08 - 09 - 2026

مسؤولية الخصم التعسفية عن تعويض أضرار التقاضي في الأنظمة السعودية

مسؤولية الخصم التعسفية عن تعويض أضرار التقاضي في الأنظمة السعودية

تلزم المحكمة الطرف المسيء بتعويض الخصم الآخر عن كافة الأضرار المادية (أجور المحامين، مصاريف التنقل، فوات الكسب) المعادلة للجهد والضرر.

وتندرج الطبيعة القانونية لدعوى أتعاب المحاماة (التي يرفعها الخصم الرابح ضد الخصم الخاسر) بناءً على الأنظمة القضائية والتشريعية الحديثة في المملكة العربية السعودية خاصة نظام المعاملات المدنية، تحت تكييف "دعوى التعويض عن أضرار التقاضي" المستندة إلى المسؤولية التقصيرية (الفعل الضار)، وليس المسؤولية العقدية.

وحيث إن الطبيعة القانونية للمطالبة بأتعاب المحاماة ومصاريف الخصومة بين أطراف الدعوى تكيّف نظاماً بأنها (دعوى تعويض عن أضرار التقاضي) استناداً إلى أحكام المسؤولية التقصيرية (الفعل الضار) في نظام المعاملات المدنية، وإذ قررت المادة (28) من النظام ذاته أن 'الجواز الشرعي ينافي الضمان'، إلا أن هذا الجواز مقيد بعدم التعسف في استعمال الحق. ولما كان مسلك الخصم قد انطوى على تعسف ظاهر تمثل في المطل، أو الكيد، أو قصد الإضرار المحض، مما ترتب عليه أضرار مادية لحقت بموكلي تمثلت في دفع أجور المحاماة، ومصاريف التنقل، وفوات الكسب، وهي أضرار مباشرة ترتبط برابطة السببية بمشروع التقاضي المفتعل؛ فإن أركان المسؤولية التقصيرية من (خطأ، وضرر، وعلاقة سببية) تكون قد استقرت موجبة للتعويض المعادل للجهد والضرر.

لمّا كان حق التقاضي من الحقوق المكفولة بنص المادة (السابعة والأربعين) من النظام الأساسي للحكم، والتي جعلت هذا الحق مظلة وقائية مشروعة ومتاحة للجميع من مواطنين ومقيمين؛ فإن الأصل الثابت في ممارسة هذا الحق هو المشروعية وحسن النية المجرّد عن إرادة الإضرار.

وعلى الرغم من أن إساءة استعمال حق التقاضي (أو التعسف فيه) يُعد عارضاً يخرج الخصومة القضائية عن مقاصدها العدلية النبيلة، ويحولها من وسيلة لحماية الحقوق إلى أداة للمماطلة والنكاية بالخصوم وهو ما يوجب المسؤولية والتعويض إلا أن القضاء قد ضبط معيار هذا التعسف بضوابط صارمة؛ إذ يرتكز أساساً على "العلم اليقيني بالبطلان" أو "انتفاء الشبهة تماماً"، بحيث يثبت أن المتنازع يستمر في خصومته أو مماطلته وهو يعلم يقيناً أنه غير محق.

وتتجلى صور إساءة استعمال هذا الحق فيما وصمه المنظم السعودي بالوصف الموجب للتعزير أو التعويض، كالدعاوى الكيدية أو الصورية المنصوص عليها في المادة (الرابعة) من نظام المرافعات الشرعية، أو إنكار الحقوق الثابتة والمماطلة المنصوص عليها في نظام المحاكم التجارية، والمتمثلة في الامتناع عن أداء حق ظاهر العدالة والثبوت (كالالتزامات الناشئة عن الأوراق التجارية أو العقود الموثقة) لإجبار الدائن على سلوك سبيل التقاضي قصد إطالة أمد السداد، وهو المطل والظلم الموجب لرد أتعاب المحاماة ومصاريف التقاضي.

واستخلاصاً وتطبيقاً لما سلف ذكره فإن مجرد خسارة الخصم لدعواه لا تعني تلقائياً وبقوة النظام أنه ارتكب خطأً موجباً للمسؤولية والتعويض؛ إذ ينفي ركن الخطأ تماماً متى ما كان اللجوء إلى القضاء قائماً على "شبهة سائغة" أو "ظنٍّ بمشروعية المطالبة"، إعمالاً للقاعدة الفقهية المستقرة الجواز الشرعي ينافي الضمان، والقول بغير ذلك فيه تضييق للمشروع وتقييد لما كفله النظام الأساسي للحكم.

ومن أبرز الأمثلة الجوهرية والواقعية التي تؤكد حسن النية وينهار معها ركن الخطأ: (غموض البنود العقدية). فإذا شاب العقد لبسٌ أو إبهام يحتمل التأويل، أو ثار خلاف موضوعي بين أطرافه في تفسير وقائعه ومدى إنفاذ التزاماته المتبادلة، فإن خسران الطرف لدعواه لا يخرجه عن دائرة ممارسة الحق المشروع؛ إذ يغدو لجوؤه للقضاء حينئذٍ إجراءً تدبيرياً وتفسيرياً طبيعياً استدعى تدخّل القضاء للوقوف على التفسير النظامي الصحيح، لا بقصد الإضرار بالخصم أو نكايته.

ولما كان الدفع بانتفاء ركن الخطأ لغموض العقد وسائغية اللجوء للقضاء يُعد دفعاً نظامياً موضوعياً قوياً يرفع عن كاهل المتقاضي وصف المتعسف أو المخطئ؛ فإن التبعية القانونية والمنطقية المترتبة على ذلك هي سقوط دعوى التعويض عن أتعاب المحاماة ومصاريف التقاضي، لعدم اكتمال أركان المسؤولية التقصيرية المتمثلة في (الخطأ، والضرر، والعلاقة السببية)، وحيث إنه إذا انهار ركن الخطأ، تهاوت معه المسؤولية لعدم قيامها على ساق.
--------------------------------
بقلم: د. محمد جلال عبد الرحمــن
* كاتب وباحث، حاصل على دكتوراة في القانون التجاري جامعة القاهرة، محام بالنقض ومستشار قانوني
بريد الكتروني: [email protected]

مقالات اخرى للكاتب

مسؤولية الخصم التعسفية عن تعويض أضرار التقاضي في الأنظمة السعودية