02 - 09 - 2026

محاورة نقدية لكتاب أحمد فؤاد "كيف تقرأ القصة القصيرة؟"

محاورة نقدية لكتاب أحمد فؤاد

شعبة النقد الأدبي باتحاد الكتاب تطرح مداخل جمالية ومعرفية حول قراءة القصة القصيرة، وتطرح تساؤلات جادة:
- هل كل تجديد يعد تجريبا في الكتابة القصصية؟ وما الحد الفاصل بين التجريب والتجديد؟
- نقاد الأدب والبلاغة يكشفون الفروق الدقيقة في الإجابة على تلك الأسئلة

انضم كتاب الدكتور أحمد فؤاد " كيف تقرأ القصة القصيرة ..مداخل معرفية ودراسات تطبيقية" لقائمة النقاشات التى تجريها شعبة النقد والدراسات الأدبية والتراجم على ساحتها شهريا برئاسة الدكتورة هدى عطية، وتحت رعاية الدكتور علاء عبد الهادي، رئيس النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، والأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب. وقد أوضحت الدكتورة هدى عطية أهمية هذا المؤلف النقدي، وما يضيفه إلى رصيد المكتبة العربية؛ إذ يسعى فيه الدكتور أحمد فؤاد إلى فك الاشتباك المعرفي والجمالي حول سؤال لطالما أرّق نقاد الأدب وقراءه، وهو: كيف يمكن جسْر الهوة بين متعة التلقي، وصرامة الأدوات النقدية والتحليلية؟ وفي طرحها للمحور الذي يدور حوله النقاش، انطلاقا من العنوان الذي اختاره صاحب الكتاب" كيف تقرأ القصة القصيرة"، كانت الأسئلة المفتاحية  لرصد رؤى النقاد المشاركين في النقاش النقدي الذي ضمته أروقة النقابة العامة لاتحاد الكتاب، وهي : إلى من يتحدث الدكتور أحمد فؤاد؟ وأي قارئ هو المقصود في هذا العنوان الاستفهامي؟ وما هي المداخل التي يمكن أن يمنحها الناقد إلى القارئ العام؟ وهل يمكن تذويب الفروق المصطنعة بين القراءة الانطباعية والقراءة الموضوعية لدى القارئ المثقف؟ 

مساحات واسعة للاتفاق..ومساحات أخرى للاختلاف

 يجمع النقاد المشاركون في النقاش النقدي الذي أدارته الدكتورة هدى عطية، رئيسة شعبة النقد والدراسات الأدبية والتراجم، حول كتاب " كيف تقرأ القصة القصيرة..مداخل معرفية ودراسات تطبيقية" على سلاسة اللغة التي استخدمها المؤلف في طرح مقاربته النقدية حول ما يتعلق بقراءة القصة القصيرة وتعدد المداخل إلى ذلك، وبعدها عن التقعر اللغوي، بل وعدها من نقاط القوة التي تحسب للدكتور أحمد فؤاد في تقديم مؤلفه إلى القارئ العام، وهو ما أكد عليه الدكتور وجيه يعقوب، أستاذ النقد الأدبي بكلية الألسن جامعة عين شمس، موضحا أن سهولة اللغة ووضوح الكتاب قد يعتبره البعض عيبا أو تسطيحا، إلا أن اقتران هذه السهولة بالبعد الأكاديمي في هذا الكتاب مما يحسب له. وهو ما اتفق معه الدكتور حسام جايل، أستاذ النقد واللسانيات، مؤكدا على هذا البعد في صياغة اللغة الذي يحدث نوعا من الألفة مع ما يقدمه الناقد، لاسيما وأن الأسلوب الذي يكتب به عربي فصيح، ويأتي ضمن المتعارف عليه. 

غير أن أهم ما اجتمع عليه النقاش النقدي حول أهمية هذا الكتاب، هو إفساح المجال أمام الدراسات التطبيقية في مقابل التنظير النقدي في أضيق الحدود، وهو ما أشار إليه الدكتور جميل عبد المجيد أستاذ النقد والبلاغة، مفندا الأسباب التي تقف خلف استحسان هذا النهج في المقاربة النقدية لقراءة القصة القصيرة؛ فهو أولا: لا يرهق القارئ العام بالمفاهيم والمناهج النقدية، كما يجعل تركيزه على التطبيق، وهو ما يفتقده أغلب الباحثين في هذه الآونة، كما أن تخصيص كل كاتب في فصول كتابه بمدخل معرفي للتطبيق عليه هو من أهم ما يتفرد به هذا المؤلف، ويعطيه ثقلا نقديا. ولم يختلف الدكتور وجيه يعقوب في تأكيد فرادة هذا المنحى، معتبرا أن هذا هو الجديد والجيد في قراءة القصة القصيرة، أخذا في الاعتبار ما قدمته الحركة النقدية على مدى سنوات، وما تعج به المكتبة العربية من مؤلفات عن فن كتابة القصة القصيرة، وما ترجم من كتب، تتجه في مجملها للتنظير، ويتراجع فيها التطبيق النقدي، خلافا لما نجده في كتاب الدكتور"أحمد فؤاد"، الذي يتحرك فيه بوعي نقدي، يدرك ما قُدم في هذا الاتجاه، ويضيف إليه. الأمر ذاته ذهب إليه الدكتور حسام جايل، مضيفا سمة مهمة من سمات الكتاب، وهي الاعتماد على الإحصاء، تلك السمة التي اشترك في الإشارة إليها أيضا الدكتور جميل عبد المجيد، لافتا إلى قدرتها في رصد أشكال بلاغية وجمالية تسهم في تقديم قراءة مغايرة لتقنيات الكتابة عند الأدباء. 

فيما تقاربت أوجه اختلاف النقاد الثلاثة مع ما طرحه الدكتور أحمد فؤاد في فصول كتابه الثلاثة، مع بعض الفروق الطفيفة التي انفرد بها كل ناقد على حدة؛ فعلى حين كان الفصل الأول الذي خصصه الكاتب للعنوان باعتباره عتبة أولى في القراءة النقدية محل إشادة بوجه عام، رأى فيه الدكتور وجيه يعقوب أن انشغال الكاتب بالعنوان والعناوين الفرعية، هو انشغال أصيل بعمل الأديب دون ما عداه من عتبات هي من صميم عمل الناشر، فإن تناول هذه العتبة (العنوان) ضمن المنحى التجريبي في القصة، كان المحور الأكثر جدلا، الذي اتفق النقاد الثلاثة في اختلافهم مع ما ذهب إليه الكاتب في إدراج العنوان ضمن هذا الإطار، وأنه وإن وضع العناوين التي اختارها يوسف الشاروني لنصوصه في هذا الاتجاه، استنادا إلى تأثرها بالكتابات الصحفية، فإن ذلك ليس مجالا في الإبداع للتجريب الفني وفقا لما قاله الدكتور جميل عبد المجيد، كما أنه مطالب بمزيد من التحديد والتحليل لبعض الأحكام التي انتهى إليها، والكشف عن المعيار الذي استند إليه في إقرار بعض الظواهر التجريبية، على النحو الذي وضحه الدكتور وجيه يعقوب. 

التقنيات الشعرية في بناء المجموعات القصصية ليوسف إدريس، كانت من بين المحاور التي دار حولها الخلاف النقدي حول كتاب" كيف تقرأ القصة القصيرة"؛ إذ غاب عن ساحة الفصل الذي خصصه المؤلف لهذا المدخل، تفسير استدعاء الأدباء لهذه التقنيات، والتعريف الإجرائي لمفهوم السرد الشعري، والتمييز بين الشعرية بوصفها سمة أسلوبية عامة، وبين السرد الشعري بوصفه طريقة مخصوصة في بناء الحدث والشخصية والزمان، فضلا عن توضيح الأسباب التي من أجلها ذهب يوسف إدريس إلى توظيف أدوات الشعر داخل قصصه، وقد أفاض الدكتور وجيه يعقوب في تفصيل هذه المحاور، متسائلا عن الحد الفاصل بين التجريب الفني والتجديد؟ وهل كل خروج عن المألوف يعد تجريبا؟ وهل المضمون نفسه يمكن أن يكون تجريبيا؟ أم أن التجريب لا يصبح سرديا إلا حين ينعكس على طريقة تشكيل هذا المضمون داخل الخطاب؟. 

التداخل أمر طبيعي وبدهي..هكذا جاء تأكيد الدكتور حسام جايل بشكل قاطع في تعقيبه على محور التداخل بين القصة والمسرحية، الذي رصده الكاتب ضمن مداخله لقراءة القصة القصيرة، مشيرا إلى أن كل فن يحمل عناصر من الفنون الأخرى؛ فالقصة تحمل عناصر شعرية، والشعر يحمل عناصر سردية، ولكن الإشكالية تكمن في الانزياح الكامل بين الحدود، الذي يروق للبعض تسميته بـ" الكتابة عبر النوعية"، وهي سمة الكتاب الضعفاء.

صوت الناقد .. صوت الجمهور

فتح النقاش النقدي حول كتاب "كيف تقرأ القصة القصيرة..مداخل معرفية ودراسات تطبيقية" أسئلة تدور بالعقل النقدي، لم تستجب لإجابات سطحية خلال الندوة التي عقدتها شعبة النقد والدراسات الأدبية والتراجم، بل طرحت رؤى عميقة حول تلك التساؤلات، شكلت في مجملها زوايا جديرة بالبناء عليها، اختتمتها الدكتورة هدى عطية رئيسة الشعبة بمحطة وصول إلى فكر الناقد صاحب الطرح الأصلي في الكتاب موضع المناقشة، وقد أكد الدكتور أحمد فؤاد في تعقيبه على ما أثير من تساؤلات، وما طرح من رؤى، أن كتابه هو جزء من مشروع نقدي بدأه عام 2020 لتقديم بعض المداخل التي يمكن من خلالها تقديم دراسات تطبيقية في النصوص الأدبية كان أولها: كتاب "استراتيجيات النقد الشعري"، ثم في عام 2024 قدمت كتابا آخر بعنوان" استراتيجيات النقد السردي"، وصولا إلى كتاب " كيف تقرأ القصة القصيرة"، الصادر عام 2025، لافتا إلى أنه كان من الممكن أن يكون عنوان الكتاب " استراتيجيات نقد القصة القصيرة"، ارتباطا بالكتابين السابقين، لكنه آثر أن يجعله مناسبا للقصة القصيرة، وللقارئ المثقف الذي يمتلك الأدوات النقدية، ويحب النصوص الأدبية ولكنه يحتاج لمزيد من العمق، من هنا، كان العنوان الفرعي " مداخل معرفية ودراسات تطبيقية" لتوضيح ما تستند إليه القراءة من مداخل معرفية، كان التطبيق فيها هو الجانب الأكبر. 

مداخلات الجمهور كان الجانب الأكبر فيها ينصب حول غياب الأجيال الجديدة عن ساحة التناول النقدي في هذا الكتاب، وعدم استناد منطقية المعايير التي تم بها اختيار الكُتاب الذين تضمنتهم الدراسة؛ إذ اختارت يوسف الشاروني، ويوسف إدريس، وهما من جيل متقارب، فيما كان اختيار" شريف عبد المجيد"، قفزة بعيدة في الاختيار. وقد أوضح " فؤاد" أن المعيار الذي اعتمده في اختيار الكتاب، ليس المجايلة، أو أن يكون هناك تعددا في الأجيال، وإنما أن يكون المدخل النقدي ملائما لدراسة النص الأدبي.
--------------------
كتبت -  د. سميرة أبو طالب
* ناقدة متخصصة في فنون الأداء، والمنسقة الإعلامي 

لشعبة النقد والدراسات الأدبية والتراجم باتحاد الكتاب