15 - 09 - 2026

ماذا تعني زيارة الرئيس شي جين بينج إلى القاهرة لمستقبل الشراكة الصينية في المنطقة؟

ماذا تعني زيارة الرئيس شي جين بينج إلى القاهرة لمستقبل الشراكة الصينية في المنطقة؟

لم يكن الاستقبال المصري الحافل لضيف العالم العربي الرئيس الصيني شي جين بينغ في القاهرة مجرد تفصيل بروتوكولي وإنما حمل دلالة سياسية واضحة على  قوة العلاقات المصرية الصينية وعلى الأهمية التي توليها القاهرة وبكين لهذه الزيارة، في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.

جرت الزيارة الرسمية يومي 1 و2 سبتمبر/أيلول 2026 بدعوة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بالتزامن مع مرور سبعين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين وكانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية لتبدأ منذ ذلك التاريخ مسيرة طويلة من التعاون وتبادل المصالح

والحديث عن العلاقات المصرية الصينية يستدعي أيضا البعد الحضاري نحن أمام حضارتين عريقتين أسهمتا على مدى قرون في تشكيل جانب مهم من تاريخ الإنسانية وقد أضاف هذا البعد عمق خاص إلى علاقة تطورت مع الزمن من التواصل السياسي إلى شراكة واسعة في مجالات الاقتصاد والتنمية والتجارة والتكنولوجيا.

لكن أهمية الزيارة اليوم لا تتوقف عند الاحتفال بسبعة عقود من العلاقات جاءت في سياق تتسع فيه مجالات التعاون بين البلدين بينما تشهد المنطقة تحولات سياسية وأمنية واقتصادية متسارعة ومن هنا تبدو الزيارة محطة مهمة في رسم ملامح مرحلة جديدة من الشراكة الصينية المصرية ذات الأفق الإقليمي الأوسع.

شراكة تتجاوز الإطار الثنائي

اللافت أن الزيارة رغم اتساع أجندتها الاقتصادية والتنموية لم تختزل في بعدها الثنائي وإنما شكلت مناسبة لتأكيد رؤية مشتركة تجاه عدد من القضايا التي تمس الأمن الإقليمي والنظام الدولي

وأكد البيان المشترك الصادر بمناسبة الزيارة مواصلة تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، وتعزيز الاتصالات رفيعة المستوى، وتوسيع التنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية إلى جانب الدفاع عن مصالح الدول النامية ودول الجنوب العالمي

وهذا يعبر بشكل واضح عن انتقال العلاقة المصرية الصينية إلى مستوى يتجاوز التعاون الثنائي المباشر نحو تنسيق أوسع في الملفات التي تتقاطع فيها المصالح المصرية والصينية مع التحولات الكبرى في المنطقة والعالم

البحر الأحمر.. أهمية تتجاوز أمن الملاحة

ومن أبرز الملفات التي تستحق التوقف عندها في البيان المشترك مسألة البحر الأحمر أكد الجانبان أهمية تعزيز التعاون الإقليمي والحفاظ على أمن المنطقة وحرية الملاحة والتجارة الدولية، مع التأكيد على الدور الرئيسي للدول المشاطئة في حوكمته وأمنه.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في ظل المكانة المتزايدة للبحر الأحمر في حركة التجارة العالمية باعتباره حلقة وصل بين آسيا وأفريقيا وأوروبا وممر رئيسي للطاقة والبضائع وسلاسل الإمداد.

وأمن البحر الأحمر لا يرتبط بالجانب العسكري وحده استقرار الدول المشاطئة واحترام سيادتها، وتعزيز التنمية وتطوير البنية التحتية، كلها عوامل ترتبط بصورة مباشرة بأمن الملاحة واستدامته.

و أي مقاربة طويلة المدى لأمن البحر الأحمر تحتاج إلى الجمع بين الأمن والتنمية والتعاون الإقليمي بما يحافظ على حرية الملاحة ويخدم مصالح الدول والشعوب المرتبطة بهذا الممر الحيوي.

وتكتسب الزيارة أهمية إضافية من مكانة مصر الجيوسياسية فهي دولة عربية وأفريقية ومتوسطية وتطل على قناة السويس أحد أهم شرايين التجارة العالمية. ولذلك فإن موقعها يجعلها طرف محوري في أي تصور يرتبط بمستقبل التجارة والربط الاقتصادي بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

فلسطين.. موقف حاضر

القضية الفلسطينية حضرت بقوة في مباحثات الرئيسين مع تأكيد التمسك بحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية ورفض تهجير الفلسطينيين

ويحمل هذا الموقف أهمية خاصة بالنظر إلى الدور المصري في القضايا العربية والإقليمية وكذلك إلى الحضور الصيني المتنامي في الملفات الدولية وقضايا السلام والتنمية.

وتكشف هذه المساحة من التوافق عن جانب آخر من طبيعة الشراكة بين القاهرة وبكين فهي لا تقوم على المصالح الاقتصادية فقط، وإنما تمتد إلى مواقف سياسية تتصل بأزمات المنطقة وبالنقاش الأوسع حول مستقبل النظام الدولي.

الاقتصاد وبناء القدرات

و الاقتصاد أحد أهم محاور الشراكة المصرية الصينية و تركيز متزايد على مجالات التصنيع والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والتحول الرقمي والخدمات اللوجستية إلى جانب التعاون في إطار مبادرة الحزام والطريق وتطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس

وتكمن أهمية هذا المسار في قدرته على نقل العلاقات الاقتصادية من مجرد التبادل التجاري إلى بناء قدرات إنتاجية واستثمارية طويلة المدى.

تملك مصر مقومات تجعلها شريك مهم في هذا الاتجاه قناة السويس أحد أهم الممرات التجارية العالمية، فيما توفر المنطقة الاقتصادية للقناة فرصة لربط الإنتاج بالأسواق الآسيوية والأفريقية والأوروبية، بما يعزز موقع مصر في سلاسل الإمداد والتجارة الدولية

من القاهرة إلى أفق إقليمي جديد

زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة أكدت أن العلاقات الصينية المصرية تتحرك من شراكة ثنائية راسخة إلى تعاون أكثر ارتباط بالتحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة.

الصين تنظر إلى المنطقة من زاوية اقتصادية واستراتيجية واسعة ومصر تمتلك موقع وثقل سياسي وجغرافي يؤهلانها للعب دور مهم في هذا المسار.

والبحر الأحمر مساحة تتقاطع فيها المصالح الآسيوية والعربية والأفريقية والدولية، ما يجعل استقراره وأمنه وحرية الملاحة فيه قضية تتجاوز حدود الدول المطلة عليه وترتبط بصورة مباشرة بحركة التجارة العالمية واستقرار سلاسل الإمداد.

لذلك فإنها  زيارة يمكن قراءتها باعتبارها أكثر من محطة في تاريخ العلاقات بين البلدين ومؤشر على مسار تتجه فيه الشراكة الصينية في المنطقة نحو مجالات أوسع بعد سبعين عام من العلاقات المصرية الصينية تبدو اليوم المرحلة المقبلة مختلفة في طبيعتها التحدي لم يعد فقط الحفاظ على شراكة تاريخية وإنما تحويل هذا الرصيد إلى مصالح متشابكة ومشروعات طويلة المدى و القاهرة إحدى النقاط المهمة في رسم ملامح الحضور الصيني وآفاقه في المنطقة.

……………………..

بقلم/ علي العقبي / صحفي وناشط سياسي يمني مهتم بالعلاقات اليمنية الصينية

مقالات اخرى للكاتب

الإمارات تستعد لصدارة سباق الاقتصاد العالمي بالذكاء الاصطناعي