهوية الثقافية السودانية.

ولم تتوقف تجربة عايدابي عند حدود التنظير، بحسب ما طرح في الندوة، بل امتدت إلى الممارسة المسرحية والتجريب، من خلال توظيف التراث والأسطورة والممارسات الشعبية في إنتاج لغة مسرحية مختلفة، والاستفادة من الشعر والغناء والأصوات والأجساد والطقوس الشعبية في إعادة تركيب المادة المسرحية.

الأكاديميا باعتبارها مشروعًا معرفيًا

من جانبه، أكد الدكتور شمس الدين يونس أن الجانب الأكاديمي في تجربة يوسف عايدابي لم يكن مجرد تولي مناصب جامعية، وإنما كان مشروعًا معرفيًا هدفه تجديد الفكر المسرحي وربطه بحركة المجتمع السوداني.

وأشار إلى اهتمام عايدابي بإعادة النظر في المناهج الدراسية، وربطها بتراث المسرح السوداني، مع الانفتاح في الوقت نفسه على أحدث المعارف في التمثيل والإخراج والسينوغرافيا. كما اهتم بإدخال علوم مساعدة مثل علم الجمال والفلسفة وتاريخ المسرح إلى العملية التعليمية.

ومن الأفكار المهمة التي ارتبطت بتجربته كذلك كسر الثنائية بين الأكاديمي والشعبي، عبر إتاحة المجال أمام أصحاب الخبرات الحياتية والفنية داخل المؤسسة الأكاديمية، انطلاقًا من قناعة بأن المعرفة لا تنحصر داخل الجامعة، وأن الفنان الشعبي يمكن أن يكون شريكًا أساسيًا في صناعة المعرفة.

أما التوثيق، فكان امتدادًا طبيعيًا لهذا المشروع؛ إذ لم يتعامل عايدابي معه باعتباره مجرد تسجيل للوقائع، وإنما وسيلة لحفظ ذاكرة المسرح من التهميش والنسيان، ومد جسور المعرفة بين الأجيال.

وفي السياق ذاته، تحدث المخرج حاتم محمد علي عن دور مركز التنمية الإعلامية، الذي تأسس عام 2000، في دعم الدراسات البحثية والتوثيقية للحياة المسرحية في السودان، مشيرًا إلى إطلاق جائزة الدكتور يوسف عايدابي للبحث المسرحي لتشجيع الشباب والخريجين على دراسة تاريخ المسرح السوداني.

وكشف عن إصدار المركز أكثر من أربعين عنوانًا حول المسرح السوداني، إلى جانب إطلاق موقع إلكتروني يضم عددًا من البحوث والدراسات والمخطوطات، في خطوة تستهدف حفظ الذاكرة المسرحية وإتاحتها للباحثين والأجيال المقبلة.

ومن جانبه، أعرب يوسف عايدابي عن شكره للمهرجان ورئيسه الدكتور سامح مهران، معتبرًا أن الاحتفاء به هو في الوقت نفسه احتفاء بالسودان وتاريخه الثقافي والفني، كما استعاد علاقته بمصر والشارقة، مؤكدًا أن التجارب التي مر بها رسخت لديه قناعة بأن المسرح مسؤولية قبل أن يكون مجرد ممارسة فنية.

عوني كرومي.. «وسيط الثقافات» يعود إلى الخشبة من بوابة الذاكرة

وفي الندوة الثانية ضمن محور «رد الجميل»، انتقل المهرجان إلى العراق، محتفيًا بتجربة المخرج والباحث والأكاديمي الراحل عوني كرومي، الذي اجتمع المشاركون على وصفه بأنه أكثر من مجرد مخرج أو أستاذ، بل صاحب مشروع جعل المسرح مساحة للحوار بين الثقافات والأجيال.

وأدار الندوة المسرحي والناقد العراقي بشار عليوي، بمشاركة الدكتور محمد سيف، والدكتور رياض موسى سكران، والدكتور نورس عادل، إلى جانب الدكتور جبار جودي، نقيب الفنانين العراقيين، والدكتور سامح مهران رئيس المهرجان.

واستعاد عليوي تجربة كرومي بعد عشرين عامًا على رحيله، متوقفًا عند لقب «وسيط الثقافات» الذي ارتبط باسمه، موضحًا أن أهم ما يميز التجربة ليس مجرد انتقال كرومي بين العراق وألمانيا، وإنما قدرته على جعل المعرفة تتحرك بين الثقافتين.

فبعد دراسته في ألمانيا، عاد كرومي إلى بغداد دون أن يحاول استنساخ التجربة الألمانية، بل ربط النظرية بالممارسة، وحوّل الدرس الجامعي إلى ورشة عمل، واشتغل على الإخراج والتمثيل، وأسهم في تكوين أجيال من المسرحيين والباحثين.

وعندما عاد إلى ألمانيا مرة أخرى، تحولت التجربة بالنسبة إليه من فضاء للمنفى إلى مساحة للعمل والحوار، ومن أبرز نماذج ذلك مشروع «طريق الحرير» مع مسرح الرور، الذي تعامل مع المسرح بوصفه وسيطًا للحوار بين الثقافات.

ومن هنا، بحسب عليوي، استحق كرومي وصف «وسيط الثقافات»، لأنه لم يكتفِ بالعيش بين ثقافتين، وإنما عمل على بناء الجسور بينهما، وحمل إلى المسرح الألماني شيئًا من المسرح العراقي والعربي، وفي المقابل استفاد من التجربة الألمانية في تطوير أدواته المسرحية.

المسرح علاقة إنسانية قبل أن يكون تقنية

وقدم الدكتور محمد سيف صورة إنسانية لكرومي، مستعيدًا علاقته بطلابه وفريقه المسرحي. وقال إن كرومي كان يتحرك وسط طلابه بحيث يصعب على من يراه أن يعتقد أنهم مجرد تلاميذ، لأن العلاقة كانت أقرب إلى الصداقة والمشاركة.

وأشار إلى أن تدريباته كانت أشبه بالمختبر المسرحي، حيث يعمل الممثل والمخرج والسينوغراف وفريق الإضاءة معًا، وهي رؤية اقتربت من بعض الاتجاهات الحديثة في المسرح الأوروبي التي تبدأ من الخشبة وعناصرها المختلفة، وليس بالضرورة من النص وحده.

كما توقف سيف عند علاقة كرومي بالمسرح البريختي، موضحًا أن وصفه بالمخرج البريختي يحتاج إلى قدر من التدقيق، لأن الأهم في تجربته لم يكن نقل بريخت كما هو، وإنما استيعاب مفاهيمه وإعادة توظيفها وفق البيئة والأسئلة العراقية.

ولذلك، تحولت البريختية عند كرومي من نموذج أوروبي جاهز إلى مادة للحوار مع الواقع المحلي، كما استفاد من النصوص والمصادر العراقية القديمة، ومن الأناشيد السومرية والبابلية، مؤكدًا أن المسرح بالنسبة إليه فن كوني يتجاوز الحدود المحلية.

أما الدكتور رياض موسى سكران، فوصف كرومي بأنه «جسر لكل التناقضات» وجسر للحوار مع الآخر، مشيرًا إلى أن مشروعه المسرحي انطلق من النشيج العراقي والحنين والغربة ومكابدة الإنسان لأسئلته.

وتوقف عند عدد من تجارب كرومي، ومنها «أنشودة العمل» و«الذباب والبرغوث»، التي قدمت في فضاءات غير تقليدية، في تأكيد مبكر على انشغاله بتغيير علاقة الجمهور بالمكان المسرحي.

كما تناول تجربة «صراخ الصمت الأخرس»، التي رأى أنها جمعت بين الرمزية والعبثية، واستثمرت الجسد والصورة والسينوغرافيا في التعبير عن ضجيج العالم الحديث وعزلة الإنسان، وما يحيط به من قمع وجوع وحرب واغتراب.

وأكد سكران أن الميل إلى التجريب بدأ مبكرًا في مسيرة كرومي، حتى إنه أصدر وهو دون العشرين بيانًا في الإخراج والمسرح والتجارب المسرحية يدعو فيه إلى التجديد والتعامل مع المناهج والرؤى الحديثة.

"مسرح الأكثرية" .. سؤال الجمهور

بدوره، طرح الدكتور نورس عادل قراءة أوسع لمشروع كرومي، معتبرًا أنه امتلك مشروعًا مسرحيًا يتجاوز حدود التجربة الفردية.

وأشار إلى مفهوم «مسرح الأكثرية» في مشروع كرومي، موضحًا أن ذلك لا يعني التخلي عن الهامش، وإنما إدراك أن هوامش الحياة المعاصرة أصبحت جزءًا من الأكثرية، ومن هنا جاء اهتمامه بإعادة النظر في علاقة المسرح بالجمهور.

كما تناول عادل اشتغال كرومي على فكرة «المخرج الدراماتورج»، وعلى تفكيك النص وإعادة إنتاجه داخل البيئة التي يقدم فيها، بدلًا من نقله بصورة حرفية.

واستشهد بعروض مثل «البرجوازي الصغير» و«ترنيمة الكرسي الهزاز»، مؤكدًا أن كرومي كان يعيد صياغة المادة الأجنبية وفق الأسئلة المحلية، حتى أصبح المتلقي أحيانًا أمام عرض يصعب عليه تحديد ما إذا كان أجنبي المصدر أم أنه أعيد تشكيله بالكامل داخل السياق الثقافي المحلي.

من الكلاسيكيات الإسبانية إلى عالم العرائس

وعلى مستوى العروض، قدم المهرجان تجربة إسبانية مختلفة حملت اسم «TRÍPTICO» أو «الكلاسيكيات الإسبانية»، حيث استضاف مسرح متروبول العرض ضمن المسابقة الرسمية.

واشتغل العرض، الذي تبلغ مدته 45 دقيقة، على المزج بين المسرح الكلاسيكي وفن العرائس، مستعيدًا شخصيات وأعمالًا راسخة في الذاكرة الأدبية الإسبانية، وفي مقدمتها دون كيشوت ودون خوان، إلى جانب موضوعي الحب والموت باعتبارهما قضيتين تتجاوزان حدود الزمان والمكان.

ويعيد العرض تقديم مشهد الطواحين من «دون كيشوت» ومشهد الأريكة من «دون خوان تينوريو»، مع الحفاظ على النص الأصلي، لكن نقله إلى الخشبة يتم عبر فن العرائس والتحريك.

وبذلك يصبح النص الكلاسيكي مادة بصرية وأدائية لإعادة التجربة، دون المساس بالكلمات الأصلية، بينما يتحول التحريك إلى عنصر أساسي في بناء الصورة المسرحية.

وتكمن خصوصية التجربة في وضع الأدب والمسرح والعرائس داخل مساحة واحدة، بحثًا عن لغة مختلفة لإعادة تقديم نصوص يعرفها الجمهور جيدًا، وهو ما يجعل المألوف نفسه مادة للتجريب.

وتولى باكا غارسيا وأنيثيتو روكا تحريك العرائس، كما اشتركا في الإخراج، بينما تولى أنيثيتو روكا الاختيار الموسيقي، وشارك أنطونيو باليستر في الصورة، فيما صمم خوسيه غارسيا الإضاءة.

"أنت منذ الأمس" .. الماضي يواجه الحاضر

ومن الأردن، حمل مسرح الشمس إلى المهرجان عرض «أنت منذ الأمس»، من إعداد وإخراج الدكتور عبدالسلام قبيلات، في معالجة مسرحية لرواية «أنت منذ اليوم» للأديب والشاعر الأردني الراحل تيسير سبول.

لا يتعامل العرض مع الرواية باعتبارها نصًا مغلقًا، وإنما يعيد فتحها من موقع الحاضر، واضعًا الكاتب وبطل الرواية في مواجهة مع الزمن الراهن.

وتنبع فكرة العرض من استدعاء فتاة من الأجيال الجديدة للكاتب تيسير سبول وبطل روايته «عربي»، أثناء قراءتها للعمل، لتبدأ رحلة تتداخل فيها الأزمنة والشخصيات والذكريات.

ويكتسب هذا الاشتغال أهميته من طبيعة الرواية نفسها، التي ظهرت بعد حرب 1967، وحملت في شخصية بطلها أثرًا واضحًا لصدمة الهزيمة والاغتراب والشك في الأفكار والمؤسسات.

ومن هنا جاء تغيير العنوان من «أنت منذ اليوم» إلى «أنت منذ الأمس»، في إشارة إلى أن الزمن قد تحرك إلى الأمام، لكن كثيرًا من الأسئلة التي ارتبطت بذلك «اليوم» لم تتحول بالضرورة إلى ماضٍ.

ويشارك في بطولة العرض حياة جابر، بكر الزعبي، ثامر خوالدة، وطارق التميمي، فيما وضع الموسيقى موسى قبيلات، وصمم الديكور معتز كرامة، وتشارك دانا أو لبن في الإخراج كمساعدة للمخرج، ويتولى ناصر شحدة ورؤى العين داوود إدارة الخشبة.

وأكد قبيلات أن هدفه ليس البحث عن الغرابة لمجرد الغرابة، وإنما الوصول إلى لغة مسرحية خاصة بكل تجربة، مشيرًا إلى أن أسئلة تيسير سبول لم تنتهِ، بل أصبحت أكثر إلحاحًا في الزمن الراهن.

"كتاب الموتى – الاسم المفقود" .. حين يتكلم الموروث بلغة معاصرة

وفي مسار آخر من مسارات التجريب، جاء العرض المصري «كتاب الموتى – الاسم المفقود»، من فكرة وإخراج عزت إسماعيل، ليعيد قراءة نصوص «كتاب الموتى» المصري القديم من منظور معاصر.

ويجمع العرض بين المسرح والرقص والموسيقى والفيديو، بحثًا في العلاقة بين الإنسان والذاكرة والهوية والوجود، محاولًا تحويل النص القديم من أثر تاريخي إلى مادة حية قادرة على التفاعل مع الإنسان المعاصر.

ويرى عزت إسماعيل أن "الاسم"  في العرض لا يمثل مجرد هوية أو تعريف للشخص، وإنما يتحول إلى رمز للهوية باعتبارها كائنًا حيًا يتشكل باستمرار من خلال التجربة ومواجهة الكون والذاكرة والواقع.

ولهذا يمزج العرض بين الحركة المعاصرة والعمارة والذكاء الاصطناعي والرموز المصرية القديمة، بحثًا عن لغة بصرية جديدة تعيد تشكيل الموروث بدلًا من إعادة إنتاجه.

ويشارك في العرض عزت إسماعيل، تادرس كامل، كيندال كرامر، بيلزافينا كرافينس، كيكو ملاك، روبير عطية، ملك سيف، ومحمد فوزي، فيما يتولى شيرين حجازي الدراماتورجيا والكيروجراف، وأحمد طارق الإضاءة، وأشرف حجازي التأليف الموسيقي، والعمل من إنتاج استوديو عزت عزت وبلا دانس استوديو، بدعم من EUNIC اتحاد المعاهد الأوروبية.

"قصة حب جولدوني بفنيسيا" .. من الورشة إلى الخشبة

ويقدم العرض المصري الإيطالي «قصة حب جولدوني بفنيسيا» نموذجًا مختلفًا للتجريب، إذ بدأ من ورشة القناع وكوميديا ديلارتي التي أقيمت بالتعاون مع المركز الثقافي الإيطالي، قبل أن ينتقل إلى خشبة المسرح.

ويقود التجربة دراماتورجيًا وإخراجيًا أليسو ناردين، الذي اشتغل على تحويل الارتجالات والأفكار التي قدمها المتدربون إلى بنية درامية متماسكة.

ولا ينطلق العرض من حكاية تقليدية مكتملة، بل يجعل عملية صناعة المشهد نفسها جزءًا من التجربة؛ إذ تصبح الارتجالات مادة أولية للتأليف، ثم يعاد ترتيبها وتشبيكها وفق خيوط درامية، وصولًا إلى بداية ونهاية واضحتين.

ويحتل الجسد موقعًا أساسيًا في هذه العملية، إلى جانب الحركة وبناء الشخصية وتقنيات كوميديا ديلارتي، بينما تدور المادة الدرامية حول الحب والبحث عن الحب والشريك.

واعتمدت الورشة على تقنيات كوميديا ديلارتي والميكانيكا الحيوية والارتجال وبناء الشخصية من خلال الحركة، مع استخدام القناع باعتباره وسيلة لإعادة اكتشاف العلاقة بين الجسد والخيال والفعل المسرحي.

وتولى أليسو ناردين الدراماتورجيا والإخراج، وشارك في الأداء محمد طارق أبو هندي، شيماء محمد فوزي، ميار الطرابيلي، شادي محمد عبد السلام، مازن أحمد، مؤمن عصام، فاطمة هيشم، جابر أسامة، إسلام جمال، وهمت مصطفى.

وتكشف التجربة عن جوهر مهم في فلسفة المهرجان، يتمثل في عدم الفصل بين التدريب والممارسة، بحيث لا تنتهي الورشة عند حدود اكتساب المهارات، وإنما تتحول مخرجاتها إلى عمل فني أمام الجمهور.

يوم مسرحي يؤكد أن التجريب ليس شكلًا واحدًا

وبين «رد الجميل» واستعادة تجارب يوسف عايدابي وعوني كرومي، وبين عروض تتنقل من العرائس إلى الرواية، ومن الموروث المصري القديم إلى كوميديا ديلارتي، بدا اليوم الثاني من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي وكأنه يقدم تعريفًا عمليًا لفكرة التجريب نفسها.

فالتجريب هنا لا يظهر في صورة تقنية واحدة أو أسلوب محدد، وإنما يتجسد في إعادة النظر إلى العلاقة بين النص والجسد، وبين الماضي والحاضر، وبين التراث والتكنولوجيا، وبين التدريب والعرض، وبين المسرح المحلي والتجارب العالمية.

وفي الوقت نفسه، أكدت الفعاليات الفكرية أن التجديد المسرحي لا يعني القطيعة مع الذاكرة، بل إن استعادة تجارب الرواد يمكن أن تكون فعلًا تجريبيًا في حد ذاته، عندما تتحول السيرة إلى سؤال، والأرشيف إلى معرفة حية، والعروض السابقة إلى مادة لإعادة التفكير.

ويعكس هذا التنوع توجه الدورة الثالثة والثلاثين، التي تجمع إلى جانب عروض المسابقة الرسمية برنامجًا فكريًا وورشًا تدريبية وفعاليات موازية وإصدارات متخصصة في قضايا المسرح والتجريب.

وهكذا، لا يكتفي المهرجان في يومه الثاني بعرض تجارب مسرحية من بلدان متعددة، وإنما يضعها في حوار غير مباشر حول سؤال واحد: كيف يمكن للمسرح أن يعيد اكتشاف أدواته كل مرة، من دون أن يفقد علاقته بالإنسان والذاكرة والمجتمع؟

إنها معادلة تبدو واضحة في مختلف محطات اليوم؛ فالكلاسيكيات الإسبانية تعود عبر العرائس، ورواية تيسير سبول تعود من الماضي لتواجه الحاضر، و«كتاب الموتى» يتحول من بردية قديمة إلى فضاء بصري يستعين بالتكنولوجيا، بينما تتحول تدريبات القناع والارتجال إلى عرض مسرحي كامل.

وبهذا المعنى، يواصل مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي أداء دوره كمساحة تجمع بين المعرفة والممارسة، وبين الذاكرة والمستقبل، وتمنح التجريب معناه الأوسع باعتباره بحثًا مستمرًا عن أسئلة جديدة ولغات قادرة على التعبير عن الإنسان وتحولاته.
---------------------------------------
كتبت - أمنية طلعت المصري