02 - 09 - 2026

ملامح | في زمن "المقلوبة"

ملامح | في زمن

"المقلوبة" طبق عربي عريق، تعود جذوره إلى المطبخ الشامي والعراقي، وتُخبرنا أوراق التاريخ أن اسمها الحالي ارتبط بفتح صلاح الدين الأيوبي لبيت المقدس. يُذكر أن الأكلة كانت تُعرف قديماً بـ "الباذنجانية"، نسبة إلى مكونها الرئيسي، حتى تناولها الناصر صلاح الدين الأيوبي وجنوده احتفالاً بالنصر مع أهالي القدس؛ فلما رآها تُقلب في أواني التقديم أمام الضيوف، سماها معجباً "الأكلة المقلوبة"، ليلتصق بها الاسم منذ ذلك الحين.

لم تكن "المقلوبة" حينها سوى فنٍّ في الطهي تُقلب في الإناء لتستقر المكونات في ترتيب جميل، لكن المفارقة اليوم أننا نعيش مجازاً في "زمن المقلوبة"؛ حيث لم يعد التقليد مجرد طريقة تقديم لطبق طعام، بل أضحى حقيقة نراها في السياسة والإعلام وكافة مناحي الحياة؛ زمنٌ قُلبت فيه المفاهيم وغُيّبت فيه البديهيات.

في السياسة.. منطق معكوس

في السياسة، تُطالَب المقاومة بتسليم سلاحها أملاً في "سلام" مع الاحتلال، وتحت وطأة منطق معكوس يُقنع الضحية أن استعادة أرضها لن تتحقق إلا بالتجرد من وسائل دفاعها، بينما يمضي الاحتلال في جرائمه دون رادع، متذرعاً بسلاح الضحية كسببٍ للعدوان.

وفي المنطق المقلوب ذاته، حين يقع العدوان على إيران، تتجه الدعوات الدولية إلى الطرف المعتَدَى عليه لمطالبته بـ "ضبط النفس" ووقف التصعيد، محملين إياه المسؤولية عن اضطراب المنطقة، فيما يُغفَل الطرف الذي بدأ الهجوم وانطلق من القواعد المجاورة. وتُطالَب طهران بفتح مضيق هرمز لضمان حرية الملاحة، دون أن يُطالَب المعتدي بفك الحصار أو إيقاف العدوان الذي كان سبباً أساسياً في إغلاقه.

وفي القضية الفلسطينية، تبلغ "المقلوبة" أقصى صور السريالية؛ حيث يواصل الاحتلال تهجير الفلسطينيين في الضفة الغربية، ويستكمل حرب الإبادة في قطاع غزة، معلناً جهاراً رفضه لمبادرات السلام، بينما يتجه ضغط الوسطاء نحو المقاومة لإجبارها على تقديم التنازلات؛ إرضاءً لطرفٍ غائب أساساً عن طاولة التفاهمات، ولم يلتزم بما اتُفق عليه.

ومن مفارقات هذا الواقع المقلوب أيضاً، أن تندفع السلطة الفلسطينية للانشغال بترتيبات انتخابات تشريعية، في وقتٍ يقطع فيه الاحتلال والمستوطنون أوصال التواصل بين المدن، وينكوي فيه الشعب يومياً بآلة القتل والتهجير القسري.

وفي لبنان، تتجلى "المقلوبة" في أبهى صورها؛ حين تقف السلطة الرسمية في خندق الموقف الإسرائيلي، مطالبةً بنزع سلاح المقاومة كشرطٍ لتحرير الجنوب الذي يتعرض للدك والإبادة اليومية، متذرعةً بأن استعادة الأرض لا تكون إلا بمسار "السلام" مع احتلال يعلن قادته جهاراً رفضهم للانسحاب، ويشرعون عملياً في اقتطاع جزء من الجنوب لإقامة "منطقة أمنية عازلة".

أما في اليمن، فتكتمل المأساة بمفارقة أشد غرابة؛ فبدلاً من أن تسعى الدول العربية الشقيقة إلى رأب الصدع بين أبناء الوطن الواحد حمايةً لأمن المنطقة واستقرارها، تتصدر الرياض المشهد بالحصار والعدوان على اليمنيين، مكررةً الأدوات ذاتها التي تُمارَس ضد قطاع غزة، وفي الوقت ذاته تخرج ببيانات تنتقد الممارسات الإسرائيلية وتستنكرها (!!)

رياضة الـ "شقلبة"

ولعل الشواهد الرياضية، على المستويين الدولي والمحلي، تُقدم الدليل الساطع على هذا المنطق المقلوب. ففي بطولة كأس العالم بـ (الولايات المتحدة وكندا والمكسيك)، تجلت الترضيات والتحيزات التحكيمية لصالح كبار اللعبة، وفي مقدمتهم الأرجنتين، بينما بُذلت الجهود في المدرجات الأمريكية لمنع رفع علمَي فلسطين وإيران، وحظر أي تضامن إنساني، في ازدواجية تُبيح التسييس للأقوياء وتصادره عن الضحايا.

أما على المستوى المحلي في مصر، فالمشهد لا يقل غرابة؛ حيث تتواصل القرارات العشوائية التي تعكس "شقلبة" حقيقية في إدارة اللعبة. يفاجأ الجمهور باندماجات هجينة بين فرق الشركات الكبرى وأندية الأقاليم ذات الشعبية التاريخية ـ كما حدث في تجارب مثل "الشرقية إنبي" و"السويس بتروجت"ـ فبدلاً من دعم أندية الأقاليم الجماهيرية وتوفير مستثمرين لتطويرها بشكل مدروس مع الحفاظ على هويتها، يُلجأ إلى حلول ترقيعية تفقد الأندية تاريخها.

يُضاف إلى ذلك حالة الإرباك الدائم في نظام الدوري العام، الذي تحوّل من نظامه الأصيل (دورين كاملين) إلى نظام الدورة الواحدة وتقسيم الفرق في الدور الثاني؛ بحجة "الوضع الاستثنائي" الذي سرعان ما تحول إلى قاعدة دائمة. وفي هذا النظام إجحاف صريح وتغييب لتكافؤ الفرص؛ حيث تُحرم الفرق من التعويض، ويُفرَض منطق التعجل على البطولة الأكثر عراقة في المنطقة.

إعلام بلا إعلاميين

لم يقف زمن "المقلوبة" عند حدود السياسة والملاعب، بل امتد ليعصف بصناعة الوعي؛ حيث غُيّبت الحقائق على الشاشات ليغدو المعتدي ضحيةً تبحث عن الأمن، والضحيةُ متهمةً بـ "التحريض" لأنها ترفض الموت بصمت. أُفرغت المصطلحات من مضامينها؛ فصار التفريط "حكمة"، والتمسك بالحق "مغامرة"، وتصدرت المشهد أصواتٌ تسوّق للهزيمة تحت دعاوى "الواقعية"، كما نرى جهاراً في التعاطي مع قضايا فلسطين ولبنان واليمن وإيران.

غير أن المأساة الأشد تجلت في إدارة المنظومة الإعلامية ذاتها؛ حيث جرى إبعاد القامات وأهل الخبرة ممن قضوا العقود في بناء المهنة، بداعي "تمكين الشباب"، ليتولى القيادة غير المتخصصين ممن لا تربطهم بالصحافة والإعلام أدنى صلة. ونتيجةً لقرارات عشوائية بدعوة تخفيض النفقات، تشرّدت مئات الأسر وتشُرّد الكفاءات.

ومن أعجب مفارقات هذا الزمن المقلوب، أن يُطرد المشهود لهم بالكفاءة والإنجاز، بينما يتم احتواء أصحاب الشبهات والسلوكيات المسيئة الذين طُردوا سابقاً من منافذ متعددة بسبب تجاوزاتهم بحق زميلات المهنة (تحرش يعني)؛ ليتحول هؤلاء بقدرة قادر إلى أوصياء يملكون قرار التعيين والاستبعاد، وينصحون المظلوم صاحب التاريخ المهني بالبحث عن حرفة أخرى!

وتكتمل صورة المقلوبة الإعلامية حين يُفرض الاحتكار على الوسائل والصحف تحت دعوى "حماية الأمن القومي وإنقاذ الوطن"، في غفلةٍ عن حقيقة أننا نعيش في عصر "الفضاء المفتوح" وسيطرة وسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت تفضح هذا الاحتكار وتكشف كل ما يُسعى لتغييبه.

اقتصاد الحروب وارتهان السيادة

ولم يسلم الاقتصاد بدوره من آفة "المقلوبة"؛ حين أضحت السياسات الاقتصادية عبئاً يُثقل كاهل المواطن بدلاً من أن تكون شراعاً لنجاته، وحين تحولت الحروب وحصار الشعوب إلى "مواسم ثراء" واقتناص لثروات الأمم.

ففي المنطق الدولي المقلوب، تستفيد القوى الكبرى من الأزمات والحصار المفروض على الدول؛ فتشتري الصين النفط والموارد الإيرانية بسعر بَخْس دون قيمته العادلة استغلالاً لخنق العقوبات، وتدفع واشنطن للسيطرة على المعابر والمضائق كـ "مضيق هرمز" لفرض الهيمنة على حركة التجارة الدولية، بينما يعلن ترامب بصلفٍ عن تعويض نقص المخزون النفطي الأمريكي من ثروات فنزويلا (!!)

وتبلغ "المقلوبة" الاقتصادية والسياسية ذروة السريالية في العراق؛ حيث يُرهَن القوت اليومي لنحو ثمانية ملايين مواطن عراقي بالموافقة الأمريكية، إذ تُجبر واشنطن بغداد على إيداع عوائد بيع نفطها وثرواتها في الخزانة الأمريكية، لتقوم الأخيرة بصرف "مصروف شهري" للخزانة العراقية(!) وفي حال الامتناع أو المماطلة، يُحرم الموظف والمواطن العراقي من راتبه. ومن خلال هذه التبعية المالية المُصنعة، تتحكم واشنطن في المصير السياسي للحكومات وتفرض شروطها، من حصر سلاح المقاومة إلى منع الرد على الاعتداءات التي أستهدفت مقرات الحشد الشعبي.

وعلى الجانب المحلي، يكتمل مشهد "المقلوبة" حين تُغلق المصانع وتتحول الأصول الإنتاجية والتاريخية إلى مجمعات سكنية وأبراج عقارية، وتتوسع المدن في إقامة المحلات الاستهلاكية ومحطات الوقود، في مقابل غيابٍ شبه تام للمشاريع الإنتاجية الحقيقية؛ ليغدو الاقتصاد قائماً على الجباية والهامش الاستهلاكي لا على أصل التصنيع والزراعة، ويُطالَب المواطن المطحون بتحمل فاتورة بناءٍ اقتصادي لا ينتمى للإنتاج بصلة.

وهكذا، بين "مقلوبة" صلاح الدين التي كانت رمزاً للنصر وتوحيد الصف العربي لتحرير القدس، وبين "مقلوبة" عصرنا التي أضحت عنواناً للانعكاس والتزييف، نجد أنفسنا أمام واقع يُراد لنا أن نعتاد فيه رؤية الأشياء مقلوبة؛ حتى يغدو الحق عدواناً، والعدوان سلاماً، والتخبط منطقاً يُدار به الإعلام والرياضة والاقتصاد والسياسة. غير أن التاريخ أثبت دائماً أن الواقع المقلوب، مهما طال أمدُه واستمر زيفُه، لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، وأن الحقائق ستعود يوماً لتستقر على قاعدتها الصحيحة.
--------------------------------

بقلم: محمد الضبع


مقالات اخرى للكاتب

الإمارات تعلن تضامنها مع مصر والأردن وتعزي في ضحايا انقلاب حافلة بجنوب سيناء