03 - 09 - 2026

لماذا قصف ترامب إيران الآن؟ سيناريو المرحلتين قبل المواجهة الكبرى

لماذا قصف ترامب إيران الآن؟ سيناريو المرحلتين قبل المواجهة الكبرى

في مشهد متسارع الأحداث، وفي غضون 48 ساعة فقط، شهدت المنطقة سلسلة من التحركات التي تحمل في طياتها أكثر مما يظهر على السطح:

أولاً، وقّعت إسرائيل واليونان اتفاقاً حكومياً ضخماً يقارب 3.035 مليار يورو، لإنشاء منظومة دفاع جوي وصاروخي متكاملة مع طائرات مسيّرة، سُمّيت "درع أخيل". لكن هذه الصفقة، التي تم توقيعها في تل أبيب بين كبار مسؤولي الدفاع في البلدين، ليست مجرد عقد تسليح عابر، بل هي رسالة استراتيجية واضحة: تحويل شرق المتوسط إلى حيز أمني موالٍ لإسرائيل واليونان، موجه ضد تركيا كمنافس إقليمي رئيسي، وبناء أداة ردع جديدة لكبح النفوذ التركي في البحر، تمهيداً لمواجهة أوسع في المستقبل.

ثانياً، وفي تطور مفاجئ، شنّت الولايات المتحدة هجوماً جوياً استمر سبع ساعات، استهدف خمس محافظات إيرانية، وركّز بشكل خاص على قواعد الصواريخ الإيرانية في المناطق الجنوبية.

ثالثاً، خرج الرئيس ترامب ليعلن أن هذا القصف، الذي طال محافظة "لارك" جنوب إيران، ليس سوى جولة محدودة، وأن "المواجهة الكبرى" مع إيران لم تبدأ بعد، في إشارة واضحة إلى أن ما جرى كان مجرد تمهيد. وهنا يبرز السؤال المحير: إذا كانت المواجهة الكبرى لم تأتِ بعد، وإذا كانت الجولة الحالية محدودة، فلماذا اختار ترامب استهداف قواعد الصواريخ الإيرانية تحديداً في هذا التوقيت؟

الجواب يكمن في أن أمريكا تركز حالياً على مرحلتين حاسمتين قبل الدخول في المواجهة الشاملة:

المرحلة الأولى: إنهاء إسرائيل لاحتلال المناطق العازلة في جنوب لبنان، وجنوب سوريا، وغزة، والضفة الغربية (التي تسيطر إسرائيل بالفعل على أكثر من 70% من مساحتها). هذه المرحلة تهدف إلى تأمين حدود إسرائيل الشمالية والجنوبية وإحكام السيطرة الميدانية.

المرحلة الثانية: تأمين ممر "الهند – أوروبا" التجاري، الذي يمر قريباً من مضيق هرمز، ضد أي تهديدات محتملة. وهذا يستلزم من إسرائيل استكمال سيطرتها الكاملة على جنوب سوريا، الأمر الذي يفسر التوترات والنزاعات الدائرة حالياً في مناطق مثل السويداء بجنوب سوريا بين قوات حكمت الهاجري من جهة، وقوات الجولاني من جهة أخرى.

إذن، الهجوم الأمريكي على قواعد الصواريخ الإيرانية لم يكن غاية في حد ذاته، بل خطوة تمهيدية ضمن سياق أوسع، تهدف إلى:

· شلّ قدرة إيران على الرد، قبل أن تشتبك إسرائيل في معارك التثبيت في جنوب سوريا ولبنان.

· تأمين الممرات البحرية والتجارية الحيوية، تمهيداً للمواجهة الكبرى التي أشار إليها ترامب.

· إرسال رسالة ردع مزدوجة: لإيران بأن قدراتها الصاروخية ليست في منأى عن الضربات، ولتركيا بأن تحالفات شرق المتوسط تتشكل دونها.

في المشهد الكلي، ما نشهده ليس مجرد ضربة عسكرية عابرة، بل حلقة في سلسلة طويلة من إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، على وقع تسارع إسرائيلي أمريكي لإنهاء الملفات الميدانية قبل الإقدام على ما وصفه ترامب بـ"المواجهة الكبرى".
------------------------------------
بقلم: د. أحمد عبد العزيز بكير


مقالات اخرى للكاتب

لماذا قصف ترامب إيران الآن؟ سيناريو المرحلتين قبل المواجهة الكبرى